بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ما الذي يحدث في اليمن؟ (الجزء الأول)

بينما تحاصر الفوضى السياسية والحرب الطائفية بلاده، دعا وزير الخارجية اليمني دول الخليج العربي لتقديم المساعدة العسكرية، حيث قال إن هناك حاجة لجيوش وقوات هذه الدول لوقف مسيرة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران والمعروفة باسم “الحوثيين”. يتزامن هذا النداء مع تقارير تفيد بأن طهران زودت الحوثيين بأسلحة جديدة.

فيما تواصل طائرات تحالف الدول الخليجية والعربية بقيادة المملكة العربية السعودية قصف المواقع العسكرية والقيادية للحوثيين ضمن عملية “عاصفة الحزم”، التي تستهدف دعم ما يسمى بالشرعية في اليمن وإنهاء حالة التمرد في البلاد، حيث تشمل العمليات كافة أنحاء تواجد الحوثيين في اليمن، وتشارك في الحملة بحسب مصادر وتقارير إعلامية نحو 179 طائرة من دول خليجية وعربية.

حيث أفادت وكالة الأنباء السعودية أن وزير الدفاع السعودي، الأمير محمد بن سلمان، أشرف على الضربة الجوية الأولى على معاقل الحوثيين، والتي نتج عنها تدمير الدفاعات الجوية الحُوثية بالكامل وقاعدة “الديلمي” وبطاريات صواريخ سام و4 طائرات حربية، دون أي خسائر في القوات الجوية السعودية.

أما الأهداف التي تمت بموجب “عاصفة الحزم”، فشملت مواقع في العاصمة صنعاء وعدن وصعدة شمالا ومحافظات لحج وأبين وغيرها، وطال القصف الجوي دار الرئاسة اليمنية التي اشتعلت فيها النيران جراء القصف، وغرفة العمليات المشتركة في صنعاء، بالإضافة إلى معسكر السواد والشرطة العسكرية والقوات الخاصة وقوات الاحتياط ومنطقة الجراف بصنعاء.

كيف بدأت الأزمة السياسية في اليمن؟

تصدرت جماعة الحوثيين واجهة المشهد السياسي اليمني في الشهور الأربعة الماضية، باعتبارها الجهة المتحكمة في تسيير مؤسسات الدولة، والمهيمنة بقوة السلاح على إرادة الدولة ورجالها، حتى دفعت رئيس الجمهورية والحكومة إلى الاستقالة، لتفرض عليهم بعدها حصاراً في البيوت، ومنعت أيا منهم من مغادرة منزله لأي سبب كان، وبمشاركة قوية وفاعلة من المؤتمر الشعبي العام بقيادة الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح تمكن الحوثيون من غزو 8 محافظات، والتحكم في القرار السياسي والإداري فيها، وتوجيه السلوك العام للدولة بما يخدم مصالحهم فقط، ويصفي حساباتهم مع الخصوم.

ينتمي الحوثيون للطائفة الزيدية، وهو المذهب السائد في المناطق الشمالية في حين تمثل المدرسة الشافعية السنية مذهب الغالبية في الجنوب والشرق، لكن، وعلى النقيض مما هو الحال في سوريا والعراق، يصلي اتباع المذهبين في نفس المساجد وظلت السكينة سمة التعايش بينهما على مدى قرون.

يقول الحوثيون إنهم لا يحملون أجندة طائفية، ويصفون سيطرتهم على معظم أنحاء البلاد بأنها “ثورة تمثل كل أبناء اليمن”، لكن الأحزاب السنية والقبائل ترفض هذا، لينضم متشددون من تنظيم القاعدة السني إلى قبليين معارضين للحوثيين خلال قتال دام شهور، وتتصاعد تفجيرات انتحارية، كان آخرها عندما هز انفجار مزدوج مسجدين يصلي فيهما الحوثيون يوم الجمعة الماضي، ليعلن بعدها تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن التفجير.

