بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

حول نتائج الإنتخابات التشريعية

ما الإجابة التي قدمتها تونس؟

دلالات فوز نداء تونس بين الواقع والوعي المزيف
أعلنت النتائج الشبه نهائية عن فوز حزب نداء تونس ب 85 مقعدا من جملة 217. يليه حزب النهضة الإسلامي ب69 مقعدا.

ونداء تونس هو حزب تكون بعد الثورة ويضم تحالفات بين شخصيات سياسية محسوبة على النظام القديم، رجال أعمال انتفعوا من الفساد في عهد بن علي، ليبراليين ديمقراطيين، وبعض الشخصيات النقابية الصفراء واليساريين الانتهازيين. هي خلطة عجيبة من التحالفات هدفها التصدي للإسلاميين وإعادة الاستقرار للنظام. ولاريب في أن نداء تونس انتفع من شبكات فساد النظام السابق وعوّل في حملته الانتخابية على الكوادر الوسطى لحزب التجمع (الحزب الحاكم زمن بن علي) المنحل. واستعمال المال لشراء الذمم لم يكن حكرا على نداء تونس بل كان منتشرا ومارسته النهضة والاتحاد الوطني الحر الذي تحصل على 16 مقعدا.

عمد نداء تونس منذ تكوينه على استبعاد الوجوه المعروفة من الأزلام (الفلول) في مرحلة أولى ثم استقطاب النافعين منهم بعد تطبيع عودة الأزلام للحياة السياسية. وقد ساهم وجود أحزاب “تجمعية” (أي تحتوي على وجوه معروفة من النظام السابق) عن إبعاد شبهة صفة  “الحزب التجمعي” عن نداء تونس.

في بداية هذه السنة تم الإفراج عن 4 شخصيات من القيادات الأمنية والسياسية للنظام السابق والإفراج عن العديد من الأمنيين المتورطين في قتل الثوار أو الحكم عليهم بأحكام مخففة.و في حين استنكرت كل الأحزاب عدم إنصاف شهداء الثورة وجرحاها (رغم أن موقفها كان انتهازيا بالأساس) أكد نداء تونس على “ضرورة احترام القانون”!

برهن نداء تونس أنه الأجدر على الحفاظ على مصالح النظام وإعادة هيبة الدولة وذلك من خلال الشعبية التي اكتسبها لدى الطبقة الوسطى ولدى المتقدمين في السن. ولذلك حظي بدعم الشبكات الاقتصادية للنظام السابق ولم تفز الأحزاب “التجمعية” الأخرى إلا بمقاعد قليلة. ركزت الحملة الانتخابية لنداء تونس على فكرة “التصويت المفيد” لإقصاء النهضة، أي أن من لايصوت للنداء فهو يساهم في فوز النهضة ويعطيها إمكانية تشكيل الحكومة، مع العلم أن الدستور ينص أن الحزب الحائز على أكبر عدد من المقاعد هو الذي يتولى تشكيل الحكومة التي يجب أن تتحصل على ثقة المجلس البرلماني المنتخب من خلال التصويت.

رغم كل ماقام به نداء تونس من جهد للظهور بثوب مختلف عن حزب التجمع إلا أنه في الواقع حزب الدولة الأقرب إلى النظام القديم (وبالمقارنة بمصر هو يقف بين جبهة الإنقاذ وأحمد شفيق فلا يعيد إنتاج القديم كليا ولايستبعده حتى بالمفهوم الانتهازي لجبهة الإنقاذ).

لايمكن فهم نجاح نداء تونس دون التوقف عند ثنائية مفهوم الدولة بين الواقع والوعي الزائف. هل انتخب الشعب نداء تونس لحماية الدولة التي كانت في خدمة المواطن وأمنه؟ أم انتخبه لعودة دولة البوليس؟

دولة الاستقلال في تونس عرفت فترات من النمو الاقتصادي الذي غير حياة العديد نحو الأفضل وذلك لايزال عالقا في ذهن المتقدمين في السن ولكنها كانت كذلك منحازة للأغنياء ولرجال الأعمال مما أدى إلى التفاوت بين المناطق الجغرافية وإلى تنمية غير عادلة.  كانت دولة استبداد قمعت الانتفاضات الاجتماعية بعنف شديد في العديد من الفترات. وجاء تغول البوليس نتيجة للسياسات الليبرالية منذ بداية السبعينات. تلك السياسات أنتجت غضبا شعبيا هدد الطبقة الحاكمة التي أدركت أن استمرارها في الحكم يتطلب أجهزة قمع قوية. ومع بن علي تحولت تونس لدولة بوليسية خانقة للحريات. لذلك فنظام بن علي هو الابن الشرعي للنظام البورقيبي.

