بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

في ظل هجمات التحالف الدولي على داعش:

هل أصبح الحوثيون أخف أعباء الأنظمة؟

في أغسطس الماضي، اندلعت مظاهرات عارمة شارك بها الحوثيون بجانب عشرات الآلاف في العاصمة اليمنية صنعاء تنديدا بإجراءات رفع الدعم عن الوقود. انطلقت، على الجانب الآخر، التهديدات السعودية تتوعد أي مساس بالمبادرة الخليجية التي قضت بالحكومة الأخيرة في إطار نقل السلطة والحفاظ على النائب السابق لبن صالح رئيسا حاليا للبلاد.

وفي سبتمبر، وبعد مرور شهر، تطورت الأحداث سريعا لتسيطر التحركات العسكرية للحوثيين على مقرات الحكومة، ووزارة الدفاع، والقيادة العامة للجيش، والبنك المركزي، ومقري وزارتي الإعلام والصحة، والخط المؤدي إلى مطار صنعاء. فيما اتجهت معاركهم إلى المواقع الاستراتيجية حول مضيق باب المندب، لتعلن الحكومة توقيع اتفاق يقضي باقتسام السلطة مع الحوثيين وإعلان تعيينات وزارية جديدة. لكن، هذه المرة، التزمت السعودية الصمت ما عدا بعض العبارات المقتضبة والوفود الدبلوماسية بدرجة لا تتلاءم مع تهديداتها النارية المتواصلة ودورها العسكري المتنامي في المنطقة، بل اكتفى وزير خارجيتها منذ يومين بدعوة جميع الأطراف باليمن لترك السلاح وتحكيم “صوت العقل”، الأمر الذي يثير مزيدا من التساؤلات.

الحوثيون.. كيف تصنع الأنظمة عدوا؟
الحوثيون هم من الشيعة الزيدية ويمثلون 30% من سكان اليمن، وهي نسبة ليست قليلة على الإطلاق، يعانون التهميش. كما شهدت المبادرة الخليجية المتعلقة بنقل السلطة عام 2012، إثر انتفاضة عارمة ضد بن صالح، تهميش تام لهم. وفي يناير الماضي، اعتمدت الحكومة الحوار الوطني بعد انسحاب الحوثيين منه إثر اغتيال ممثلهم برصاص مسلحين مجهولين.

انحسرت مطالب الحركة الحوثية في إطلاق الحريات السياسية والدينية بمنطقة صعدة التي يقطنونها، وإنشاء حزب سياسي مدني للجماعة، وإنشاء جامعة معتمدة لها في شتى المجالات المعرفية، وضمان حق أبناء المذهب الزيدي في الكليات الشرعية، واعتماده مذهبا رئيسيا في اليمن.

نشأت الحركة الحوثية في كنف حزب الحق المعارض، الذي ضم عددا من القضاة الزيديين. ظهرت مشاركتهم في الحرب الأهلية بجانب الحكومة اليمنية التي انتهت بضم جنوب اليمن، ووفقا للكاتب اللبناني فواز الطرابلسي فإن: “مصدر التوتر الأول بين السلطة اليمنية وتكويناتهم المعروفة بـ “مجاميع الشباب المؤمن”، التي نشأت لتدارس العلوم الدينية، حدث بعد تركيزهم على شعارات معادية لإسرائيل والولايات المتحدة عشية شن الأخيرة عدوانها على العراق عام 1991، حيث أدوا دورا مهما في التظاهرات اليمنية المنددة بالعدوان الأميركي.. تبنى حسين الحوثي، مؤسس الحركة وعضو برلماني سابق، خطا آخر قاده إلى الإعلان بنفسه عن تيار جديد أسماه “حركة الشعار” المناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل، والمناصرة للقضية الفلسطينية”. ووفقا للكاتب أيضا فإن: “البعض يقول إنه أعلن الردة على النظام الجمهوري، ونصّب نفسه إماما وحرّم دفع الزكاة للسلطات”.

تؤكد غالبية المصادر أن حرب صعدة الأولى اندلعت في 2004، عند محاولة الدولة اعتقال حسين الحوثي بعد خروج جماعة “الشباب المؤمن” في تظاهرات حاشدة تندد بأميركا وإسرائيل. انتهت الحرب بمقتل حسين الحوثي في سبتمبر من العام نفسه والدخول في دوائر من الصراع المسلح تعقبها اتفاقات بإعادة الإعمار وتنمية صعدة، لكن حكومات بن صالح، المتعثرة في اقتصادها والغارقة في فسادها، تخلت عن مسئولياتها الاقتصادية والاجتماعية تجاه الإقليم.

في أواخر عام 2010، وقبل اندلاع الثورة الشعبية ضد نظام بن صالح، صدرت أوامر بإيقاف حالات الضمان الاجتماعي في صعدة وحرمان مستحقيها، المقدر عددهم بـ 30 ألف أسرة، من صرف إعانتهم التي تصرف كل 3 أشهر. ناهيك عن الدمار الواسع الذي خلفه الصراع بالمحافظة بعد تغليب النظام الحاكم الحرب على المعارضين لسياساته واغتيال قادتهم بدلا من مراجعة تلك السياسات اقتصاديا واجتماعيا لصالح كل اليمنيين.

