بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

قراءة في عُمق الأزمة

ما الذي يحدث في ليبيا؟

مشهد “تخيلي”
السيسي يتوسط غرفة العمليات وأمامه قادة الأفرع بالقوات المسلحة.. يستدير فجأة موجها حديثه بنحنة معهودة لقائد القوات الجوية يونس حامد.

السيسي: بقولك يا يونس، ما تطلعلنا كام طايرة تضرب كام صاروخ.. عشان شكلنا قدام الشعب والرأي العام بقى وحش.

قائد القوات الجوية: ما خلاص يا ريس العيال ادبحت.. ممكن نطلع بيان من الرئاسة وتهديد ووعيد من القوات المسلحة.. وأهو سينا بتاعتنا وممكن نسرح فيها.

السيسي: يا يونس بقولك شكلنا بقى زبالة.. محتاجين حاجة كدا شكلها مختلف.. الناس بتحب الدراما والجو بتاع 73.. وأما الطيارات تضرب، الناس هتزقطط وتفرح.. وتقول اضرب يا سيسي.

قائد القوات الجوية: ممممم.. العيال ماتت يا ريس.. خلاص العروسة اتجوزت!

السيسي “مقاطعاً”: تِطلق يا يونس.. تِطلق يا يونس!

وهنا يظهر في الأفق تقرير لوكالة الأنباء الليبية الرسمية تتحدث بأن طائرات وصفتها بأنها “مجهولة” نفذت سلسلة غارات على مدينة مما أدى لتدمير منازل ومقتل نساء وأطفال.

12 حادث اختطافٍ لـ 102 مصري بليبيا منذ أكتوبر 2013 على أيدي الميليشيات المسلحة والمتناحرة في ليبيا، ليستكمل داعش تلك الحوادث بخطف 21 مصريا من أبناء محافظة المنيا بصعيد مصر وعرضهم بزي الإعدام على آخر عدد من مجلته “دابق” في 14 فبراير 2015، قبل أن يقوم بذبحهم بدمِ بارد.

بدأت تفاصيل حادث اختطاف ضحايا الفيديو في يناير الماضي، أي منذ 45 يوماً، عندما أعلن تنظيم “داعش” مسئوليته عن اختطاف 21 مصريا في ليبيا ونشر صورهم على مواقعه الإعلامية، فيما أكدت تقارير من وسائل الإعلام المحلية والبرلمان الليبي في 14 فبراير الماضي مقتل العمال الأقباط في ليبيا تزامناً مع الصور التي عرضتها لهم مجلة “دابق” بالزي لتهدد بقتلهم، لكنها كانت الصور ذاتها الملتقطة من الفيديو المنشور في 15 فبراير مع إعلان قتلهم في غرض اعتبره البعض لجذب الأنظار العالمية تمهيداً للإعلان، أما صحيفة “ليبيا هيرالد” الصادرة باللغة الإنجليزية فقد تحدثت بأن مزيدا من المصريين اُختطفوا في ليبيا منذ يوم الاثنين الماضي، وأضافت الصحيفة بأن جماعة “أنصار الشريعة” التي بايعت تنظيم “داعش” منذ نحو 3 شهور، قامت باختطاف 35 مصريا على الأقل من أنحاء متفرقة في البلاد.

ما الذي يحدث في ليبيا؟! ومتى اندلعت الأزمة السياسية في البلاد؟ ومن هي الأطراف المتصارعة؟
في هذا المقال سنحاول الاقتراب أكثر من تفاصيل الأزمة الليبية المتشابكة.

خليفة حفتر.. السيسي بالنموذج الليبي
في 17 فبراير 2011 شهدت ليبيا انتفاضة شعبية على معمر القذافي لتقابل الانتفاضة بمزيد من قمع قوات أمن القذافي ومرتزقته، مما أدى لتحولها لثورة مسلحة، اشتبكت مع قوات القذافي على مدار 8 أشهر، حتى استطاعت السيطرة على آخر معاقله، واعتقاله حياً، ثم إعدامه وذلك في 20 أكتوبر 2011.

