بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

حول العلاقات المصرية – الخليجية في ضوء المؤتمر الاقتصادي:

طائرة السيسي الورقية.. وأحلام البطولة

منذ أن أعلنت دولة قطر سحب سفيرها في القاهرة، تحت حجة التشاور، انطلقت الأبواق الصحفية وإعلاميو الزفة في سرد البطولات المصرية في سحق الإرهاب ومموليه، وبالغ عشرات المواطنين بتكسير “القلل” على أبواب السفارة القطرية، كما قُرعت حفلات التطبيل والتهليل للنظام المصري الذي قتل مشجعين سلميين على أعتاب استاد الدفاع الجوي، وادعى قتل ما يقاربهم في العدد من مقاتلي داعش الإرهابيين بطائرات سمعنا أزيزها على التليفزيون الرسمي راعي الأمجاد!

بغض النظر عن مناقشة الضربات الجوية المصرية لمواقع زعمت السلطات أنها تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، بل وفي غالب الترجيح لن يعاود النظام المصري تكرارها مجددا، لكن المناوشات الأخيرة بين مصر ودول مجلس التعاون الخليجي أثارت الكثير من التساؤلات حول مستقبل العلاقات على خلفية تلك الضربات إثر تحفظ قطر على التدخل المصري ليؤكد مندوبه الدائم لدى الجامعة العربية أن قطر “كشفت عن موقفها الداعم للإرهاب”، في حين انطلق مجلس التعاون الخليجي، بعد عدة ساعات، منددا بالاتهامات المصرية.

الأمر لم يتوقف عند ذلك، بل أعلن وزير خارجية قطر بعد يومين من سحب سفيره، أن بلاده تلقت دعوة من الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، لحضور المؤتمر الاقتصادي في مارس القادم، وأن قطر بالفعل قبلت الحضور. فيما أعلنت الرئاسة المصرية عن جولة السيسي في السعودية التي تضمنت ترتيب سبل التعاون بين مصر ومجلس التعاون الخليجي حول إنجاح ذلك المؤتمر.

ما بين سحب السفير وإعلان قطر قبولها دعوة السيسي، انطلق إعلام الجوقة، المنتصر لأوهام “السيادة المصرية” في جولة ثانية، أعقبت جولة الترويج الوقح لجهاز “الكفتة”، مدعيا أننا على أعتاب مرحلة جديدة من الانتصار والريادة المصرية على “اخواتها الصغار” من دول الوطن العربي!

“البطل”.. إنتاج خليجي أمريكي
عقب الانقلاب العسكري على الثورة في 3 يوليو وإعلان السفاح السيسي رئيسا للبلاد، انهالت المعونات الخليجية على السلطة المصرية.

ووفقا للمعلومات المتداولة، تبرعت الكويت والسعودية والإمارات بــ 12 مليار دولار مباشرة عقب إعلان الانقلاب. وفي الفترة التي أعقبت الانتخابات، حيث التنصيب الرسمي للسفاح، تلقت مصر مساعدات بلغت 21 مليار دولار نقدا. وفي نوفمبر الماضي، أعلنت الصحف عن اتفاقات موسعة تقضي بتقديم قروض لمصر بقيمة تصل إلى 2.4 مليار دولار أمريكي، مقسمة على عدة أوجه، منها 100 مليون دولار لتمويل مشاريع الكهرباء. فيما أعلن أحد كبار رجال الأعمال السعوديين أنه سيشارك فى المؤتمر الاقتصادى المقبل بشرم الشيخ، بمشاركة 56 شركة أوروبية وفرنسية وألمانية، ليعلن السيسي صراحة أن مصر تراهن على السعودية في إنجاح المؤتمر، وفي خطوات جادة نحو توطيد العلاقات المصرية – السعودية على عكس تذبذبها تحت حكم المعزول محمد مرسي.

لا يمكن فهم العلاقات المصرية الخليجية بمعزل عن الظروف العامة التي مرت بها المنطقة في العقدين الماضيين.

منذ حرب الخليج الأولى والثانية، توطد التواجد العسكري في دول الخليج بحجة حماية المنطقة، توازى ذلك تدريجيا مع توسيع القواعد العسكرية وتذيل سياسي واقتصادي للسياسات الأمريكية، وأصبحت حماية تلك المنطقة من التدخل الإيراني عقب حرب العراق – إيران هو هدف خليجي تلاقى مع استقرار ضخم للآليات العسكرية الأمريكية فوق ثروات الآبار النفطية.

بالتوازي، انتقلت خريطة التحالفات الدولية لصالح إسرائيل إلى دعم دول الخليج. ففي أعقاب الانتفاضة الفلسطينية الثانية، نتذكر الاستفزاز الشعبي بتخطي قطر خطوط الغضب الحمراء لدى شعوب المنطقة، لتعلن استمرار دعم إسرائيل بالغاز الطبيعي في إطار اتفاقات اقتصادية موسعة وتأكيدات عملية لما صرحه وزير خارجيتها عام 1996، أن إسرائيل تصدّر إلى دول الخليج منتجات بقيمة تزيد عن ملياري دولار سنوياً.

