بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ماذا يحدث في القصر السعودي؟

اتفقت أغلب التحليلات العربية على أن انتقال مقاليد الحكم إلى الملك سلمان بن العزيز قد تمت بسلاسةٍ تؤكد على تماسك البيت السعودي من الداخل. وعلى المنوال نفسه، حاول العديد من المحللين الدفاع عن الترتيبات الجديدة والمتلاحقة التي يقوم بها الملك سلمان داخل القصر، بحجة تحسين الأوضاع الداخلية، وتهيئة المملكة لمواجهة التحديات الإقليمية الجسيمة.

ولكن جاءت القرارات الأخيرة للملك سلمان لتُبدد أسطورة “سلاسة انتقال الحكم”، ولتثبت أن الترتيبات الجديدة ليست سوى حلقة من حلقات الصراع السياسي على الحكم، أعادت الجناح السديري مرة أخرى إلى صدارة المشهد السياسي السعودي، وأن هناك خلافات وتوترات مكتومة داخل الأسرة الحاكمة قد تنفجر في أي لحظة.

من هم السديريون؟
هو ذلك المسمى الذي يُطلق على سبعة من أبناء الملك عبد العزيز آل سعود من زوجته حصة بنت أحمد السديري، وهم: (فهد، سلطان، عبد الرحمن، تركي الثاني، نايف، سلمان، أحمد).

وكان أول من تولى حكم المملكة من السديريين هو الملك فهد بن عبد العزيز، وذلك عام 1982 بعد وفاة أخيه غير الشقيق الملك خالد. وقد ظل بالحكم حتى تُوفي في أغسطس 2005، ليتولى خلفا لها الملك عبد الله بن عبد العزيز، وهو الابن الثاني عشر من أبناء الملك عبد العزيز الذكور، وأمه هي فهدة بنت العاصي بن شريم الشمري.

وقد تولى الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم في يناير 2015، ليعود السديريون مرة أخرى إلى الحكم، بعد غياب دام 10 سنوات، هي فترة حكم الملك عبدالله بن عبدالعزيز.

وقد تُوفي ثلاثة من السديريين السبعة، وهم: فهد، وسلطان، ونايف. ومع تولي الملك سلمان مقاليد الحكم، يظل هناك ثلاثة من الجيل الأول للجناح السديري على قيد الحياة، ولكنهم خارج دائرة الحكم.

أولهم هو: عبد الرحمن بن عبد العزيز، والذي قد تم تعيينه نائباً لوزير الدفاع والطيران عام 1983، قبل أن يتم إعفائه من منصبه في نوفمبر 2011. الثاني هو: تركي الثاني بن عبد العزيز، والذي قد عُين نائب لوزير الدفاع والطيران عام 1969 حتى عام 1983، إلى أن غادر بعد ذلك المملكة إلى مصر ليقيم بها مع أسرته حتى عام 2010، وبعد ذلك عاد الرياض، ويُشاع أن رفض تولي أي منصب حكومي داخل المملكة إلى الآن.

والثالث هو: أحمد بن عبدالعزيز، وقد تولى منصب وزير الداخلية في يونيو 2012، قبل أن يتم إعفائه من منصبه في نوفمبر من نفس العام، ليتم تعيين محمد بن نايف بدلاً منه، ورغم أنه يكبر الأمير مقرن سناً، إلا أن الملك عبدالله عند استحداثه لمنصب ولي ولي العهد في مارس 2014، عين مقرن ولياً لولي العهد بدلاً من أحمد بن عبدالعزيز، وهو الأمر الذي تم تفسيره على أن الملك عبدالله كان يمهد طريق ابنه متعب إلى العرش، كما تشير التقارير إلى الدور المحوري الذي لعبه “خالد التويجري” – رئيس الديوان الملكي السابق – في استبعاد أحمد بن عبد العزيز من دائرة الحكم.

السلاسة المزعومة في انتقال الحكم
وسط التعقيدات المتلاحقة التي ظهرت داخل الأسرة الحاكمة في السعودية خلال عام 2014، ذهبت معظم التحليلات إلى الحديث عن خلافات الحكم المتوقعة بعد وفاة الملك عبدالله. وبعد أن تولي الملك سلمان مقاليد الحكم، دون أن تطفو على السطح خلافات شرسة داخل الأسرة الحاكمة، تبارى المحللون داخل الوطن العربي في الحديث عن سلاسة انتقال الحكم في السعودية، وذهبوا إلى أن افتراض وجود خلافات داخل الأسرة الحاكمة هو محض هراء، يتغنى به أعداء المملكة.

ولكن أثبتت الأشهر القليلة التي مرت على حكم الملك سلمان، والتي شهدت حزمتين من القرارات الهامة، أنه لم يعد هناك مجال للحديث عن سلاسة في انتقال الحكم داخل المملكة، وذلك لسببين رئيسيين:

الأول: أن قرارات الملك سلمان منذ توليه الحكم، هدفت – في المقام الأول – إلى إحكام قبضة الجناح السديري على مفاصل الدول، وتمهيد الطريق – في المقام الثاني – لابنه محمد لتولي مقاليد الحكم في المستقبل القريب، وربما يكون خلفه مباشرة

الثاني: بعد القرارات الأخيرة، أصبح – في حكم المؤكد – أن الملك القادم للسعودية سيكون من الجيل الثاني لنسل الملك عبد العزيز، وهو الأمر الذي سيفرض بدوره نمط العلاقات التصارعية داخل مراكز الحكم في المملكة لفترة قد تمتد لسنوات.