شهدت الفترة الانتقالية منذ مقتل القذافي، مراحل عديدة اتًسم أغلبها بالتوتر والاضطراب، خاصة مع وفرة السلاح بين الشعب الليبي، ومع انتهاء وجود الهدف الواحد الذي وحد الليبيين (الإطاحة بالقذافي)، تفرقت السبل بين الشعب الليبي، كل بحسب توجهاته وخلفياته.

لكن، وفي 7 يوليو 2012، استطاع الليبيون التصويت في أول انتخابات برلمانية، ليسلم المجلس الوطني الانتقالي، السلطة إلى المؤتمر الوطني العام المنتخب، والذي أوكلت إليه مهمة تشكيل حكومة مؤقتة، وصياغة دستور جديد لليبيا.

وفي السادس من أكتوبر من العام المنصرم قضت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بليبيا بعدم دستورية الانتخابات التي انبثق عنها مجلس النواب المنتخب، مما يعني حله وجميع المؤسسات المنبثقة عنه. يأتي هذا الحكم في إطار الخلاف القائم بين قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر وبين معارضين له. انتقلت المعارك السياسية إلى معارك على الأرض والتي كانت وراء حل البرلمان.

في 14 فبراير 2014، أعلن اللواء خليفة حفتر، قائد محاولة الانقلاب، عبر تسجيل مصور، نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي، قيامه بتحرك عسكري، بغية إيقاف المجلس الوطني عن العمل، فيما وصفه بـ “الاستجابة لمطالب الشعب الليبي”، نافياً أن يكون تحركه انقلاباً عسكرياً. وفي 16 مايو 2014، أعلن حفتر رسمياً، إطلاق عملية عسكرية أسماها “عملية الكرامة”، قائلًا إنها تهدف إلى “تطهير ليبيا من الإرهاب والعصابات والخارجين عن القانون، والالتزام بالعملية الديموقراطية، ووقف الاغتيالات، خصوصاً التي تستهدف الجيش والشرطة”، مضيفاً أنها “ليست انقلاباً، وأن الجيش لن يمارس العمل السياسي”.

أما العملية العسكرية فقد تم الترويج لها بهدف معلن وهو القضاء على التشكيلات المسلحة وطرد الإسلاميين وأنصار جماعة الاخوان منها، وهدف رئيسي وهو تدمير كتائب أنصار الشريعة “أعلنت مبايعتها لداعش في وقت لاحق” والمسيطرة على بني غازي العاصمة الفعلية والاقتصادية لليبيا والمهمة نفطيا، حينها خرج رئيس الوزراء المؤقت عبد الله الثني يشجب ما حدث وأن أي عملية بدون إذن رئاسة أركان الجيش الليبي مرفوضة تماماً، وقال أن المجموعات التي يقودها حفتر خارجة على شرعية الدولة الليبية، وبعد 4 أشهر فقط خرج عبد الله الثني بنفسه ويؤيد ما فعله حفتر ومبدياً ترحيبه بأي مجموعات مدنية مسلحة تقاتل بجانب الجيش الليبي، ليوقع رئيس مجلس النواب المنحل في طبرق قراره بإعادة خليفة حفتر للخدمة في الجيش الليبي برتبة عسكرية عاملة مع 129 من الضباط المتقاعدين!

أثناء وقائع الحرب العسكرية على الأرض، تم انتخاب رئيس وزراء جديد بتصويت في المؤتمر الوطني العام هو أحمد معيتيق، ويتهم معارضو الإسلاميين معيتيق بأنه ينتمي للتيار الإسلامي، فيما رفض رئيس الحكومة المؤقتة عبد الله الثني تسليم الحكومة لمعيتيق مشككاً في شرعية انتخابه رئيساً للوزراء، فيما اعتبرت وزارة العدل الليبية كذلك انتخاب معيتيق غير قانوني.