هل من المنطقي أن يتوهم اليسار أنه بإمكانه الحفاظ على هامش الحريات في تونس دون التصدي للسياسات الليبرالية من خلال النضال الإجتماعي بقيادة الطبقة العاملة؟

للأسف جاء فوز نداء تونس ليؤكد نجاح الطبقة الحاكمة في التقدم خطوات جديدة نحو إعادة هيبة الدولة وبوليسها الذي مرغت الثورة أنفه في التراب.

نجاح نداء تونس يمثل فرصة جديدة للنظام ليدافع عن دولة الاستقلال والمشروع البورقيبي تحت عناوين الحداثة والوطنية. وبهذا المنطق تتحول الثورة بعد هزيمتها إلى فرصة يستعيد بها النظام شعبيته ويرمم من خلالها الانشقاقات التي أحدثتها الثورة بداخله ويعيد لأفكاره العفنة هيمنتها في المجتمع.

بمكن القول أن الطبقة الحاكمة تمكنت ولو إلى حين من الجمع بين الحسنيين وهما التحدث زورا باسم الديمقراطية والثورة وإعادة هيبة الدولة: أولا من خلال “الحرب على الإرهاب” وترهيب الناس بخطر تفكك الدولة وسقوطها بأيدي “الظلاميين” وثانيا من خلال كسب شعبية تمكنها من العمل على تقوية أجهزة الدولة دون ضغوطات.

ماذا عن حدث الانتخابات؟ هل هو إنجاز في ذاته؟ وماهي دلالات إقبال الشعب على صناديق الإقتراع؟
الإنتخابات هو إنجاز للشعب رغم أنف النظام. ولذلك علينا أن لا نترك الطبقة الحاكمة تضع الانتخابات في خانة إنجازاتها. علينا أن لا نروج للصورة التي تقدم حول “العرس الانتخابي” وأن الانتخابات هي دليل على نجاح الانتقال الديمقراطي في تونس… خاصة وأن ذلك يساهم في تغييب حقيقة تنكر الحكومات السابقة لمطالب الثورة الاجتماعية وعدم إنصاف شهداء الثورة وجرحاها والقصاص من المجرمين. فأي انتقال ديمقراطي في ظل عودة دولة البوليس وانتقامها من الشباب الذين شاركوا في الحراك الثوري؟ أي انتقال ديمقراطي في ظل انتهاكات حقوق الإنسان والتعذيب الذي يمارس ضد السلفيين وغيرهم في إطار الحرب ضد الإرهاب؟

خيار مقاطعة الانتخابات كان خاطئا وتنازلا للطبقة الحاكمة في المعركة الانتخابية. والمشاركة في الانتخابات في غياب بديل ثوري على الميدان كان القرار الصائب. علينا أن نواجه الطبقة الحاكمة في كل معركة ممكنة.

تسعى الطبقة الحاكمة لأن تحيك صورة للأحداث تناسب مصالحها. فروجت أن إنجاز الانتخابات الأولى سنة 2011 نجاح  يحسب للقائد باجي السبسي – رئيس حزب نداء تونس – ودليلا على تمسكه بقيم الديمقراطية في حين أنه كان رئيس الحكومة في فترة كان يرتعد فيها النظام خوفا من المد الثوري ويتخبط لإرضاء الجماهير خاصة وأن ذراعه الأمني كان مهزوما شر هزيمة. كانت الانتخابات وسيلة للتخلص من الضغط الجماهيري. فمن الأجدر القول أن الاتتخابات هي صنيعة النضال الاجتماعي والثورة.

ساهمت النهضة في إعطاء مصداقية لخرافة أهمية دور القائد باجي السبسي في عملية “الانتقال الديمقراطي” كما ساهمت الجبهة الشعبية في تزييف الوعي الجماهيري عندما اقتربت من النداء أثناء المظاهرات ضد حكم النهضة أواخر سنة 2013 واعتبرت نداء تونس جزءا من “العائلة الديمقراطية”. ومع تسطيح مفاهيم الديمقراطية والحداثة يتحول انتخاب نداء تونس في ذهن العامة إلى انتصار للديمقراطية.

حكمت النهضة إثر انتخابات 2011 في إطار تحالف ثلاثي (الترويكا)  مع حزب المؤتمر (القومي العروبي) وحزب التكتل (الاشتراكي الديمقراطي). وأدى فشل الترويكا في الحكم إلى تراجع خفيف لشعبية النهضة وهزيمة حلفائها شر هزيمة. فبما أن العديد ساهموا في تشويه صورة الثورة وتقديم نداء تونس كحزب مختلف عن حزب التجمع (الحزب الحاكم في عهد بن علي) أصبح انتخاب أكبر قوة سياسية يمكنها هزيمة النهضة الخيار المنطقي لدى العديد ولا يعني فوز نداء تونس رغبة الشعب في العودة إلى ماقبل 14 يناير (اندلاع الثورة).