وبناء عليه، تصدرت قطر التجسيد العملي للعلاقات الأمريكية – الخليجية وأصبحت أول قاعدة عسكرية أمريكية في الخليج تضم طائرات الاستطلاع وسرب من طائرات F 16 المقاتلة، واستخدمتها كأهم منطقة عسكرية في شن غارتها على العراق عام 2003. فيما تصدرت السعودية السيطرة السياسية والعسكرية في مجلس التعاون الخليجي.

ومن خلال تراجع الثورات العربية برز محور الاعتدال، الذي ضم السعودية ومصر، كأهم حليف لأمريكا باعتباره الحامي الأول لمصالحها بالمنطقة إثر الاتجاه السياسي لقطر في دعم إخوان مصر.

كان من الممكن اعتبار مصر مجرد واحدة من دول “محور الاعتدال العربي”، لكن تمثيل المصالح الدولية وتطبيق السياسات الاقتصادية العالمية والاقتراض من صندوق النقد الدولي، وقبل ذلك، والأهم في قدرة السلطة الحاكمة على استيعاب الغضب الشعبي وتحويله عكسيا إلى تأييد شعبي، جعل من مصر، إثر نجاح الثورة المضادة بها على يد السيسي، أكثر الأصدقاء المقربين والحليف الهام في تدعيم المصالح الأمريكية، وبالفعل نجح السيسي في أول اختبار له عند إصدار مبادرة عدائية أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة، بالتوازي مع شيطنة المقاومة الفلسطينية في الإعلام المصري.

والنتيجة، ظهر مجلس التعاون الخليجي كأكبر كتلة منظمة من الدول والممالك ذو الدور الريادي في قمع الثورات العربية، والتقت مصالح الإمبريالية الأمريكية في المنطقة والخفوت النسبي للثورات العربية مع تماسك مجلس التعاون الخليجي وقوات درع الجزيرة، التي تقودها السعودية، بالتوازي مع قيادة عسكرية في مصر تستهدف الطموحات السياسية الإمبريالية في القضاء على أي اضطرابات تهدد مصالحها.

للثورة المضادة مصالح أكبر
لكي نتفهم الأمر جيدا في العلاقات الخفية بين دول المنطقة، علينا أولا أن نسد آذاننا عن طبول الغوغائيين وإعلامي الزفة، ونحاول الإجابة عن عدة أسئلة:

لماذا أرسل السيسي قوات برية لحماية الحدود السعودية من أخطار داعش المرتقبة رغم أن قوات درع الجزيرة تسحب 32% من تصدير الأسلحة الأمريكية للعالم وليست بحاجة إلى “أنفار” من الجيش المصري لصد أي عدوان داعشي عليها سوى أنه رمزية سياسية بالأساس؟ وما الذي أجبر نظام السيسي على المصالحة سابقا مع قطر إن كانت فعلا تدعم الإرهاب، كما صرح، ثم يرسل خطابا لأميرها الآن لحضور القمة الاقتصادية ويقبل الأخير العرض بسرعة، في غضون يومين، رغم الاتهامات وسحب السفير؟!

تشي الأربعة أعوام السابقة، منذ اندلاع الثورات الشعبية بالمنطقة العربية، بحتمية المرحلة الحالية كنتائج لتقوية تلك العلاقات وتضمينها أبعادا أشد عمقا عن الفترات السابقة.

عقب انقلاب السيسي تبجح السفاح الأسد بانتخابات قادت لشرعية وهمية كرئيسا للبلاد، وعقب الضربات الجوية المصرية الأخيرة، انتصر الجناح العسكري في ليبيا لصالح أزلام القذافي، وطرح البرلمان قرارا يقضي بدراسة عودة جميع القيادات العسكرية مجددا إلى الجيش الوطني رغم تورطهم بشكل مباشر في قتل وذبح 50 ألف مدني أثناء الثورة.

على الجانب الآخر، تراجعت الحركات الشعبية والاحتجاجات الاجتماعية بالتوازي مع حظر أنشطة المعارضة السياسية في البلدان التي شهدت احتجاجات اقتصادية وسياسية كالأردن والمغرب. كما انتصر الجناح اليميني في استعادة نظام بن علي، الهارب في السعودية، بانتخاب وزير دفاعه، السبسي، رئيسا في منافسة لم تحسم نتائجها لصالح الأحزاب المتنوعة على قوائم الانتخابات الرئاسية التونسية إثر اكتساح الثورة المضادة بالمنطقة.

انتصر السيسي لرهان الملياردير السعودي، الأمير طلال، في دحر “ما يسمى بالثورات العربية”، على حد تعبيره في أحد الفيديوهات المسجلة، فيما اختصر المتحدث باسم أوباما علاقات دول المنطقة عند سؤاله عن تمويل قطر لداعش، قائلا: “هناك مسائل نختلف بشأنها مع القطريين” مؤكدا، في سياق رده، على المصالح المشتركة بين البلدين.

