بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

إضراب «القطاع العام» بالمغرب.. القصة الكاملة

بلغت نسبة المشاركة في الإضراب الذي قام به العمال والموظفون المغاربة يوم الثلاثاء، 23 سبتمبر، مثلما أعلن الاتحاد العام للشغالين (ا م ش) والفيدرالية الديمقراطية للشغل (ف د ش) حوالى 80%، شمل العديد من القطاعات كالتعليم والعدل والصحة والجماعات المحلية والتكوين المهني والطاقة والمعادن والثقافة.

أتى الإضراب بعد حالة من الجدل والمماطلة استدعتها الحكومة في الدعوة للحوار المجتمعي لمناقشة مشاكل النقابات العمالية، استمرت على إثره تصاعد متتالي للمسيرات الاحتجاجية طيلة الشهور الماضية، وأرجع (ا م ش، ف د ش) نسبة المشاركة المرتفعة إلى تذمر الشغيلة مما أسموه السياسات اللا شعبية للحكومة، محتجين على موضوع إصلاح أنظمة التقاعد والذى ينص على:

  1. الرفع من سن الإحالة على التقاعد إلى 62 سنة ابتداء من أول يوليو 2015، وذلك بدلا من سن 60 سنة المعمول به حاليا، على أن يُرفع هذا السن تدريجيا بـ 6 أشهر كل سنة ابتداء من 2016، ليبلغ 65 سنة عام 2021.
  2. رفع مساهمات الموظفين في صندوق التقاعد من 10% من أجرهم إلى 14%، مع مرحلة انتقالية تتمثل في سنة 2015، حيث ستُرفع مساهماتهم إلى 12%، فيما سترفع الدولة مساهمتها بشكل مماثل.
  3. تقليص النسبة التي يُحتسب على أساسها المعاش من 2.5% إلى 2%، ذلك أن معاش المتقاعد يُحتسب بناء على عملية حسابية تتمثل في حاصل ضرب عدد سنوات العمل في حدود 41 سنة (بدل 40 سنة حاليا)، في معدل أجر السنوات الثماني الأخيرة (بدل آخر أجر المعمول به حاليا)، في 2% (بدل 2.5 حاليا).
  4. تقليص النسبة التي يُحتسب على أساسها التقاعد النسبي من 2% إلى 1.5%.

العمال يدفعون ثمن التقشف
تأتي القرارات الأخيرة للحكومة تنفيذاً لمشروع قانون المالية لعام 2014، والذي يتضمن “إصلاحات” هيكلية وضريبية، وتقليل العجز في موازنة المالية بما يعني ترشيد الإنفاق الحكومي في دعم الخدمات الاجتماعية كالتغطية الصحية وجودة التعليم ومحاربة الفقر، حيث بلغت نسبة البطالة في 2014 حسب ما أفادت المندوبية السامية للتخطيط 10% في إطار توجه الدولة إلى اتباع نظم السياسة النيو ليبرالية، فتسعى سعيا حثيثاً لخصخصة بعض القطاعات العامة كالتعليم العالي والبحث العلمي والجامعة الوطنية للماء الصالح للشرب، من خلال تدابير للشراكة مع دول أجنبية، وهو ما لا يتوفر من حيث الإمكانيات المادية والبشرية، حيث تحتاج الجامعة الخاصة إلى هيئة تدريس والتي تنوى الدولة تعويضها من القطاع العام مما له أثر بالغ فى تدهور العملية التعليمية، كما أشار البيان الصادر عن الجامعة الوطنية للماء الصالح للشرب إلى تمسك النقابة بهذا االقرار بعد تسليع المياه، وبأنها حق مقرر للجميع.

وتشمل سياسات الدولة التخفيف عن أصحاب الشركات بزيادة حجم الإعفاءات الضريبية وتقليل الضرائب بحجة جذب الاستثمار وزيادة موارد الدولة، وهو ما لا يتحقق على أرض الواقع، ففي 2011 تقدر مديرية الضرائب في تقرير لها حجم الإعفاءات الضريبية سنة 2011 بما يزيد على 32 مليار درهم بزيادة 7.6% عن سنة 2010، كما أشار التقرير إلى أنه يشكل 3.7% من الناتج الوطني الخام الإضافي، كم أن الشركات استفادت خلال نفس العام من 60% من حجم الإعفاءات الضريبية، ضعف ما استفادت منه الأسر المغربية 30 %.

يضاف إلى ذلك حجم الفساد في الدولة في توزيع الإعفاءات، فعلى الرغم من أن الصيد الساحلي يستفيد من الإعفاءات الضريبية والجمركية فإن الحكومة خصصت عبر صندوق المقاصة منذ 2011 إلى شهر أبريل من العام 2013 ما يزيد عن 564 مليون درهم كدعم للمحروقات لفائدة مجهزي البواخر في الصيد الساحلي، وهو مبلغ ضخم تحاشت الحكومة الحديث عنه خلال ترويجها لخطاب التقشف وترشيد نفقات الدولة، وخصوصاً منها نفقات المقاصة، مع العلم أن صندوق المقاصة لم يكن يوما من اختصاص دعم قطاع الصيد البحري، لأن هذا الأخير مدعم أصلا بواسطة قانون داخلي يستفيد من خلاله من الاعفاء من الرسوم الجمركية عن المحروقات، ومن مجموعة من الاعفاءات الضريبية المتمثلة في استرجاع المجهزين في هذا القطاع للضريبة على القيمة المضافة في العديد من مدخلات الإنتاج.

