بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اليمن.. الحرب الطائفية في مواجهة الثورة

ليست هي حرب النفط هذه المرة، فالمعتدى هو الدولة صاحبة أكبر إنتاج واحتياطي من النفط  في العالم، بل وتُغرق السوق العالمي بكميات هائلة من الإنتاج (مما يؤدى لخفض السعر) ضد مصلحة شعبها، من أجل خدمة المصالح الأمريكية في الصراع مع روسيا حول النفوذ في شرق أوروبا.

كما أنها بالتأكيد ليست حربا طائفية (في جوهرها)، حتى لو تسترت بذلك الغطاء لحشد التأييد على جانبي المعسكرين المشتبكين فيها، وسعيا لاكتساب شرعية ما بين الجماهير المتعصبة.

الحرب هذه المرة تضم كل قوى الثورة المضادة في المنطقة والعالم، بهدف توسيع الثورة المضادة والتحول لمرحلة الهجوم على الحراك الثوري، وترسيخ انتصار الثورة المضادة نهائيا، خاصة وأن اليمن كانت على وشك تصدر حركة النضال الثوري في المنطقة خلال الشهور الأخيرة، بعد تأزم مشروع الثورة المضادة فيها وانقسام أطرافه، لدرجة حمل السلاح في مواجهة بعضهم البعض.

من الثورة إلى الحرب محطات مهمة

– اندلعت الثورة اليمنية مطلع عام 2011 في أعقاب الثورتين المصرية والتونسية. خرجت الجماهير بالملايين لإسقاط النظام، في حراك ثورى شامل لمعظم المدن اليمنية، وعابر لكل الانتماءات الأثنية والطائفية.

– عندما أصبح واضحا أن نظام صالح على وشك السقوط، تدخلت السعودية بما سُمى “المبادرة الخليجية”، التي تضمنت خروجا آمنا لعبد الله صالح من كرسي الرئاسة وتحصينه من المحاكمة، مع الإبقاء على كل عناصر النظام السابق تحت قيادة الرئيس المؤقت هادي منصور، نائب رئيس الجمهورية السابق (نفس السيناريو الذي سعوا لتطبيقه في مصر بتولي عمر سليمان منصب نائب الرئيس ونقل صلاحيات الرئيس له مؤقتا).

– اتفقت القوى السياسية – وكلها تنتمي للنظام نفسه – على فترة انتقالية لمدة عامين يتولى فيهم هادي الرئاسة بانتخابات صورية – حيث كان المرشح الوحيد – لإعداد دستور جديد وإجراء الانتخابات.

– مر العامان دون إنجاز هادي للمهمة، فقررت نفس القوى التمديد له لعام آخر، انتهى في فبراير 2015، لإنجاز نفس المهام السابقة.

– سعى هادي لترسيخ الانقسام الطائفي والعرقي لليمن بتقسيم البلاد في الدستور الجديد لـ 6 أقاليم إدارية تشكل شبه اتحاد، ويحظى كل إقليم بالكثير من الاستقلال النسبي في إدارة شئونه الداخلية، وهو ما رفضته بعض القوى السياسية، ومن بينها الحوثيون.

– عمت المظاهرات والاحتجاجات صنعاء وعدن ومعظم المدن اليمنية، وبدا أن موجة ثورية جديدة على وشك الانطلاق.

– عاد كل شيء لنقطة الصفر، وبدا أن هادي منصور غير قادر على إعادة إنتاج النظام القديم، وغير مدعوم من أي طرف داخل اليمن، حتى أن عاصمته سقطت في أيدي المسلحين الحوثيين دون مقاومة، وانضم إليهم غالبية فرق الجيش النظامية، حتى اضطر للاستقالة بعد أن أصبح بلا فاعلية في ترتيب العملية السياسية نحو إعادة تثبيت أركان النظام.

– هرب منصور إلى عدن، ومن هناك استدعى السعودية ومعها حلفاءها الخليجيين ومصر، للعدوان على شعبه، مطالبا بتدخل عسكري يعيده إلى السلطة، ويجبر الجميع على الاعتراف به رئيسا للبلاد.

عبد ربه منصور هادي

– ضابط في الجيش اليمني، ينتمي لليمن الجنوبي.

