بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فوز السبسي في تونس.. مسار جديد للثورة المضادة

أسفرت الانتخابات الرئاسية الأخيرة عن فوز مرشح حزب نداء تونس الباجي قائد السبسي في مقابل منافسه، الرئيس السابق، محمد المنصف المرزوقي، والذي كان المرشح الفعلي لحركة النهضة والأحزاب والحركات الدينية التي تدور في فلكها، فيما تحصلت الجبهة الشعبية التي تعتبر الممثل الفعلي للقوى الديمقراطية والثورية عبر مرشحها حمّه الهمّامي على المرتبة الثالثة وهمشت بقية القوى تقريبا.

المشهد السياسي الداخلي
لا يمكن بأي حال من الأحوال فهم ما ستؤول إليه الأوضاع في تونس، وخاصة مصير الثورة وأهدافها بعد الانتخابات، دون تحليل مستفيض لطبيعة القوى السياسية والطبقية المنتصرة في هذه الانتخابات وقراءة موازين القوى التي دارت في إطارها المعركة السياسية حول السلطة بين الشعب الذي ثار سابقا على نظام بن علي وقواه السياسية من جهة وبين القوى الرجعية التي تريد الالتفاف على ثورة الشغل والحريّة والكرامة الوطنية من جهة أخرى.

بعد سقوط بن علي وحل حزبه الشمولي عاشت القوى الطبقية التي تربّت في رحم النظام القديم نوعا من التيه واليتم التنظيمي وحالة من الانهيار المعنوي والارتباك والرعب بالنظر للحالة الهجومية التي كانت تعيشها جماهير الشعب ضد كل ما يمثله النظام القديم المسئول عن كل المظالم والجرائم والأوضاع القاهرة التي عاشها الشعب التونسي طيلة سنوات. مثلت حركة النهضة التونسية آنذاك البديل الجاهز دوليا وإقليميا في إطار مشروع الحكم الجديد للوطن العربي عبر أحزاب الإسلام السياسي العميلة.

اقتنصت النهضة هذه الفرصة لتتشكل كقوة منظّمة شعبيا وتنظيميا بالنظر لتعاطف غالبية الشعب مع تاريخ الظلم والسجون والتعذيب الذي عانته زمن بن علي، وكانت هي الأجهز من غيرها على الاستفادة من الأوضاع، لأن القوى الثورية كانت منهمكة آنذاك في مواصلة الصراع المفتوح مع قوى النظام القديم عبر الاعتصامات الكبرى والمظاهرات الشعبية والاحتجاجات اليومية في كل القطاعات. وفي اللحظة الحاسمة كان حزب النهضة هو الأجهز من جميع القوى الثورية والديمقراطية غير المنظمة وغير المؤهلة ماديا وإعلاميا، وخاصة تنظيميا، لخوض المعركة فكانت الغلبة للإسلاميين وحلفائهم من الأتباع  في انتخابات ٢٣ اكتوبر ٢٠١١.

حكمت حركة النهضة تونس عبر صناديق الاقتراع وسرعان ما انكشفت رغبتها الجامحة في ضرب كل مكتسبات المجتمع حيث اعتمدت على مؤسسات الحكم في الوضع الانتقالي على تلغيم الإدارات بالتعيينات الحزبية، وخاضت حربا ضد كل مكتسبات المدنية وواجهت رجال الأعمال غير الطيعين من النظام البائد الذين رفضوا الدخول تحت جبتها، واستعملت كل الأدوات لتعطيل المحاسبة والمساءلة ليبقى لها المجال لابتزاز رؤوس الأموال مقابل الصفح عنهم، ناهيك عن فشلها في تحقيق الحد الأدنى من مطالب الشباب الثائر والجهات المحرومة والقطاعات المدمرة، على جميع المستويات، وزاد تفشي الإرهاب والتكفير والقتل والاغتيال وتشكل معارضة واسعة قوية مدنية وديمقراطية متشبثة بثوابت الشعب التونسي ومكاسبه المدنية ومطالب ثورته في زعزعة حكم النهضة ثم سقوطها بعد ذلك.

كيف صعدت الثورة المضادة؟
لقد تشكل نداء تونس أساسا حول زعيم من الزمن والنظام القديم ومن عمود فقري من حزب التجمع المنحل وبعض الوجوه النقابية المعروفة في قيادته وبعض الذين كانوا في صفوف اليسار قبل أن ينهاروا زمن بن علي وعدد من المحسوبين على الطيف المدني والجمعياتي والحقوقي الذين انتموا لهذا الحزب خوفا من الانتكاس على مكاسب المدنية.

كان السبب السياسي الموضوعي والرئيسي لنشوء هذا الحزب (الجديد – القديم) هو فشل حركة النهضة، رغم كل المحاولات  في تأمين الحد الأدنى من مصالح البرجوازية القديمة، في تحقيق مناخ ملائم لاستقرار حكمها ومواصلة الاستغلال والنهب لصالح نفس القوى الداخلية والخارجية القديمة، وبالنظر لتعاملها الحزبي السكتاري مع كل القضايا الداخلية والإقليمية وتحويل وجهة تونس من بلد الثورة والحرية والكرامة إلى دولة مزعزعة الاستقرار ومهددة بالانتكاس إلى العصور القديمة وتابعة في علاقاتها الخارجية للمحور القطري التركي  المعادي لمصالح عموم المنطقة.