لقد استمرت الأزمة لتكتمل بدخول البرلمان والمؤتمر الوطني العام في ليبيا حرباً جديدة بإعلان المؤتمر الوطني العام رئيساً جديداً للوزراء هو عمر الحاسي، بينما أعاد البرلمان الثني لرئاسة الحكومة، وأقر تشكيلة الحكومة التي تجتمع بشرقي ليبيا، في طبرق، لقد أصبح بليبيا الأن حكومتين وقوتين عسكريتين متناحرتان.

في أواخر 2014، أعلنت جماعة ليبية مسلحة تُدعى مجلس شورى شباب الإسلام، وهو تحالف بين عدد من الجماعات المسلحة الإسلامية، مبايعتها لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، ومنذ ظهورها في ليبيا، أعلنت عن تنفيذ عدداً من العمليات، في مدن ليبيا مختلفة، تركزت معظمها ضد قوات حفتر.

الأطراف المتنازعة في ليبيا
اللواء خليفة حفتر، وبدعم من حكومة عبد الله الثني والتي كلفها البرلمان المجتمع في الشرق الليبي بقيادة عملية عسكرية أُطلق عليها “الكرامة”، أما في إقليم طبرق فيدعم عملية حفتر قطاعات كبيرة من الحكومة والجيش والتيار العلماني، وتأييد السياسيين أمثال محمود جبريل وعلي زيدان، بالإضافة للعديد من أبرز الكتائب التي تساند عملية الكرامة في الشرق الليبي مثل (القوات الخاصة، والصاعقة، ومجموعات وأفراد من القوات المسلحة والثوار، وفي الغرب كتيبتا “القعقاع” و”الصواعق” التابعتان للمجلس العسكري بالزنتان).

أما المجموعات الإسلامية فيؤيدها من ناحية المؤتمر الوطني العام في غرب البلاد، وتتكون من بعض كتائب الثوار والإسلاميين لمواجهة اللواء حفتر وقواته، وقد أعلنت عن نفسها بعد شهرين من انطلاق عملية كرامة ليبيا بقيادة حفتر، وتحظى بتأييد الأحزاب الإسلامية ودار الإفتاء وتتكون القوات من معظم القوات التي تكونت أثناء الثورة، وكتائب من الثوار وكتائب “مصراته القوية” وكتيبة 17 فبراير وكتيبة راف الله السحاتي وكتيبة أنصار الشريعة ودرع رقم1.

حظي البرلمان المنتخب باعتراف دولي، ولكن حين مال البرلمان ورئيس الحكومة عبد الله الثني لجبهة حفتر اتخذ الإسلاميون منه موقفاً معادياً، وهذا هو السبب في تلك التصريحات المتناقضة والصادرة من مراكز القوى في ليبيا.

حروب بالوكالة.. ليبيا على سبيل المثال
في 26 أغسطس عام 2014، أقرت الولايات المتحدة لأول مرة بأن مصر والإمارات العربية المتحدة نفذتا ضربات جوية مشتركة على أهداف عسكرية لفصائل إسلامية في ليبيا، وكان التصريح رسميًا على مستوى عالٍ وقام به الأميرال (جون كيربي) أحد المتحدثين باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، قبلها صرح مسئولون أمريكيون لوكالة “فرانس برس” أن مقاتلات إماراتية شنت هجوماً جوياً مرتين على مواقع لميليشيات إسلامية مسلحة في طرابلس انطلاقاً من قواعد جوية عسكرية مصرية، وأكدت الأمر في نفس السياق صحيفة نيويورك تايمز حينها وأضافت أن الطائرات الإماراتية قادها طيارون أمريكيون!

أما الضربة الثانية فقد كانت حين صرحت القوات المسلحة المصرية بأن القوات الجوية قامت بضربات انتقامية سريعة على بعض معسكرات ومناطق تمركز وتدريب ومخازن أسلحة وذخيرة تابعة لـ “داعش” في درنة، وأنها عادت بعد الضربات لقواعدها بلا خسائر، وتناثرت أخبار أن الضربة تسببت في وقوع 40 قتيلاً من تنظيم الدولة الإسلامية المسيطر على درنة!