– في العام 1994 حينما حاول اليمن الجنوبي الاستقلال للتخلص من حكم آل صالح الاستبدادي، هرب لليمن الشمالي وانضم لعبد الله صالح في عدوانه على الجنوب، وأُجبِر الجنوب على قبول الوحدة تحت حكم الديكتاتور عبد الله صالح.

– اختاره صالح نائبا للرئيس ليشكل ديكورا لتمثيل الجنوب، بعد أن اطمئن أنه لا يشكل خطرا انقلابيا ولا يمكن أن يشكل بديلا له، بعد أن أصبح مكروها في الجنوب والشمال على حد سواء.

السعودية.. رأس حربة الثورة المضادة

– بدأ الدور السعودي المعادي للثورات العربية منذ اليوم الأول، باستقبال الرئيس التونسي الهارب علي زين العابدين، وحمايته من ملاحقة الثورة له ومحاكمته.

– الضغط على الأمريكيين لاستمرار دعمهم لمبارك في تمسكه بالسلطة.

– الضغط على المجلس العسكري لعدم إحالة مبارك للمحاكمة، وهو ما فشلوا فيه بسبب الضغط الشعبي.

– دعم الميليشيات الطائفية في العراق (تحت دعوى حماية السنة)، وهي التي شكلت أهم روافد تنظيم داعش فيما بعد.

– تسليح وتدريب الميليشيات المسلحة من داعش وجبهة النصرة وجيش الإسلام وجيش المهاجرين والأنصار في سوريا، والتي تقاتل باقي فصائل الثورة السورية أكثر مما تقاتل قوات النظام، وتطردها من المناطق المحررة لتسيطر عليها.

– الدعم الهائل للانقلاب العسكري على الثورة في مصر بعشرات المليارات من الدولارات في العلن – وما خفي كان أعظم – بهدف إعادة استقرار النظام الحاكم ومساعدته في قمع الثورة وتشديد القبضة الاستبدادية.

حلف الثورة المضادة

رغم أن السعودية هي رأس الحربة والممول الأكبر للثورة المضادة في المنطقة، غير أن حلفها يضم بالتأكيد كل النظم الحاكمة، خاصة الأسر الحاكمة في الخليج والحكم العسكري في مصر والميليشيات الطائفية في سوريا واليمن وليبيا والعراق.. إلخ، تحت وصاية الحليف الأمريكي المخطط الرئيسي للجبهة، والداعم بالمعلومات والخطط والسلاح والتدخل المباشر حينما يلزم الأمر.

يهدف هذا التحالف إلى تثبيت أركان النظم الحاكمة التي اهتزت تحت ضغط الشعوب الثائرة، في منطقة حظت فيها الطبقات الحاكمة بمعدلات تربح ونهب لثروات هائلة – بالمشاركة طبعا مع الرأسمالية العالمية – وسلطات مطلقة لعقود طويلة، دون تحدٍ حقيقي لسلطاتها أو ثرواتها، حتى تحولت نخبها الحاكمة إلى ما يشبه المافيا والعصابات التي تنهب دون أي رادع.

لكن الثورات العربية شكلت تحديا جديا جعل استمرار الأوضاع أمرا على المحك، ومرهون بقدرة الجماهير على استكمال تنظيمها وبلورة وعيها نحو تشكيل سلطة بديلة، تشكل معايير العدالة والكرامة وإعادة توزيع الثروة أهم ملامحها.

هناك بدائل عديدة يقدمها النظام الرأسمالي في مواجهة الموجات الثورية، اختبرنا منها الفاشية بدايات القرن الماضي، والحركات الدينية الرجعية التي تسعى لحرف مسار الثورات نحو إشكاليات “الهوية” في الغالب سعيا لشق صفوف الجماهير ووضع بعضها في مواجهة البعض الآخر، وهناك الأداة الدائمة لنظم الحكم وهي القمع السافر وتشديد القبضة الأمنية والاستبداد.

غير أن الثورات العربية كشفت عن أداة جديدة قدمها النظام الرأسمالي في الصراع، ألا وهي حرف الصراع نحو مسار طائفي وعلى الأغلب مسلح. نجح ذلك المسار في حرف الثورة السورية، واستيعاب الآلاف من معارضي بشار الأسد نحو الصراع المسلح ذو المنحى الطائفي، كما نجح في ليبيا التي أصبح كل جزء منها تحت سيطرة إحدى الميليشيات، ثم جاء اليمن إلى مقدمة المشهد.