بمجرد تشكل “النداء” تحت طلب البرجوازية الكبيرة العميلة التي عانت الويل نتيجة ابتزاز النهضة لها ماليا وفشلها في معالجة ملفاتها العالقة قضائيا وأمنيا وسياسيا واقتصاديا، لجأت القوى والعناصر البرجوازية من أغلب القطاعات إلى الحزب الجديد الناشئ لإنقاذها مرة أخرى  بعد أن انكشفت عدم كفاءة الإخوان في تونس على تأمين مصالحها الطبقية. لقد اهترأت شرعية النهضة شعبيا ولعبت التحولات الجذرية التي شهدها المشهد الإقليمي والدولي في علاقة بالموقف من حكم الإخوان المسلمين دورا هاما في التسريع بوتيرة بناء الحزب الجديد للبرجوازية الكلاسيكية العميلة في مقابل انحدار وهبوط منسوب الثقة في حزب حركة النهضة داخليا وخارجيا.

لعبت التوازنات الدولية والإقليمية وخاصة انهيار حكم الإخوان في مصر بعد الضربة المزدوجة التي وجهها للإسلاميين من جهة ولإمكانية بناء البديل الدمقراطي من جهة أخرى، لعب دورا هاما بل محددا في حسم الصراع مع حركة النهضة لصالح نداء تونس.

لقد كان دور القوى الثورية مهما جدا في مواجهة حكم الإسلاميين حيث كانوا الوحيدين الذين لم يتورطوا منذ البدء في مهادنة هذا التيار بل واجهوه على كل المستويات (إعلاميا وميدانيا ودعائيا)، وحاولوا بكل الطرق كشف نوازعه الفاشية وفضح برامجه وارتباطاته المعادية لمصالح الشعب، ولقد مثلت الجبهة الشعبية العنوان السياسي لوحدة هذه القوى والعنوان الوحيد بالبلاد المتشبث دعاية وبرنامجا وسلوكا سياسيا بمواصلة النضال لتحقيق أهداف الثورة، وقدمت نتيجة ذلك التضحيات الجسام (استشهاد الرفيقين شكري بلعيد ومحمد الإبراهمي)، ناهيك عن المواجهات والاعتقالات في صفوف الشباب المثقف والمعطل والطلابي والتلمذي.

لقد أسفر الصراع الدائر بين قوى الثورة من جهة وقوى الثورة المضادة من جهة أخرى إلى قبول النهضة بالخروج من الحكم صاغرة خاصة بعد أن تكتلت أغلب قوى المجتمع المدني والسياسي في جبهة لإنقاذ تونس بعد الاغتيال الثاني في صفوف الجبهة (الحاج محمد الإبراهمي). لكن خروجها في إطار اتفاق رعته المنظمات الوطنية الكبيرة في البلاد لم يؤدِ إلى تشكيل حكومة ثورية على أنقاضها، بل أدى إلى توافق أغلب القوى على تشكيل حكومة كفاءات مستقلة لإدارة ما تبقى من المرحلة الانتقالية وتنظيم الانتخابات.

الثورة في مفترق الطرق
هذه الحكومة الجديدة التي تشكلت رغم كونها لم تكن حكومة النهضة أو حكومة النداء لكنها حكومة البرجوازية بشكل مغلف من زاوية إجراءاتها وتوجهاتها والبرامج التي تنفذها.

صيغ القانون الانتخابي وشُكّلت اللجان والهيئات المشرفة على الانتخابات تحت حكم البرجوازية وفي مناخ من السلم الاجتماعي مع المنظمة النقابية الأكبر في تونس وبدعم من منظمة الأعراف ونقابة المحامين ورابطة حقوق الإنسان وبمباركة أغلب القوى السياسية، ولم يبقى خارج هذا التوافق العام غير الجبهة الشعبية التي لم تكن تستطيع تعطيل هذا المسار وبالمقابل لم تباركه.

لقد دارت الانتخابات التشريعية والرئاسية في هذه الموازين الطبقية المتسمة بصراع بين حزبين ليبراليين على قيادة حكم البرجوازية من جهة (النهضة ومن ورائها المحور التركي القطري، والنداء ومن وراءه المحور السعودي الإماراتي)، وحاولت القوى الثورية الديمقراطية (بقيادة الجبهة الشعبية) شق طريقها بروح انتصارية ضد هذين الحزبين الكبيرين رغم اختلال موازين القوى لصالح الرجعية واستنكاف جزء كبير من الشعب التونسي، خاصة شبابه، عن لعب دوره في هذه المعركة السياسية الحاسمة التي تدور حول مصير السلطة السياسية بالنظر ليأسه من السياسة والسياسيين وتبخر الأمل في تحقق أحلامه في الشغل والكرامة.