الحوثيون من جانبهم، وبرغم تصاعد الحالة الثورية باليمن، لكنهم استغلوا الحراك الشعبي الذي اندلع قبل شهرين ضد الإجراءات الاقتصادية في التقشف للصعود السياسي دون إحداث حراك ممتد ينزع حقوق المضطهدين كافة وليس الشيعة فحسب.

تشابه النظام اليمني مع كل الأنظمة العربية التي ثارت ضدها الشعوب في إذكاء الطائفية تجاه المتمردين الحوثيين على خلفية التوجه الديني الشيعي في الوقت الذي ينشط فيه المتطرفين السنّة من تنظيم القاعدة لإقامة خلافتهم الإسلامية باليمن، أضف إلى ذلك تشابك وتعقد الشأن الداخلي وقلب النظام في مؤسسته العسكرية التي يحوم حولها شبهات الولاءات المتعددة وتفكك مصالحها حول الأشخاص، بما أتاح فرص أكبر لعقد الصفقات والموالاة داخليا وخارجيا.

وفي المجمل، أصبح النظام اليمني حليفا ذا أهمية بالغة لدى المملكة السعودية، التي ساهمت بتحالفها العسكري مع البحرين في قمع الانتفاضة البحرينية السلمية التي قادها قيادات معارضة من الشيعة بعد أعوام من التهميش والتجنيس السياسي، لتساهم أيضا على مر سنوات طويلة في إمداد النظام اليمني بالأسلحة ضد الحوثيين، وآخرها في شهر أغسطس الماضي، حفاظا على مصالحها الجنوبية، ليس فقط في قمع الثورات، لكن في تطبيق مصالح الإمبريالية الأمريكية بالمنطقة وتفويت كل الفرص لتدخل إيران.

إذن، لا يمكن أن نفهم صعود الحوثيين وتقاسم الحكومة السلطة معهم والغياب التام لمجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية إلا بطرح مزيد من التحليل حول خريطة التحالفات مؤخرا في المنطقة وفي ضوء الحرب على داعش.

إيران والسعودية.. اللعب بالبيضة والحجر
الأحداث توالت كالآتي: خلال الشهر الماضي، تصريحات حول مقايضة الدول الست، بما فيهم الولايات المتحدة، لإيران بتخفيف العقوبات الاقتصادية والتشديد حول برنامجها النووي في مقابل الانضمام لتحالف ضرب داعش. نفت إيران بشدة قبول ذلك العرض، وبعدها أعلنت عن لقاءات مثمرة واتفاقات جديدة في اجتماع وزراء الخارجية للبلدين المتخاصمتين إيران والسعودية، لتنقل الشرائط الإخبارية بالقنوات الفضائية مؤخرا إعلان وزير الدفاع الإيراني تنسيق بلاده العسكري مع النظام العراقي ضد داعش.

التحولات في الموقف الإيراني ليست متناقضة، بل تتسم بمنتهى الاتساق:
فأولا: الحضور الإيراني على الساحة تميز بالتوغل العسكري طيلة عدة سنوات. الحرس الثوري وحليفه بالمنطقة، حزب الله، قادوا إدارة المعركة بالداخل السوري والعراقي، بما يعني أهمية دخول إيران للتحالف الدولي كحليف ميداني هام.

ثانيا: انضمام إيران للتحالف هي خطوة دولية حاولت الولايات المتحدة رسمها من قبل، في شكل الاتفاقات والمؤتمرات الدولية منها جنيف 2، للخروج بحل سياسي للأزمة السورية يضمن ائتلافا يستوعب النظام الحالي مع المعارضة. دخول إيران، أشد حلفاء النظام الأسدي، إلى التحالف الذي يضم السعودية ودول الخليج من ناحية وأمريكا والدول الأوروبية المعادية للنظام السوري من ناحية أخرى هو عودة للنقطة التي مازالت تراود الحلول الغربية في الخروج من مأزق الأزمة السورية سياسيا. لذلك قدمت أمريكا الإغراءات الاقتصادية لإيران.

ثالثا: تلاقي المصالح السياسية لإيران في ضرب داعش مع عدم إعلانها الصريح للانضمام للتحالف هو حذر سياسي بالأساس، يجمع النقاط السابقة، ليعفيها من ضغوط دولية قد تؤول مستقبلا لإضعاف تحالفاتها الإقليمية الممثلة بشكل رئيسي في دعم النظام السوري.

على الجانب الآخر، وجدت السعودية أن داعش هو الخطر الأكبر الذي يهدد استقرار المناطق الحدودية الشمالية في سوريا والعراق لفترة حافظت فيها السعودية على مستوى ثابت من توازن الصراع لصالحها، لكن الوضع الآن ينبئ بالانفجار والإفلات بشكل مطرد من تحت سيطرتها. القضاء على داعش هو أن تستعيد السعودية هيمنتها على الساحة القتالية الشمالية بدرجة تضمن عدم تجذير الثورات العربية من ناحية، ومن ناحية أخرى عدم تطور الصراعات خارج سيطرتها كحليف هام ويد للإمبريالية بالمنطقة.

