بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

مصر والسعودية والانبطاح فوق الجميع

ما الذي يحدث في اليمن؟ (الجزء الثاني)

تُعيد هذه الفوضى الدائرة في اليمن “غير السعيد” آمال البعض في إعادة إعلان دولة مستقلة في جنوب اليمن، على غرار ما كان عليه الوضع قبل عام 1990. وطالما كانت تلك المعارضة لوحدة اليمن شوكة في ظهر السياسة السعودية، حيث يتمثل التهديد الأول في أن اليمن معقل لتنظيم القاعدة في الجزيرة العربية، وهو ما يعتبره ملوك الخليج بمثابة كارثة.

أما التهديد الثاني فهو صعود الحوثيين، الذين يُعتقد أن إيران تدعمهم بشكل أو بآخر، مما يجعل اليمن موقعا لصراع أكبر بين السنة والشيعة. وقد يكون معركة نفوذ بين المملكة العربية السعودية وإيران.

أما بالنسبة لواشنطن، فيطرح الخلاف السياسي في اليمن، والتفكك المحتمل الكثير من الأسئلة، فمنذ عام 2009، تمنح الولايات المتحدة معونة اقتصادية وعسكرية لليمن بقيمة 1.4 مليار دولار. ومن الملاحظ أن القصف الأمريكي لمواقع القاعدة في اليمن تراجع مع زيادة الاضطرابات السياسية، مما يعني أن الأزمة السياسية في البلاد تؤثر في حملة الولايات المتحدة ضد الإرهاب. إلا أن هناك أسباب قد تدفع واشنطن للاطمئنان، فالحوثيون معارضون للقاعدة، ولا يمكن استبعاد تعاونهم مع الولايات المتحدة.

أما المخاطر الاقتصادية فإن الحرب في اليمن تحمل في طياتها مخاطر جمة نظراً إلى الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب الذي تمر عبره شاحنات النفط الخليجي إلى أوروبا وحوض المتوسط، حيث بعث خطر الحرب الخوف على أمن إمدادات النفط المارة بمضيق باب المندب، الذي يُعد بوابة حيوية لعبور موارد الطاقة إلى أوروبا وآسيا والولايات المتحدة، وعبرت المضيق أكثر من 3.4 مليون برميل من النفط يوميا عام 2013 وفق بيانات الإدارة الأمريكية لمعلومات الطاقة، وعندما يتم إغلاق المضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب فإن ذلك قد يعوق الناقلات القادمة من الخليج عن الوصول لقناة السويس أو خط أنابيب “سوميد” مما يجعلها تلف حول رأس الرجاء الصالح. وتقول مصر إنها لن تتخذ موقف المتفرج إن تعرضت مصالحها للخطر، ومن هنا قد نفهم سبب تلك المُسارعة من جانب القاهرة للدخول في حرب بالوكالة.

فقد سبق هذا تأكيد الفريق مهاب مميش رئيس قناة السويس في 7 فبراير الماضي:

“إن مصر لن تقبل بإغلاق مضيق باب المندب في اليمن، بأي حال من الأحوال، وسوف تتدخل عسكريا إذا تم ذلك”، وقوله: “لن يستطيعوا غلقه”، في إشارة للحوثيين، وأضاف: “هناك قوة عسكرية جاهزة للتدخل إذا حاولت الجماعات المتطرفة في اليمن إغلاق المضيق”، معتبراً أن: “إغلاق الممر المائي يؤثر بشكل مباشر في قناة السويس، وفي الأمن الوطني لمصر”، رغم توقعه ألا يؤثر غلق “باب المندب” على قناة السويس.

لقد أثارت الأخبار الواردة حول وجود تحركات عسكرية لعناصر حوثية باتجاه مضيق باب المندب للسيطرة عليه بعد الإعلان الدستوري للحوثيين موجة من القلق بالأوسط المصرية المختلفة، وسط أنباء غير مؤكدة عن إرسال الحوثيين مبعوث لمصر لطمأنتها على عدم غلق باب المندب قبل إعلانهم الدستوري.

هذا ما يتم ترويجه في الإعلام وأحاديث الساسة.. ولكن دعونا نبحث في التفاصيل فالشيطان يكمن هناك..