ففي 21 سبتمبر الماضي، وقع الحوثيون وباقي الأطراف السياسية اليمنية اتفاق سلم وشراكة برعاية أممية وبحضور رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي، ينص على تشكيل “حكومة كفاءات” بالتشاور مع جميع الأطراف السياسية وتعيين مستشارين سياسيين للرئيس من الحوثيين والحراك الجنوبي، في مقابل انسحاب الحوثيين من صنعاء واستعادة الدولة لجميع أراضيها ووقف اعمال القتال.

كان الاتفاق يقضي أن تتم تسمية رئيس الحكومة بعد مرور 3 أيام على توقيعه وإعلان الحكومة بعد مرور شهر، لكن عدم موافقة الحوثيين على الأسماء التي طُرحت، واعتذار مدير مكتب الرئيس اليمني أحمد عوض بن مبارك، عن قبول قرار جمهوري يكلفه بتشكيل الحكومة، أثار اعتراضا شديدا من قِبل الحوثيين، زاد من تعقيد الأزمة.

بدأت الأزمة السياسية في اليمن عندما لم تجد مطالبات جماعة “أنصار الله” جوابا من الرئيس اليمني منصور هادي، حيث لم تتم إعادة تشكيل ﺍﻟﻬﻴﺌﺔ الوطنية ﻟلرقابة ﻋﻠﻰ مخرجات ﺍﻟحوﺍﺭ، بما يضمن التمثيل الصحيح لجميع القوى السياسية، بل بقيت اللجنة على حالها بأغلبية واضحة للمقربين من هادي وهو أمر أزعج “أنصار الله”، بل واصل هادي تجاهل “أنصار الله”، وقدم مسودة الدستور إلى الهيئة الوطنية دون أن يبالي بطلب الجماعة بإعادة النظر في تقسيم الأقاليم، مُصر على المضي في الأقاليم الستة، وهو ما اعتبرته “أنصار الله” مخالفة صارخة لوثيقة السلم والشراكة وتحديداً بندها العاشر الذي نص على أن “تعمل الهيئة الوطنية عبر الإشراف على لجنة صياغة الدستور”، وهو ما أفضى إلى انسحاب ممثلو “أنصار الله” وحزب المؤتمر في الهيئة الوطنية للإشراف والرقابة على تنفيذ مخرجات الحوار من الجلسة.

أما الرئاسة اليمنية والأطراف السياسية فقد التزموا الصمت تجاه هذه الخطوة المفاجئة، واكتفى مصدر رسمي بالقول أن الرئيس اليمني يبذل جهوداً ليعود ممثلو “أنصار الله” عن قرارهم، في المقابل باركت القوى الثورية الخطوة واعتبرتها رداً على موقف الحكومة السلبي من اللجان الثورية المطالبة بوقف عمليات الفساد ومحاسبة الفاسدين.

لقد طفح الكيل عند “أنصار الله”، ورأوا أن العقل المدبر والمخطط والمنفذ لكل ما يدور في الساحة السياسية اليمنية هو مدير مكتب الرئيس وأمين عام الحوار الوطني (أحمد عوض بن مبارك)، فقرروا أن يعتقلوه، وقالت اللجان الشعبية التابعة لـ “أنصار الله” إن توقيف “بن مبارك” كانت خطوة اضطرارية لقطع الطريق أمام أي محاولة انقلاب على اتفاق السلم والشراكة، مع التأكيد على أن هناك سلسلة إجراءات خاصة ستقوم بها اللجان الشعبية حتى تتوقف الممارسات الإجرامية بحق الشعب حاضراً ومستقبلاً، وأكدت أنه على الرئيس اليمني أن يدرك حساسية الوضع حتى لا يكون مظلة لقوى الفساد والإجرام، أما الرئيس اليمني فقد شعر أنه لم يعد يملك شيئا وأنه بات وحيداً في الميدان، وطالب بالإفراج عن “بن مبارك” فوراً، لكن طلبه لاقى رفضا من الحوثيين متحدين الرئيس، في الوقت الذي قرروا فيه بدء التحرك على الأرض فقاموا بحشد القبائل واللجان الشعبية في صنعاء، ما جعل “هادي” يأمر الجيش وقوات الأمن بالانتشار في العاصمة لحمايتها.