اللقاءات السعودية الإيرانية قد تعني عمليا: مشاركة إيران في التحالف، المتسق معها تماما في الأهداف والقضاء على داعش، دون التدخل العسكري الصريح نظير فتح الساحة اليمنية، أو على أقل تقدير، تقديم تنازلات في المبادرة الخليجية والسماح بأجواء عسكرية فرضت صعود الحوثيين سياسيا واقتسامهم للسلطة.

لنجد، ولأول مرة منذ 3 سنوات على الأقل، اتفاق تام بين إيران والسعودية وأمريكا بالدرجة التي لا نجد أي تحليل منطقي لدى هؤلاء، ممن يروجون للطائفية والغزو الشيعي على السنة، بادعاءات سطحية حول مهمة الدفاع عن الإسلام من “الروافض” والغزو الشيعي!

قطر: عودة الابن الضال.. بأوامر أمريكية
نفس الفكرة تنطبق على قطر حيث إعادة رسم خريطة للتحالفات بناءا على معايير جديدة.

تعتبر قطر أول قاعدة عسكرية أمريكية في الخليج كله، حيث تضم ما يكفي لأكثر من 100 قاذفة ومقاتلة، كما تضم طائرات الاستطلاع وسرب من طائرات F16 المقاتلة، وجنود أمريكيين يقاربون عدد 4 آلاف.

قبل أواخر مارس 2002 نقلت واشنطن معدات الاتصالات من قاعدة الأمير سلطان الجوية بالسعودية إلى قطر بهدف توفير المرونة التشغيلية لقيادة الحرب في المنطقة، واستخدمتها كأهم منطقة عسكرية تديرها أمريكا في شن غارتها على العراق أثناء الحرب عليها عام 2003، ووفقا لذلك أيضا توسعت المنطقة العسكرية لتضم قاعدة أخرى خارج الدوحة قادرة على استيعاب قيادة الجيش الثالث الأمريكي والقيادة المركزية.

أصبحت قطر لا تمثل مجرد حليف، لكنها ذات أهمية جيوسياسية للولايات المتحدة ومصالحها بالمنطقة، وخروج قطر من التحالف الخليجي للحرب على داعش يعني عمليا، بشكل أو بآخر، ضعف التواصل التنظيمي بين البلاد الحاضنة للقواعد الأمريكية، وخاصة إن كانت القواعد الأمريكية في السعودية تعمل كمركز معلوماتي للتنسيق والاستخبارات، والقواعد الأخرى في قطر تحتضن القوة والمعدات العسكرية.

وبدلا من تصعيد الخطاب الخليجي تجاه قطر، انضمت الشقيقة الصغرى لأخواتها، وتبنّى اتفاق الرياض مؤخرا صيغا تقضي بعدم التدخل في شئون البلاد مع عدم السماح بأي أخطار تهدد استقرار دول الخليج كافة.

الحوثيون: حليف اليوم.. عدو الغد
وعلى الرغم مما تناقلته الصحف الأمريكية، طيلة السنوات الماضية، حول تورط قوات النخبة في الحرس الثوري الإيراني بتهريب كميات كبيرة من الأسلحة وقاذفات الصواريخ إلى الحوثيين، إلا أن الواقع يؤكد على الجانب الآخر بأن المتمردين هم جماعات مسلحة غير منظمة سياسيا ويفتقرون للكوادر السياسية المخضرمة بفعل الانخراط بالحروب لما يزيد عن 10 سنوات، ولا يملكون أي خطط وبرامج لإدارة البلاد، تتميز، على الأقل، في اختلافها عن الإدارة الحالية، كما أن اجتياحهم العسكري لمؤسسات الدولة واحتلالها مؤخرا لا يعني قوة عسكرية مهيمنة بالقدر الذي يطرح، على الجانب الآخر، مناقشات أوسع عن مدى تماسك الجيش اليمني حول النظام والولاءات بداخله.

وبناءا عليه، فإن توقيع اتفاق الحكومة اليمنية لاقتسام الحوثيين السلطة والحصول على وعود بالمشاركة في مقاعد وزارية أو برلمانية في الفترة الحالية هو أقصى المكاسب التي يمكن الحصول عليها. هذه “الصفقة” السياسية قلبت كل التوقعات السعودية قبل 3 أعوام بشأن سيطرتها على اليمن وخرق تهديداتها حول انتهاك المبادرة الخليجية، لكن “استيعاب الحوثيين” سياسيا حتى لو بشكل مؤقت قد يعمل في صالحها، حيث التأمين النسبي للجبهة الجنوبية للقوات العسكرية الخليجية بالدرجة التي تطرحها كمعركة مؤجلة لا تلحق ضررا لمصالحها الحالية أثناء انشغالها في معارك أهم بالجبهات الشمالية.