مضيق باب المندب يقع فى نطاق سيطرة الأسطول الخامس الأمريكي المسؤول عن عمليات البحرية الأمريكية في منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر وبحر العرب وشرق أفريقيا، ويضم الأسطول الخامس حاملة طائرات وعدداً من الغواصات الهجومية والمدمرات البحرية وأكثر من سبعين مقاتلة، أما الصين فقد وقعت هي الأخرى في 2013 اتفاقية مع حكومة جيبوتي لاستضافة قاعدة عسكرية صينية وبناء تعاون عسكري، وبالتالي من البديهي أن أمريكا والدول الكبرى هي القوى المسيطرة بالفعل على المضيق والضامنين دولياً لحرية المرور طبقا لاتفاقية “جاميكا” الدولية، هذ الدول لا تنتظر وصول السفن المصرية أو سفن قوات التحالف العربي من أجل حماية المضيق بالنيابة عنهم، لأن النظام المصري إذا كان خائفاً على ما يعادل 5 أو 6 مليارات دولار هم دخل قناة السويس، فإن هذه الدول تحمي تجارة عالمية حجمها يُقدر بالتريليونات سنوياً!

 

هذه الحرب تُمثل رد الجميل لمليارات الخليج التي تدفقت بعد المؤتمر الاقتصادي المصري، فملوك الخليج ليسوا على استعداد للدفع مقابل مسميات على شاكلة “العروبة” و”الأخوة” و”رابطة الدم المقدس”، وإلا فأين هم مما كان يحدث في سوريا على مدار 4 سنوات، لقد قُتل أكثر من ربع مليون مواطن سوري منذ بداية الاحتجاجات الشعبية ولم يرمش لهم جفن.. إذا كان المتحدث قاتل فالمستمع مجنون!

في عام 1990 اتهم العراق الكويت بسرقة النفط عبر الحفر بطريقة مائلة، وعندما اجتاحت العراق الكويت فُرضت عقوبات اقتصادية على العراق وطالب مجلس الأمن القوات العراقية بالانسحاب من الأراضي الكويتية دون قيد أو شرط، ليتم الإعلان بعدها عن عملية عاصفة الصحراء أو حرب تحرير الكويت في الفترة من 17 يناير إلى 28 فبراير 1991، وهي حرب شنتها قوات التحالف المكونة من 34 دولة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، كان من بينها مصر، ضد العراق.

لقد خرج مبارك من هذه الحرب وقد حصل على تخفيضات كبيرة للديون المصرية، فضلاً عن بناء علاقات متينة مع السعودية والإمارات والكويت وباقي الدول التي رأت أن مبارك شارك في حماية أمنها ونفطها بانضمامه إلى التحالف وتوجيه الجامعة العربية نحو إدانة صدام حسين وغزو العراق، فبعد مشاركة مصر في حرب تحرير الكويت تنازلت الولايات المتحدة عن 7 مليارات دولار ديونا مستحقة على مصر.

وفي 1991 أطلق مبارك حملة كبرى لخصخصة المشاريع الاقتصادية التابعة للقطاع العام، على خلفية شطب جزء كبير من ديون مصر الخارجية، وإعادة التفاوض بينها وبين صندوق النقد الدولي على اتفاقية العام 1987، في أعقاب حرب تحرير الكويت.

قوات درع “أنظمة” الجزيرة

تحت قيادة المملكة العربية السعودية، الجارة الشمالية لليمن، تعد دول مجلس التعاون الخليجي مرتابة جدا بشأن انتفاضة الحوثيين، لأسباب منها أن هذه الميليشيات الشيعية مدعومة من قبل نظام إيران، بينما أعضاء دول مجلس التعاون الخليجي معادين لطهران، حيث لديهم قوة عسكرية مشتركة، هي قوة درع الجزيرة المجهزة بتكلفة عالية، والتي من المفترض نظريا أن تقوم بحماية الدول الأعضاء من هذا النوع بالضبط من المشاكل التي يواجهها اليمن الآن، ولكن، لم تُبنى القوة العسكرية المشتركة لدول مجلس التعاون الخليجي للحرب، بل لحماية الأنظمة الاستبدادية، وكما قلنا من قبل فإن هذه القوة، حالها كحال معظم الجيوش العربية، بُنيت لحماية الأنظمة من انتفاضات المدنيين العزل، وليس لخوض الحروب الفعلية، وبالتأكيد فإن ضرب الناشطين المؤيدين للديمقراطية هو أمر، ومحاربة ميليشيات قتالية مدعومة من إيران هو أمر آخر مختلف تماما.

دعونا نتذكر سوياً..