أما الحوثيون فقد أصبحوا أكبر قوة مسلحة في البلاد، إلا أن نفوذهم في جنوب اليمن ضعيف جداً، وهم يدركون على الأغلب أنهم لا يستطيعون حكم اليمن وحدهم، ويعد الرئيس السابق على عبدالله صالح، الذي    أُجبر على التنحي في 2012، بعد شهور من الاحتجاجات، أحد أهم اللاعبين في البلاد كذلك.

علي عبد الله صالح.. يعود للواجهة

في كلمة بثتها قناة المسيرة التابعة لجماعة أنصار الله، طالب عبد الملك الحوثي زعيم الجماعة بفتح جبهتين، واحدة داخلية وأخرى خارجية، وفي تهديد واضح للسعودية قال في خطاب له “كل الخيارات والحدود مفتوحة إذا لم يتم إيقاف العدوان”، ووصف الحوثي النظام السعودي بأنه “قرن الشيطان”، كما اتهمه “بإثارة الفتن والحروب وبذل المال في إفقاد شعوب المنطقة الأمن والاستقرار​”.

وبدا الحوثي في خطابه أقل حدة فيما يتعلق بمصر، بل إنه تودد للقاهرة وامتدح جيشها داعياً إياها إلى عدم الانجرار إلى المخاطرة في اليمن. لقد أثار الانهيار المفاجئ للقوات الموالية للرئيس، عبد ربه منصور هادي، ووصول القوات الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح، وجماعة “أنصار الله”، إلى مشارف عدن بوقت قياسي، تساؤلات وذهولا للمتابعين، إذ انهارت جبهة هادي في لحج، وبوابة عدن، والشمالية، في أول يوم من المواجهات.

ويرجع سبب هذا الانهيار المفاجئ لعدة أسباب، يأتي في مقدمتها تفكك مجاميع “اللجان الشعبية” التي تتكون من مسلحين غير نظاميين موالين للرئيس هادي، فضلا عن تبخر الوحدات العسكرية الموالية له، والتي وقعت فيها أعمال نهب من قبل المسلحين الذين تم استدعاؤهم كمتطوعين للمشاركة في المواجهات.

وفي مقابل الفوضى وعدم التنظيم في صفوف أنصار هادي والقوات العسكرية الموالية له، فقد كانت القوات الموالية للرئيس المخلوع  والحوثيين أغلبها وحدات عسكرية وأمنية نظامية على قدر من التنظيم، فضلا عن اعتمادها على بعض الوحدات العسكرية المحيطة بعدن، والتي تم تحييد بعضها.

فرغم تنحي علي عبد الله صالح عن منصب الرئاسة، فإنه لم يتخلى عن نفوذه السياسي، إذ ظل محتفظاً برئاسته لحزب المؤتمر الشعبي العام الحزب الحاكم سابقا، وتزعم الاجتماعات الحزبية لهيئات المؤتمر القيادية واستقبال الوفود الحزبية والشعبية والقبلية والإعلامية المؤيدة له في منزله بالعاصمة صنعاء أو في مقر الحزب، وحرص خلال عام 2014 على الظهور في المناسبات الوطنية والدينية بمظهر الزعيم الوطني وهو يستقبل ويودع الوفود، وكأنه لا يزال رئيسا للدولة، ووجه صالح العديد من الاتهامات إلى النظام الحالي برئاسة منصور هادي منتقدا فشله في إدارة البلاد وفي مقدمتها الملفات الأمنية.

على الجانب الآخر، حاول صالح استغلال الغضب الشعبي نتيجة الأزمات المتكررة خلال الفترة الأخيرة وتذمر المواطنين من عدم تأمين الخدمات الحياتية، أو إحداث التغيير الذي كانوا يطمحون إليه بعد الثورة، ليثبت صالح عن طريق الإعلام أن النظام القديم أفضل من النظام الحالي.

في نفس الوقت فإن الضربات الجوية، مهما بلغت من القوة والضخامة ليست معيارا للحسم فها هي الولايات المتحدة تشن اكثر من 3500 غارة على مواقع الدولة الاسلامية في سوريا والعراق ولم تنجح في هزيمتها حتى الآن.

* الجزء الثاني من المقال هنا