الحزمة الأولى من قرارات سلمان
يبدو أن الملك سلمان وصل إلى عرش السعودية في يناير 2015 ولديه رؤية واضحة حول المستقبل السياسي للبلاد، وهي الرؤية التي تضمنت تمكين الجناح السديري من مراكز القوى السياسية، على حساب أبناء الملك عبدالله وتابعيه، وكذلك تمكين نسله من العرش خلال صراع الجيل الثاني على حكم المملكة.

ففور توليه مقاليد الحكم، أعلن الملك سلمان عن تعيين مقرن بن عبد العزيز ولياً للعهد، ويبدو أنه اُضطر في تلك الفترة إلى ذلك، احتراماً لمبدأ التوازن السائد داخل الأسرة الحاكمة، خاصة وأن الملك عبدالله هو من عين مقرن ولياً لولي العهد، ولكنه في الوقت ذاته عين محمد بن نايف، ابن أخيه ولياً لولي العهد، ونائب رئيس الوزراء، ووزيراً للداخلية، ليضمن بذلك الحد من نفوذ الأمير مقرن.

أمّا ابنه “محمد بن سلمان” – التي يبلغ من العمر 30 عاماً على أقصى تقدير – فقد عينه وزيراً للدفاع، ورئيساً للديوان الملكي، ورئيساً لمجلس الشئون الاقتصادية والتنموية، ليُطيح بـ”خالد بن عبد العزيز التويجري” من منصب رئيس الديوان الملكي الذي تولاه لمدة عشر سنوات، خاصة وأن عائلة التويجري ارتبطت منذ فترة طويلة بالملك عبد الله وابنه متعب، لذلك فإن الإطاحة به تعني خفض الامتيازات التي نالها متعب في ظل حكم والده.

وبعد أقل من أسبوع تمت بالإطاحة بالأمير بندر بن سلطان من رئاسة مجلس الأمن الوطني السعودي، وهو من اُشيع عنه أنه حاول الإطاحة بالملك سلمان حينما كان ولياً للعهد، كما أنه روج أخباراً حول تردي حالته الصحية، وأنه لا يصلح للحكم في حال وفاة الملك عبد الله. كما قام الملك سلمان بإعفاء اثنين من أبناء الملك عبدالله، الأمير مشعل بن عبد الله أمير مكة، والأمير تركي الذي كان أميراً للعاصمة الرياض، من منصبيهما.

الحزمة الثانية من قرارات سلمان
يبدو مما سبق أن الأوامر الملكية التي أصدرها الملك سلمان في 29 إبريل 2015 لم تكن مفاجئة، حيث تم الإطاحة بمقرن بن عبد العزيز من منصب ولي العهد – وإن جاء في المرسوم الملكي أن مقرن هو من طلب إعفاءه من منصبه – ليحل محله محمد بن نايف، الذي أصبح أول حفيد من أحفاد الملك يتولّى منصب ولي العهد، وتولى محمد بن سلمان منصب ولي ولي العهد، ليُصبح بالتالي أصغر من تولّى هذا المنصب في تاريخ البلاد، مع احتفاظه بمنصبي وزير الدفاع ورئيس مجلس الشئون الاقتصادية والتنموية، وتخليه عن رئاسة الديوان الملكي لصالح حمد السويلم.

وبذلك يكون الملك سلمان قد تمكن خلال 100 يوم من توليه مقاليد الحكم من تثبيت دعائم حكمه، عن طريق تمكين الجناح السديري، وإبعاد رجال سلفه الملك عبدالله عن مراكز القوى في المملكة.

ولكن تظل الخلافات المكتومة داخل الأسرة الحاكمة مرشحة للانفجار بعد وفاة الملك سلمان، لأنه إن استمر محمد بن نايف في منصب ولي العهد إلى ذلك الحين، فلن يكون انتقال مقاليد الحكم إليه أمرٌ يسير، فهناك ستة أمراء من أبناء الملك عبد العزيز آل سعود مازالوا على قيد الحياة. كما سيسعى أبناء الملك عبدالله بين العزيز إلى استعادة مقاليد الحكم، إذا ما استقر العرش للجيل الثاني لنسل الملك عبد العزيز.

لذا، من المرشح أن تصبح هيئة البيعة، هي الساحة الحقيقية لهذه الصراعات المستقبلية، وذلك إذا لم يسعى الملك سلمان في المستقبل القريب إلى إجراء تعديلات جوهرية على لوائحها، بغرض إضفاء المزيد من الصورية على دورها في اختيار ولي العهد، أو إضعاف ذلك التيار الذي ربما ينقلب على قراراته فيما بعد.