في عام 2010 تجاوزت تلك القوة عتبة 30 ألف عسكري من ضباط وجنود، بينهم نحو 21 ألف مقاتل، وفي عام 2011 وخلال فترة الاحتجاجات الشعبية، طلبت حكومة مملكة البحرين الاستعانة بقوات درع الجزيرة، وقالت الحكومة إن القوات جاءت لتأمين المنشآت الاستراتيجية. لقد شاركت السعودية بأكبر عدد من الجنود في التدخل لقمع الاحتجاجات الشعبية في البحرين (1200 جندي) وبعدها الإمارات (800 جندي).

لكن يمكننا أن ننظر للجانب المشرق لوفاة الملك عبدالله، عاهل السعودية، وارتقاء الأمير سلمان مكانه، فذلك يظهر إذا ثبتت تقارير اعتلال صحته أنه حتى الخرف لا يمنعك من الوصول للقمة، لكن على الأقل يجب أن يكون لديك الآباء المناسبين، إن مكمن الخطر للعديد من الأنظمة السياسية هو وصولها في نهاية المطاف إلى أن تُدار بواسطة رجال لم تعد قدراتهم مناسبة لهذا العمل؛ كما حدث مع البابا يوحنا بولس الثاني وانحداره (الصحي) الطويل نحو النهاية، وتشرشل بعد سكتته الدماغية، وريجان أو القادة السوفيت، مع ذلك فإن السعودية تعد حالة فريدة في تاريخ العالم الحديث عند اختيار قائد يُعتقد أنه في انحداره الأخير حتى قبل مجيئه إلى السلطة.

وإلى جانب ذلك، فإن قيادة مجلس دول التعاون الخليجي يجب أن تكون على علم، وإن لم تكن الذاكرة قد خانتها نتيجة موت حُكّامها الطاعنين في السن، فإن جنرالاتها سيذكرونها دوما، بما حدث في آخر مرة تدخل فيها جيش عربي في حرب أهلية يمنية.

استعمار بعيون عربية.. حرب اليمن 63

لقد كان هذا في الستينيات من القرن المنصرم، ولم يكن الجيش الذي تدخل في اليمن أي جيش عربي، بل كان القوة العسكرية الأقوى في المنطقة، إنه الجيش المصري. ففي عام 1963، وبعد عام من الانقلاب الذي أدى إلى إزالة الإمام الحاكم لشمال اليمن محمد البدر، أرسل الرئيس المصري، جمال عبد الناصر، قوة التدخل السريع لدعم الحكم الجمهوري الجديد ضد القبائل الموالية للبدر.

كان من المفترض، كما هو الحال بالنسبة لمثل هذه الأمور في كثير من الأحيان، أن تكون الرحلة سهلة وسريعة، وكان يُعتقد بأن “الملكيين” الموالين للإمام مجرد مجموعة ضعيفة بالمقارنة مع الجيش الأحدث والأفضل تجهيزا في العالم العربي.

لكن المصريين علقوا بسرعة في المستنقع، وحاصرهم الملكيون الذين كانوا يقاتلون على أرض وطنهم. وعلى الرغم من أن الإمام كان شيعيا، اختارت المملكة العربية السعودية دعم الملكيين، وكذلك فعلت إيران بقيادة الشاه حينها، وكانت تلك اللحظة من اللحظات النادرة التي وقفت فيها الرياض وطهران على نفس الجانب من الصراع.

وبات يُنظر إلى الحكم الجمهوري الموالي لناصر باعتباره دمية بيد مصر وفاقد للشرعية، ومع استمرار القتال على مر السنين، أرسل المصريون المزيد والمزيد من القوات، التي وصل تعدادها عند نقطة واحدة إلى 70 ألفا، وأطلق ناصر العنان حتى للأسلحة الكيميائية ضد القبائل.

لقد أدت الحرب، إلى مقتل الآلاف من الجنود المصريين، ووضع البلاد على حافة الإفلاس، وكسر الرئيس المصري. ويرى بعض الباحثون بأن تلك الحرب أضعفت الجيش المصري، وضمنت هزيمته على يد إسرائيل في عام 1967. وبالتأكيد، تركت ناصر رجلا مكسورا.

في مكان ما، سوف يكون شبح جمال عبد الناصر واقفا على جبال صنعاء يهز رأسه، مذكرا جنرالات الحرب بما سوف يلقوه!

* الجزء الأول من المقال هنا