تاريخ التدخل السعودي في اليمن

– أولا يجب التأكيد على أن طرح الصراع في صيغة طائفية هو رغبة محمومة لتحالف الثورة المضادة وقائدها الوهابي، السعودية. فالعدو المفترض (الحوثيون) ليسوا سوى جزءا من الشيعة الزيدية التي هي أقلية بين الشيعة في العالم. بل إن كثيرا من الشيعة يعتبرونهم من الخوارج، لعدم اعترافهم بالأئمة الإثنى عشر.

– كما أن القبائل المتحالفة مع عبد الله صالح وتدعم الحوثيين تضم الكثير من القبائل السنية في اليمن الشمالي.

– حين حدث الانقلاب على حكم الإمام عام 1962، أرسلت مصر قوات عسكرية لتثبيت الحكم الجمهوري وقمع تمرد القبائل الموالية للإمام (الزيدي بالمناسبة)، وأيدت السعودية الإمام والقبائل الموالية له، ولم يعتبر ذلك وقتها تأييدا للتمدد الشيعي في اليمن!.

– كما أن إيران لم تدعم الحوثيين تاريخيا، رغم خوضهم 6 حروب مع النظام الحاكم في اليمن بمشاركة سعودية مباشرة، كما حدث في حرب صعدة عام 2004، وحتى الحرب الأخيرة في 2010.

– دعمت السعودية ميليشيات قبلية من المنتمين للسلفية الجهادية لتكون حائط صد أمام الوطنيين اليمنيين، خاصة في الجنوب المتحرر نسبيا من العلاقات القبلية السائدة في الشمال، وشكلت تلك الميليشيات المدعومة سعوديا الرافد الرئيسي لتنظيم القاعدة في الجزيرة العربية، ذو الوجود القوي والنشط في اليمن، كما احتفظت بعلاقات وثيقة مع شيوخ القبائل الذين حصل الكثيرون منهم على الجنسية السعودية.

– تحتل السعودية مناطق عسير وجيزان ونجران منذ توقيع اتفاقية الطائف عام 1934، التي نصت على عودة تلك المناطق لليمن عام 1992. لكن السعودية قامت ببناء قاعدة عسكرية في عسير، وبدأت مشروعا – تكلف 3 مليار دولار وقتها – لبناء سور على كامل الحدود، وتنازل صالح عن تلك المناطق في اتفاق جديد عام 2000، تم بموجبه ترسيم الحدود وتقنين الاحتلال السعودي للأراضي اليمنية.

– رغم الهيمنة السعودية على اليمن خلال عقود طويلة، تراجع اليمن في كل مؤشرات التنمية، فتصدر اليمن قائمة منظمة الشفافية كأكثر الدول فساداً في العالم، وتراجعت الزراعة حتى أصبح اليمن يستورد 80% من غذائه، وأكثر من 53% يعيشون تحت خط الفقر، وبلغت البطالة ما يقارب 35%، كما تقع اليمن ضمن أفقر 10 دول في العالم وفق كل تقديرات التنمية في العالم.

– كان البعض قد توقع أن إسرائيل ستحاول نسف الاتفاق حول الملف النووي الإيراني من خلال شن حرب على حزب الله اللبناني لتوريط إيران في الصراع، لكن المملكة السعودية قررت المبادرة ولعب دور المفجر من خلال المواجهة مع الحوثيين، سعياً لإفشال الاتفاق النووي مع إيران، وهو ما باء بالفشل بعد بداية العدوان بعدة أيام، بإعلان التوصل لاتفاق بين إيران والدول الغربية الكبرى حول مشروعها النووي.

من الثورة إلى الحرب

في الخامس والعشرين من مارس 2015 أعلنت السعودية، مع تحالف من 4 دول خليجية و5 دول أخرى من بينها مصر وباكستان، بدء قصف مواقع داخل اليمن فيما سمته، اتباعاً لنهج الحليف الأمريكي، “عاصفة الحزم”. حدد هذا التحالف أهدافه في عودة “الرئيس الشرعي” هادي منصور للحكم، وانسحاب الحوثيين من المدن التي دخلوها في أعقاب تمددهم لأول مرة خارج مناطقهم في صعدة، وتشمل العاصمة صنعاء وتعز وضواحي عدن.