ووفقا لتلك المصالح أيضا، فالقيادة السعودية الجديدة التي تواجه أخطار الحوثيين جنوبا ويتهمها البعض بمحاباة قطر مقارنة بمصر، لا تجد مفرا للخروج عن السياسات العامة للمملكة التي اتضحت في عهد الملك السابق. في المقابل، عززت المواقف المصرية الاستنتاج الأخير حيال الأزمات بمنطقة الشرق الأوسط.

فعلى عكس الكثير من التحليلات حول خروج المواقف المصرية لساحة الاصطدام مع المصالح الخليجية، فالجانب المصري، بخصوص الأزمة اليمنية، لم يتردد في مقابلة وفدا من المجلس السياسي لجماعة أنصار الله الحوثيين بعد استيلاءهم على السلطة، وهذا في مجمله لا يتعارض مع القرارات الضمنية لمجلس التعاون الخليجي رغم إطلاقه نعرات تهديدية لأي تعدي على المبادرة الخليجية ثم انقلب سريعا، إثر تفرغه للمعارك الشمالية في سوريا ودخوله التحالف الدولي لضرب داعش إلى تأجيل معاركه الجنوبية، وتحكيم “صوت العقل” لـ”تحقيق الاستقرار اليمني” متبنيا الدعوة الأخيرة لمجلس دول الجامعة العربية، قبل عدة أسابيع، لجميع القوى السياسية في اليمن بالعودة إلى طاولة الحوار الوطني ورفض التدخل العسكري تحت اسم “إعلاء مصلحة اليمن العليا”.

نفس الأمر ينطبق على الموقف المصري تجاه الأزمة السورية، فاشتعال الجبهة السورية بما يضمن عدم تجذير الثورة الشعبية هو ما تتفق حوله جميع الأطراف رغم ما تتبناه ظاهريا دول مجلس التعاون الخليجي في رحيل الأسد أولا.

في أواخر ديسمبر الماضي، أعربت واشنطن عن أملها في أن يشكل التدخل الروسي، الذي انعقد الشهر الماضي بين النظام السوري والمعارضة، كمخرج سياسي للأزمة السورية المستمرة. يأتي ذلك بعد أكثر من عام من المساعي المكوكية لأمريكا لـ”لم الشمل” السوري وعقد مؤتمر جنيف 2 رغم تهديداتها المسبقة بشن غارات جوية تستهدف مستودعات أسلحة النظام السوري ثم إعلانها الحالي عن تدريب 1200 مقاتل من المعارضة خلال عام، تماما مثلما تسلح السعودية فصائل من المعارضة السورية بحسابات تضمن استمرار الصراع وليس نهايته.

وبناء عليه، فالتحليلات حول زيارة عماد الأسد، ابن عم السفاح بشار الأسد، للقاهرة ثم الحديث عن اتفاق مصري – عراقي بشأن “تعايش المعارضة مع النظام”، وتحليلات الخروج المصري عن المواقف الخليجية لا يعدو سوى حيز من التهويل. الحل السياسي الذي يطرحه السفاح السيسي للبقاء على الأسد رئيسا لسوريا وإشراك المعارضة السورية، التي تفحمت تحت لهيب براميله المتفجرة، هو استحالة عملية لا يمكن بأي حال توصيفها كحل ينهي الصراع سوى أنه لا يختلف في مضمونه مع المصالح السعودية والأمريكية في تدمير الجبهة السورية الداخلية.

النظام المصري: أكاذيب وتضليل وإرهاب
السيسي ليس بطلا حكيما كما يصوره إعلام مبارك، ولا يخوض حربا ضد الإرهاب كما يدعي. إرسال قوات برية لحماية الحدود السعودية أو توجيه ضربات جوية أو تردد أنباء قديمة عن مساعدة برية مصرية تقاتل بجانب اللواء حفتر، أو المصالحة مع قطر لا يتم إلا بحسابات خارجة عن توجهات القيادة السياسية.

الجنرال يدرك تماما الدور المنوط به في المنطقة في قمع الثورات العربية وتكوين تحالفات تضمن ذلك الإطار، كما يدرك أن ذلك الدور يحتاج ذريعة قوية لدحر أي تحرك شعبي واستمرار تمرير مناهج الإفقار تحت اسم “الحرب على الإرهاب”.

بنفس الدرجة تدرك أمريكا أن حربها في المنطقة لا تحتمل خلافات بين السعودية ومصر وقطر. ولن تسمح، كما لن يسمح السيسي أيضا الذي اعتمد في توطيد حكمه على دعم دول الخليج، أن تخرج تلك الخلافات عن حيز المناوشات، وأي قطيعة بين القاعدة الثلاثية (السعودية وقطر ومصر) لن تسمح بها أمريكا في تهديد مصالحها ولن تقوى تلك الأنظمة المتذيلة على إغضابها، على عكس أوهام “السيادة” التي اعتاد تصنيعها النظام المصري.