على المستوى الرسمي، تباينت ردود الأفعال الليبية تجاه القصف، فبينما استنكره مجلس شورى مجاهدي درنة، وقوات فجر ليبيا، في وسط ليبيا وغربها، أيده رئيس مجلس الوزراء الليبي، عبدالله الثني. أما الجنرال الليبي العائد من المجهول اللواء خليفة حفتر فقد تحدث في مقابلة هاتفية مع الإعلامي المصري “وائل الإبراشي”، المعروف بتأييده للنظام الحاكم، داعياً القوات العسكرية المصرية بالدخول في ليبيا وتوجيه ضربة للتنظيمات المتشددة المسئولة عن مقتل هذا العدد من المصريين، وأضاف أنه يدعم التدخل العسكري المصري إن تم بكل قوته، وأن هذه التنظيمات المتشددة مدعومة من تركيا وقطر والسودان وهدفها في النهاية ضرب مصر بالإرهاب بشكل مباشر، ولا يجب أن تكون الحدود عائقاً أمام أي عمل لضرب هذه المجموعات الإرهابية؛ فأي مدينة ليبية كأي مدينة مصرية ولذلك نؤيد التدخل العسكري المصري بقوة!

لا يمكننا بأي حال من الأحوال عزل ما يحدث من صراعات دموية في ليبيا بالأوضاع المرتبطة في مصر أو بصعود الحوثيون للسلطة في اليمن، النظام المصري يحتاج إلى فتح جبهات جديدة من أجل إلهاء الجماهير تحت مسميات الثأر ورد الكرامة و “دم المصري مش رخيص”، استنزاف هو الآخر لمشاعر الجماهير والتي سُرعان ما ستتكشف عنها الحقيقة الغائبة، هي حرب بالوكالة لصالح أمريكا من أجل ضمان المزيد من آبار البترول الليبي، فعلى لسان عبد الفتاح السيسي تحدث الرجل (بأن التدخل في ليبيا هي مهمة لم تستكمل من جانب أصدقائنا الأوروبيين). لقد ارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوى لها في نحو شهرين منذ يوم الاثنين الماضي وقد لاقت دعماً من المخاوف بشأن تصاعد الصراع مع تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا عضو منظمة أوبك وتهديد بوقف صادرات النفط من منطقة كردستان العراق، وأصبحت أمريكا وحلفائها في ثقة من تشكيل حلف أوسع انضمت إليه مصر لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

في 8 و9 فبراير 1904 عندما اندلعت الحرب الروسية اليابانية استخدمت الحكومة الروسية هستيريا الحرب كذريع لقمع التحركات الثورية التي كانت لا تزال في مهدها. ولعل ما قاله رئيس الوزراء الروسي بليهف يعطينا مثالاً شفافاً على ذلك (نحن بحاجة لحرب صغيرة منتصرة كي نصد هجوم الثورة).

أما الليبراليون فقد كان رد فعلهم الأول هو الانجراف في تيار الوطنية. وفي الجريدة التي أصدرها الليبراليون بالخارج، طرح الليبرالي الصميم ستروف شعار “يحيا الجيش”، لكن عندما أظهر اليابانيون تفوقهم العسكري براً وبحراً، تقلص الميل الوطني لدى الليبراليين وأصبحوا في المقابل معارضين معتدلين، هذا الموقف المعارض صار أكثر حدة بعد أن انتصر اليابانيون في معركة “ليويانج” في يوليو، حينها صار من الواضح أن الروس لن ينتصروا في تلك الحرب، وأن الحكومة قد دخلت بالفعل نفقاً مظلماً. في ذلك الحين، أظهر قادة الطبقة العليا والوسطى الكثير من الهمة في مواجهة القيصرية، لقد اتبع الليبراليون موقفاً انهزامياً من الحرب، إذ رأوا أن هزيمة روسيا في الحرب سوف تضعف القيصر وتجبر الأوتوقراطية الحاكمة على المساومة وتقديم التنازلات: “لن يدخل اليابانيون الكرملين، بل سيفعلها الروس”.