وعلى النمط الأمريكي أيضا، استهدفت الغارات ليس فقط المواقع العسكرية، بل دمرت البنية الأساسية المنهارة أصلا في اليمن، وتشمل محطات الكهرباء والمياه وشبكات الاتصالات والطرق. لكنها مع ذلك لم توقف – حتى الآن على الأقل – زحف الحوثيين والقوى المتحالفة معهم نحو عدن.

وبدا أن المستفيد الأول من العدوان هو تنظيم القاعدة، الذي يخوض معارك مع الحكومة اليمنية والأمريكيين منذ عام 2001، وظل يتمدد باستمرار داخل المناطق اليمنية تحت نفس الدعاوى الطائفية التي وضعها السعوديون مبررا لعدوانهم على اليمن، وهي مواجهة الهيمنة الشيعية الإيرانية على اليمن.

بعد أيام من بدء الغارات، ترك الكثير من العسكريين مواقعهم في معسكرات الجيش اليمني، مما سهل استيلاء عناصر القاعدة على سلاحهم بما يتضمنه من أسلحة متوسطة وثقيلة، بعد أن أعلنوا تأييدهم وانضمامهم للتحالف السعودي في الحرب على اليمن.

كما نجح التنظيم في الاستيلاء على عدة مدن، منها مدينة المكلا بمحافظة حضرموت، بعد انسحاب الجيش اليمني منها تحت تأثير الضربات الجوية.

كما نجحت داعش في دخول عدة محافظات يمنية من بينها لحج وعدن وشبوة وحضرموت، ومؤخرأ صنعاء عندما قام هذا التنظيم المتطرف بعمليات انتحارية في مسجدين بصنعاء، راح ضحيتها أكثر من 150 شخصاً وجرح المئات من بينهم أطفال.

الوضع الإقليمي

مصر

منذ الانقلاب العسكري على الثورة في 3 يوليو 2013، دعمت حكومات الخليج، وعلى رأسها المملكة السعودية، حكومة الانقلاب بالكثير من المنح والشحنات البترولية، سعيا لترسيخ انتصار الثورة المضادة، وأعلن السيسي في أكثر من مناسبة أنه مستعد لرد الجميل بالدفاع عن دول الخليج حينما يتطلب الأمر، وأكد ذلك بإعلانه المشاركة في العمليات السعودية ضد اليمن منذ اللحظة الأولى، وإرساله البحرية المصرية “لحماية مضيق باب المندب” كما أكدت دعايته، والحقيقة أنها تحاصر الموانئ اليمنية وتقصفها بالمشاركة مع طائرات التحالف الخليجي.

وكما أشارت صحيفة الواشنطن بوست، فإن مصر ترغب دائما في استعراض قوتها العسكرية أمام العالم، وإظهار أنها القوة العربية الوحيدة القادرة على التدخل في الدول العربية التي تعاني من مشكلات جمة، وتأكدت هذه الفكرة بعد ضرب الطائرات المصرية تنظيم “داعش” في ليبيا بعد ذبحه 21 مصريا. لكن المؤكد أن اليمن يمكن أن تصبح “فيتنام” للجيش المصري كما حدث في الستينات، حيث تشير مصادر عديدة إلى فقدان أكثر من 10 آلاف جندي مصري في معارك اليمن آنذاك، وهو ما لعب دورا في انهيار الجيش المصري في المواجهة مع إسرائيل عام 1967.

إيران

دأبت إيران منذ سنوات، وفي إطار مناوشاتها مع الأمريكيين، للحصول على حق استخدام التكنولوجيا النووية، على دعم الحركات الراديكالية الإسلامية المقاومة للمشروع الأمريكي في المنطقة وحليفته إسرائيل، مثل حزب الله وحماس، وهي متهمة الآن بأنها وراء توسع الحوثيين في اليمن ودعمهم في الاستيلاء على المدن الكبرى بالتحالف مع قوات الرئيس السابق الذي أسقطته الثورة، علي عبد الله صالح.

ولإيران مصلحة بالتأكيد في تحرير اليمن من الهيمنة السعودية التي استمرت طوال تاريخه الحديث، لكن السياسة الإيرانية في إدارة الصراع مع الغرب أظهرت في مواقف كثيرة أنها تتجنب المواجهات الحاسمة والتصعيد لدرجة الحرب. فهي تحملت عقوبات غربية كلفتها أكثر من 200 مليار دولار خلال 5 سنوات تقريباً دون تنازل عن مشروعها لاستخدام التكنولوجيا النووية، حتى حظيت باتفاق يضمن حقها في ذلك مع رفع كافة العقوبات عنها.

