بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اليمن: حرب قذرة من أجل أموال الخليج

للمرة الثانية خلال أقل من شهرين، تتحرك القوات الجوية المصرية في سماء المنطقة العربية بصحبة حفلات تهليل وتطبيل يقرعها الإعلام المصري وتتصدرها أوهام التصريحات الرسمية “البطولية”، في الوقت الذي لم تُذكر فيه كلمة واحدة عن الضحايا المدنيين باليمن الذين سقطوا إثر تلك الضربات!

وكالعادة، وفي اليوم الثالث للضربات، لم يكلف الرئيس السيسي نفسه، وهو يطالب الشعب المصري بـ”شد الحزام” والخضوع للإجراءات التقشفية، مجرد دقائق من وقته، لوضع مكاشفة صريحة أمام شعبه حول معنى دخول القوات العسكرية المصرية في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، حرب سيدفع ثمنها الفقراء والجنود المصريين.

لم يكن مستغربا أن تعلن مصر الحرب على اليمن بعد 10 أيام فقط من وعود بتدفق مليارات أعلنت عنها دول الخليج في مشاريع وهمية تتضارب التصريحات حول تفاصيلها، وفي إطار تدفق مالي خليجي كبير، منذ الانقلاب العسكري على ثورة يناير، استحوذت خزينة الجيش على نصفه، ويصبح الثمن المدفوع هو مغامرات عسكرية غير محسوبة وتحويل صغار الجنود إلى مرتزقة لمَن يدفع أكثر، في إهدار غير مسئول لقوت ودماء المصريين.

أكذوبة غلق مضيق باب المندب وتهديد المصالح الاستراتيجية المصرية هي خداع لاستيعاب الرأي العام الداخلي، ولا تتوافق مع واقع استقبال السفير المصري باليمن لوفد من جماعة الحوثي أوائل شهر فبراير الماضي، بل وحرصت القاهرة، وفقا للأخبار الرسمية، على رفض أي تدخل خارجي في شئون اليمن أو التهديد باستخدام العنف. في المقابل أبدى الحوثيون تثمين لـ”دور مصر الريادي في المنطقة” في محاولة منهم لجس نبض الجانب المصري. هذه الخطوة كان من الممكن تعويل نظام السيسي عليها بالتزام الحياد حفاظا على مصالحه الاستراتيجية.

النتائج المباشرة للعملية العسكرية أصبحت تهديدات حوثية لأي جندي مصري سيقاتل على أرض اليمن بدلا من لقاءات مطمئنة بعدم غلق المضيق التي تمت الشهر الماضي.

نظام السيسي، الذي اعتاد خلق الأوهام والمتاجرة بآمال المصريين بجهاز “كفتة” وهمي للعلاج من فيروس ينهش أكبادهم، ثم مشاريع عقارية جديدة تتجاهل متوسطي ومحدودي الدخل ولن تخدم سوى الفئات الثرية، يبني دعايته الآن وبوضوح على تصدير البطولات العسكرية وأوهام عنجهية للتغطية على أي مطالب اجتماعية وسياسية في الداخل. نظام السيسي لم يكشف لنا حقيقة ارتفاع العجز في الموازنة 30% خلال الـ7 أشهر الأخيرة من حكم الجنرال، في نفس الوقت الذي أصبحت أهم أولوياته شراء طائرات جديدة من فرنسا والمشاركة في حروب لا تخدم سوى تلك الدعاية الرخيصة. ولم يخبرنا شيئا عن المكاسب التي ستعود علينا في حرب اليمن إذا كانت الحلول الدبلوماسية قد رسمت بالفعل طريقا مع الحوثيين بشأن باب المندب.

في نفس السياق، يروج الجانب المصري لأكاذيب الحلول السياسية باليمن كتبرير للتصعيد العسكري، والتي لن تقوم سوى باصطفاف إجباري لجميع القوى السياسية اليمنية خلف الرئيس الذي أسمته المبادرة الخليجية “شرعي” رغم تعيين اسمه بشكل مباشر من تلك المبادرة كرئيسا للبلاد وفي استفتاء لم يطرح أي تعددية انتخابية.