أسفرت الانتخابات التشريعية بعد صراع دعائي ومالي رهيب بين حزبي البرجوازية إلى فوز النداء في مناخ من التخويف والترهيب من عودة حكم الإسلاميين. فاز السبسي على الرئيس المدعوم من  النهضة، محمد المنصف المرزوقي، في الانتخابات الرئاسية، وبالتالي أصبح “النداء” هو الممثل الرسمي والحزب الكبير الجديد للبرجوازية العميلة الحاكمة، وتدحرجت حركة النهضة إلى المرتبة الثانية ليتحدد سقف مطالبها بأن تبقى جزء من منظومة الحكم أو حتى كمعارضة مسئولة ومعاضدة، المهم أن تبقى في حالة من السلم مع قوى النظام القديم دون محاكمات على خلفية أخطاء الحكم  ومحمية من كل إمكانية للاستئصال أو الاجتثاث على غرار ما جرى في مصر، وهذا ما تدفع له قوى إقليمية داعمة للسبسي.

وقد خُيّر هذا الأخير حتى هذه اللحظة أن يروض النهضة ويستعملها في إسناده دون حشرها في الزاوية  كي لا تضطر لردود فعل عنيفة قد تزعزع أمن المنطقة وتربك منظومة الحكم الناشئة.

إذن، أفرزت الانتخابات التشريعية أغلبية تمثل خليطا بين رموز النظام القديم ومجموعة واسعة من رجال الأعمال، ورموز قليلة حسبوا “أيام زمان” على اليسار ومجموعة كبيرة من حزب التجمع المنحل. وحزب حركة النهضة في المرتبة الثانية وحزبين جديدين أولهما حزب آفاق تونس، ويتمثل في قطاعات جديدة من البرجوازية الليبرالية وممثلا للوبيات مالية هوعبارة عن شركة اقتصادية، وثانيهما حزب الاتحاد الوطني الحر للمليونير سليم الرياحي، وتمثل هذه القوى اليوم القوى الأغلبية في البرلمان وهي مجمعة على تحالف حكم واسع يؤمن استقرار حكم القوى الطبقية التي يمثلونها. في المقابل، توجد الجبهة الشعبية ومجموعة من النواب المستقلين الذين يرفضون أي توافق مع أحد مكونات الترويكا السابقة أو أي رمز من رموز النظام القديم من برلمانيي “النداء”.

ورغم ما يعلنه السبسي من نيّة وعمل لتحقيق أوسع ما يمكن من التوافق حول حكومته الجديدة خاصة بعد صعوده للرئاسة وزعمه أن رئيس الحكومة القادم لن يكون من حزبه بل محل توافق الجميع، وأن المشاورات حول الحكومة ستشمل جميع الفرقاء، فإن الساعات الأولى بعد الإعلان عن المكلف بتشكيل الحكومة قد أسقطت كل هذه المزاعم. حيث أعلنت أغلب القوى أنه لا علم لها ولم تشارك في المشاورات حول تكليف الحبيب الصيد لهذا المنصب ( الحبيب الصيد كان وزيرا للداخلية أيام الحكومة الانتقالية التي ترأسها السبسي كما شغل منصب مستشار أمني في حكومة الترويكامني أ).

رفض جزء كبير من الندائيين من الذين وعدوا الشعب عديد المرات أمام الملأ وفي منابر الإعلام أنهم لن يسمحوا أن يكون رئيس الحكومة من النظام القديم. في حين أعلنت الجبهة الشعبية عن رفضها المشاركة أو دعم أية حكومة تحمل وجوها من النظام القديم أو الترويكا السابقة.

ونتيجة لكل هذا فإن المشهد التونسي في حالة من الارتباك، والمُرجّح أن يشهد مزيدا من التعقيدات قُبيل تشكيل الحكومة، وبالنظر لما تشهده الأوضاع الاجتماعية للشعب من انهيار والأزمة الاقتصادية من تفاقم، وبالنظر لما تحظى به القوى الديمقراطية والثورية من إشعاع خاصة بعد الانتخابات والنتائج المحترمة التي حققتها الجبهة الشعبية، فإن كل المآلات في تونس ممكنة، وحتى وإن هدأت الأوضاع لمدة نتيجة انتظار ما يمكن أن تسنّه الحكومة من إجراءات وقرارات، فإن الإتجاه الأقرب إلى الواقع كما تشير الدلائل في مشاريع القوانين المعدة للتطبيق كالميزانية والإتفاقات بشأن التداين والمفاوضات الاجتماعية بشأن الأجور والخفض التدريجي للدعم والزيادة في أسعار المواد الأساسية، هو انفجار شعبي جديد جوهره المسألة الاجتماعية، بعد أن حققت الثورة الأولى الحرية السياسية للشعب. وينتظر القوى الثورية عمل ونضال كبيرين خارج البرلمان وداخله لمواصلة المعركة من أجل حماية ما تحقق في الجوانب السياسية ومزيد البذل لقيادة الحركة الاجتماعية لتحقيق الشغل والكرامة والسيادة الوطنية المسلوبة.

* أماني ذويب: صحفية وناشطة بالجبهة الشعبية لتحقيق أهداف الثورة بتونس.