كما تجنبت دعم الشيعة في البحرين (باستثناء الدعم الإعلامي) حين تدخلت السعودية بقوات عسكرية لقمع الثورة في البحرين.

والمؤكد أنها لن تتجاوز التحركات الدبلوماسية لدعم الحوثيين في اليمن، لأن تجاوز هذا الحد ربما سيؤكد الدعاية السعودية عن الحرب الطائفية، وربما يجعل مشاركة الأمريكيين في المعارك مباشرة أمرا محتوما، وهو ما تسعى إيران لتجنبه منذ فترة طويلة.

أمريكا

بعد بداية العدوان مباشرة بدا أن الأمريكيين غير متحمسين لاشتعال حرب جديدة في المنطقة في ظل المآزق والاتهامات التي تعاني منها سياستهم بدعم الجماعات المسلحة في سوريا وليبيا، وعسكرتهم للثورات العربية بهدف تحويلها لحروب أهلية طائفية أو قبلية، الأمر الذي نتج عنه صعود تنظيم الدولة الإسلامية وانتشار مقاتليه في العديد من دول المنطقة، وسيطرتهم على مساحات هائلة من الأرض تتجاوز مساحات الكثير من الدول.

وركزت التكتيكات والتحالفات الأمريكية الأخيرة على مواجهة داعش، حتى لو استلزم الأمر الاستعانة بإيران في العراق، والتحدث عن حتمية التنسيق مع النظام السوري لمواجهة داعش في سوريا.

وفي اليمن شاركت الولايات المتحدة بشكل مباشر رئيسه السابق صالح، وخليفته هادي في الحرب على تنظيم القاعدة، باستخدام القصف الجوي دائما، وإنزال قوات خاصة لعمليات نوعية أحيانا، لكن انهيار السلطة التابعة لها في اليمن كبدتها انسحابا مهيناً من حربها الخفية هناك في الأسبوع السابق مباشرة على بداية عملية عاصفة الحزم، عندما غادرت فرقة الوحدات الخاصة البلاد إلى جيبوتي.

يكمن المأزق الأمريكي في الأزمة اليمنية في كون السعودية حليفاً استراتيجياً للأمريكيين في المنطقة، يتجاوز في أهميته أحياناً الحليف الإسرائيلي، فالتواجد العسكري الأمريكي في السعودية يمثل أهم انتشار للقوات الأمريكية في الخارج على كوكب الأرض، كما كان الدور السعودي حاسماً في تخفيض أسعار النفط للمساهمة في انهيار الاقتصاد الروسي مؤخرا في إطار الصراع بين الغرب وروسيا في أوكرانيا.

لكن الحرب السعودية على اليمن ستجعل من تنظيم القاعدة فاعلا رئيسيا في البلاد من جديد وستقوض الجهود الأمريكية للقضاء على التنظيم، لذا فضل الأمريكيين عدم إغضاب الحليف السعودي، وأعلنوا تأييدهم للعدوان، مع التأكيد على عدم مشاركتهم فيه إلا بالمعلومات المخابراتية.

سيناريوهات المستقبل

الدول الأجنبية التي تذهب لحرب داخل اليمن عادة ما تعود نادمة، فالتدخل العسكري الذي تقوده السعودية لم يشمل حتى اﻵن سوى غارات جوية، ربما يعقب ذلك هجوماً برياً، أما الاسم الحركي للعملية وهو “عاصفة الحزم” على الأرجح يشير إلى ما ترغب في حدوثه المملكة وحلفاؤها، لكنه ما لن يحدث فعليا.

ويبدو أن الرياض التي تعادي حركة الإخوان المسلمين منذ سيطرتهم على الحكم في مصر، لم يعد لديها مانع الآن من التعامل مع حزب التجمع للإصلاح اليمني (حزب الإخوان المسلمين في اليمن) الذي يتزعمه آل الأحمر، وبدأت في عمليات إمداد لهم بالسلاح والمعدات بالطائرات منذ عدة أيام، بالإضافة لتسليحها رجال القبائل الموالية لها عبر حدودها الجنوبية.