ومع الإضراب، اتهمت النقابات رئيس الحكومة باتخاذ قرارات انفرادية في هذا الشأن دون العودة إلى مقترحاتها وتوصياتها في إطار إصلاح شمولي كما قالت تلك النقابات. كما قررت الجامعة الوطنية للماء الصالح للشرب الانضمام لقافلة النقابات والقطاعات، مطالبين في بيان لهم بالإعلان بشفافية عن نتائج امتحان التوظيف وضرورة فتح حوار عاجل وتنفيذ الاتفاقات السابقة. كما أعرب اتحاد النقابات المستقلة في البلاغ الصادر منها رفضه خطة الحكومة لإصلاح أنظمة التقاعد، ورفضها تحميل الشغيلة مسئولية إفلاس صناديق التقاعد، كما تحمل الحكومة الحالية تبعات قرارتها المناقضة لكل وعودها الانتخابية.

الإضراب.. مشروع
من جانب آخر تناول بيان النقابة الوطنية لموظفي التعليم العالي والأحياء الجامعية تنصل الدولة من مسئولياتها تجاه المواطنين محملة إياها السبب في غلاء الأسعار، وذلك على المستوى العام. أما فيما يخص القطاع فقد عبرت النقابة عن استيائها من تجاهل الوزير للحوار مع النقابة وتراجع مستوى التعليم في عهده معللين ذلك بالتهميش الممنهج لباقي مكونات القطاع وتنفيذ مشروعات بعيدة كل البعد عن أي إصلاح ذو بعد عقلاني.

في هذا السياق قال عبدالكريم، مدون الكاتب العام للنقابة: “إن الإضراب الذي تخوضه النقابة مرتبط بمجموعة من القضايا تهم منظومة التعليم العالي والبحث العلمي، ومصير الحوار مع الوزارة الذي بدأ منذ سنة ونصف، فيما تعاني الجامعات من قانون يتعلق بالوكالة الوطنية لتقييم التعليم العالي والبحث العلمي، فحسب ما جاء في القانون تضطلع الوكالة بتقييم أنشطة مؤسسات التعليم العالي أو الخاص ومؤسسات البحث العلمي، قصد الحصول على الاعتماد أو تجديده. وخاصة أن هذا القانون تم تمريره بسرعة في البرلمان دون أخذ الوقت الكافي لمناقشته، متجاهلين التوصيات التي أرسلتها النقابة الوطنية للتعليم العالي مما يثير الريبة في هذا القانون وخاصة أن رئيس الوكالة هو رئيس الحكومة “عبدالإله بنكيران” مما يهدد استقلالية الجامعات. ولا توجد أي استراتيجية واضحة للنهوض بالتعليم فعلى سبيل المثال لا توجد خطة ما لتعويض الأساتذة المحالين للمعاش مما سيسبب فراغاً فى هذه المناصب، ولا يمكن لقانون إصلاح أنظمة التقاعد حل مثل هذه المشكلة فكل ما سيوفره هو تأخير الأزمة سنة أو سنتين.

فيما يخص هيئة التدريس فإن رؤساء الجامعات وعمداء الكليات لا يتم انتخابهم بل تعيينهم من الحكومة ولا يحق لأحد مسألتهم أو محاسبتهم، فعلى سبيل المثال، يقضي رئيس الجامعة في منصبه 8 سنوات، ويمضي دون أي محاسبة.

أما في قطاع الصحة، فيعمل به 60 ألف عامل لأكثر من 32.5 مليون نسمة، مما يعني أن المغرب حسب المعايير الدولية في حاجة إلى ما لا يقل عن 19 ألف من مهنيي الصحة بشكل عاجل لتغطية النقص، كما لا تتجاوز نسبة الإنفاق على الصحة في المغرب 5% من الميزانية العامة للدولة في وقت تحدد فيه منظمة الصحة العالمية النسبة المثلى في 12%!

في ظل هذا الحراك يجب على الثوريين أن يوجهوا العمال لبناء تنظيمات توحد مطالبهم مثل لجان الإضراب ولجان المندوبين حيث تكون على صلة مباشرة بالعمال ومطالبهم على عكس النقابات التي تسعى دائما للحوار مع الدولة وتبنيها رؤية إصلاحية حتى إذا انتقص هذا الحوار من حقوق ومطالب العمال، وخاصة أن الانتخابات التي تجري داخل النقابات تعاني من بيروقراطية شديدة لا تمكن العمال من خلالها من انتخاب قيادات النقابة، وبالتالي تعاني القواعد العمالية من العزلة.