المبادرة الخليجية، بقيادة السعودية هي بالأساس التفاف على الثورة اليمنية، واستخدمت ذريعة “الخروج من الأزمة” لتهدئة جبهتها الجنوبية والتفرغ لمعاركها الشمالية والشرقية ضد الشعب السوري والبحريني على السواء في القضاء على ثورتهما. في نفس الوقت تضمنت المبادرة تجنيب حليفها الأسبق بن صالح للمحاكمات رغم المطالبات الشعبية بذلك، ليصبح الثمن هو إقصاء التيارات السياسية اليمنية وانفجار الوضع على النحو الحالي، في ظل استمرار تآمر بن صالح نفسه على الشعب اليمني. بينما يهدف التدخل الإيراني بالأساس إلى فتح الجبهة اليمنية كساحة صراع دولية وورقة ضغط لفرض شروط إيران في الإفلات من عقوبات ومفاوضات تخدم مصالح الملالي على حساب مطالب الشعب اليمني في العيش والعدالة الاجتماعية.

نفس الذريعة ستستقيها سلطة هادي في استرجاع الحكم والوصول إلى صنعاء من فوق الدبابات السعودية والمصرية وعلى أنقاض محافظات كاملة وأشلاء مدنيين واغتيالات سياسية أوسع لكل المعارضين، بما سيقوّض تدريجيا الحراك الثوري في بلد يقبع أكثر من 52% من سكانه تحت براثن الفقر المدقع، ويصبح الحوار السياسي من فوهة البنادق هو أحد إدعاءات نظام ديكتاتوري جديد سيخضع للتدخلات السعودية أولا وليس إلى مطالب الشعب اليمني.

إن تضارب التفسيرات حول “حماية الأمن القومي العربي” الذي أصبح فجأة “خط أحمر” ولم نسمع عنه في العدوان الإسرائيلي على غزة، أو”مسافة السكة”، التي اعتاد النظام المصري تصنيع زعامته عليها، لا يعني سوى أن النظام المصري الذي انقلب على مطالب وأهداف ثورة يناير، وأبرأ مبارك وعصابته من جرائم امتدت 30 عاما بحق الشعب المصري، يدفع إلى توطيد التحالفات الدولية بشأن تصعيد الثورة المضادة بالمنطقة تحت إمرة دول الرجعية الخليجية بقيادة السعودية، وما يشمل ذلك ارتهان كامل للسياسات المصرية لمصلحة دول الخليج بغض النظر عن العواقب الوخيمة في قتل المدنيين وصعود النعرات الطائفية الشاذة.

وفي الوقت الذي يتصاعد فيه هجوم دول التحالف العربي باعتبارهم “منقذي الشعوب من إرهاب داعش”، يصدر أبو بكر البغدادي تصريحا يؤيد فيه الضربات ضد الحوثيين على خلفية طائفية لا تقل أبدا عن أوامر وزارة الأوقاف السعودية بتوحيد خطبة يوم الجمعة الماضي عن ضرورة وقف المد الشيعي في تزوير وقح لنوايا التحالفات الدولية التي تتم برعاية أمريكية وتصب أولا وأخيرا لاستقرار المنطقة في مصلحة حليفتها الأقوى إسرائيل بغض النظر عن الاعتبارات الدينية، التي لن تخرج عن كونها تسويق انتهازي للقمع والتنكيل لكل المعارضين في بلدان الربيع العربي.

هذه حرب تستغل فيها الأنظمة العربية المشاركة البعد الطائفي الذي لا يخدم سواها، يخدمها هي؛ أركان الثورة المضادة في المنطقة. فالسعودية التي تحارب الحوثيين الشيعة في اليمن، هي نفسها التي تنسق مع الحكومة العراقية برعاية أمريكية لضرب داعش السنية في العراق وسوريا. وهذا ما يكشف زيف وخداع الشعارات الطائفية التي تُساق هذه الحرب وفقها.

وقد أيدت أطياف الجماعات الإسلامية والسلفية والأحزاب الليبرالية ويسار الدولة الضربات العسكرية المصرية في وصلة تدليس أخرى وانزلاق خطير لا يقل أبدا عن سياسات القتل والاعتقال التي تمارسها السلطة الحاكمة المصرية عقب الانقلاب، والزج بآلاف المعارضين في ظل انقضاض تام على مطالب الثورة المصرية.

نحن نرفض بالتأكيد استغلال وأكاذيب نظام السيسي في توريط اقتصاد ودماء المصريين في معاركه العنجهية. ندين انتهازية الأحزاب والجماعات المصرية في تقوية قمع وإرهاب الدولة، كما نرفض أي ترويج طائفي وقح لن يدفع ثمنه إلا الشعوب الفقيرة. نرفض الهجمات العسكرية للتحالف العربي على اليمن، وندعم حق الشعب اليمني في تقرير مصيره بعيدا عن التدخلات الخارجية.