والنهضة كحزب مرتبط بمصالح جزء من الطبقة الحاكمة قامت في السابق بتقديم خروجها من الحكم بعد فشلها الاقتصادي الذريع والاغتيالات السياسية كدليل على قبولها باللعبة الديمقراطية في حين أن انسحابها كان نتيجة للضغط الجماهيري وخوفا من أن تقع ضحية إنقلاب كما وقع في مصر. وتسعى النهضة الآن إلى توسيع مفهوم الدولة الوطنية لتصبح جزءا منه فنراها تتخلى عن الخطاب المعادي لتاريخ الدولة البورقيبية. وهي تريد أن تستثمر قبولها بنتائج الانتخابات لتندمج أكثر في صلب النظام وهي لن تتردد في الدفاع عن مصالحه وليس من الغريب أن تعلن استعدادها للتحالف مع نداء تونس لتكوين حكومة وحدة وطنية قوية.

أليس تجنب التصادم الدموي بين النظام القديم والنهضة أمرا إيجابيا؟
أكيد. تجنب العنف هو في مصلحة الطبقة العاملة والشعب وتجنب ماحدث في مصر أمر هام جدا. ولكن التقارب بين النداء والنهضة جاء لخدمة مصلحة الطبقة الحاكمة التي أدركت أنه من الضروري إعادة بناء أجهزة الدولة ومن أهما الداخلية لبسط هيمنتها والدفاع عن مصالحها الاقتصادية. ستسعى هذه الطبقة لتنفيذ برنامج اقتصادي ليبرالي معاد لمصلحة الأغلبية وذلك يتطلب طبعا جهازا أمنيا قويا. وبالتالي لايمكن أن نتخيل نجاح الديمقراطية في تونس دون نضال عمالي يحقق العدالة الاجتماعية. ولن يتم ذلك دون تنظيم وقيادة الطبقة العاملة لخوض هذه المعركة.

ماذا عن الجبهة الشعبية (أكبر قوة سياسية تحتوي على يساريين ومناضلين)؟
لعبت الجبهة الشعبية دورا هاما عند نشأتها في توحيد النضال ضد حكومة الترويكا وكسبت قاعدة شعبية على أساس انحيازها للثورة ومشاركتها الفعالة في النضال العمالي والنقابي. ولكنها للأسف تخلت عن قيادة النضال الطبقي والنضالات الاجتماعية عند ذروتها في أواخر 2013 وخيرت التحالف ولو مؤقتا مع البرجوازية. ورغم إبتعادها عن نداء تونس بعد انسحاب النهضة من الحكم في بداية سنة 2014 إلا أنها واصلت مساندة الدولة من خلال تأييدها “الحرب ضد الإرهاب” دون تسليط الضوء على إرهاب الدولة وانتهاكات حقوق الإنسان التي تقترف بحق السلفيين.

وبذلك تكون الجبهة تراجعت عن دفاعها الشرس عن الحريات لصالح قمع الدولة لأن الأمر يتعلق بالإرهاب. وذلك لايفضح انتهازية الجبهة فحسب بل إنه أدى إلى تقوية النظام ببوليسه وأفكاره ويعتبر سببا من أسباب انتصار نداء تونس.

هذه الخيارات السياسية للجبهة ليست مجرد أخطاء بل متناسقة مع الأفكار التي تحملها القيادات التي ترى أن الجبهة ستصبح أكثر شعبية من خلال طرح المشروع الوطني الكبير والتخلص جزئيا من خطابها اليساري.

ولكن التقارب مع نداء تونس أدى إلى العديد من الانتقادات بداخل الجبهة نفسها. ويرى الكثيرون أن شعبيتها زادت عندما ابتعدت عن نداء تونس.

تفيد نتائج الانتخابات بفوز الجبهة الشعبية ب15 مقعدا كما فاز كل من عدنان الحاجي النقابي المناضل المستقل وأحمد الخصخوصي عن حزب الديمقراطيين الإجتماعيين بمقعد. وتجدر الملاحضة أن الجبهة فازت بمقاعد في المناطق المحرومة التي شهدت نضالات عمالية وحيث يوجد حضور لنقابيين مناضلين.

وبالتالي فالجبهة الشعبية أمام خيارين: الانسياق في تزييف الوعي ومواصلة الدفاع عن المشروع الوطني الكبير، الوهم، ولعب دور المعارضة على يسار الدولة أو الانحياز للطبقة العاملة والمفقرين إلى حد التصادم مع خيارات الطبقة الحاكمة.

شخصيا أرى أنه لاطائل من فوز الجبهة الشعبية بمقاعد في البرلمان إن لم تقم بدورها كقوة سياسية يسارية حقيقية تقف ضد النظام. إن لم يتحمل اليسار عناء تقديم خطاب ينقد فيه النظام الرأسمالي برمته لن يتمكن من فك الارتباط بأفكار الطبقة الحاكمة ولن يتمكن من تقديم الدعم السياسي للطبقة العاملة وسيكون سبباً في فشلها في الصراعات القادمة.