وقبائل مأرب، مثل قبائل أخرى على الحدود السعودية، تمثل خط الدفاع الأخير للمملكة على حدودها الجنوبية، ويحمل بعض شيوخها الجنسية السعودية، كما أن الرياض أعادت اتصالاتها مع زعماء آل الأحمر الذين يتزعمون قبائل حاشد القوية في اليمن والذين خسروا المعركة أمام الحوثيين بسبب وقف السعودية دعمها المعهود لهم منذ عشرات السنين.

الحوثيون يواصلون الزحف نحو عدن، ثاني أكبر مدن البلاد، وسيطرتهم عليها أمر متوقع برغم القصف الجوي، وما يحصل الآن هو أن البلاد تتشظى وتتفتت إلى دويلات صغيرة، الحوثيون من جهة، ومن جهة أخرى التنظيمات السنية المتشددة في شبوة والقبائل في مأرب وتشكيلات أخرى في كل محافظة.

السعوديون يحاولون إدخال المصريين في المواجهة. هم لا يحبذون التدخل المصري لكنهم الآن يرحبون بأي حليف ممكن، وسيرحبون بالتأكيد بأي دور أمريكي، خاصة بعد رفض البرلمان الباكستاني المشاركة في الحرب، بعد أن كان فيما يبدو أنهم نجحوا في الاتفاق مع نواز شريف للمشاركة بقوات باكستانية في الحرب البرية، تسديداً لخدمات كثيرة قدمتها السعودية في السابق، وكانت حاسمة في عودته لرئاسة وزراء باكستان بعد أن كان مطلوبا للعدالة في جرائم قتل وفساد من قبل، لكن فرص دول الخليج لاستعادة السيطرة على اليمن، وإعادة عبدربه منصور هادي إلى السلطة شبه معدومة.

وحتى لو نجحت المملكة السعودية في إعادة هادي للحكم في عدن أو حتى صنعاء، فهى لن تستطيع تأمين ولاء كل المناطق له وإنهاء المقاومة المسلحة، فاليمن المنقسم قبلياً أكثر من انقسامه الطائفي، حيث بدأت قبائله في التخندق على الجانبين، قبائل عديدة أعلنت انضمامها وحشد الموالين لها سواء لصالح جبهة آل سعود أو جبهة المقاومين للعدوان. لعل أفضل ما سيحصل عليه السعوديون هو حرب أهلية في اليمن ستطول لسنوات وستخدم سياساتهم الهادفة لعدم وجود دولة يمنية قوية حديثة على حدودهم الجنوبية، وهي السياسات التي حافظت على اليمن ضمن أفقر دول العالم لسنوات طويلة.

التدخل البري إن حدث سيكون خطأ فادحا (لكنه متوقع نظراً لضعف جبهة موالاة آل سعود في الداخل اليمني وعدم قدرتها على الحسم على الأرض)، وهو لن يؤدي في الغالب إلا إلى تدعيم جبهة رفض العدوان، ودفع قطاعات أوسع للانضمام للمقاومة، وهو ما بدأت مؤشراته بالفعل بإعلان عدة قبائل حشد مقاتليها للمشاركة في المقاومة حال الاجتياح البري، ومنها قبيلة آل طعيمان جهم بمحافظة مأرب، وقبائل حضرموت التي تستعد لاقتحام المكلا لتحريرها من تنظيم القاعدة، وغيرها كثير من القبائل المتحالفة مع صالح.

يبقى أن نعرف أن تكلفة الحرب على اليمن ستتجاوز عدة مليارات من الدولارات، وهو ما كان كفيلا بتحسين الوضع الاقتصادي في اليمن لمستويات تجعله يتجاوز الانهيار الذي عانى منه منذ سنوات. تلك الأموال كانت كفيلة ببناء مدارس لاستيعاب كل اليمنيين في سن التعليم، وبناء شبكة خدمات صحية كفيلة بعلاج كل المحتاجين للعلاج من الشعب. كما أنها كفيلة لمد شبكات المياه والصرف لكافة اليمنيين بدلا من إمداد 10% فقط بشبكات مياه نظيفة قبل الحرب.

كما أن التواطؤ السعودي سابقا مع علي عبد الله صالح هو ما حرم اليمنيين من استعادة 60 مليار دولار نهبها خلال فترة حكمه، ونجحت السعودية في إخراجه من الحكم محصنا من المحاكمة والملاحقة القانونية، لتحرم الشعب اليمني من أمواله التي كانت كفيلة بتغيير شكل الحياة وكافة المؤشرات الاقتصادية في هذا البلد الفقير.