بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

بين داعش وتمدد القوى الرجعية:

ما الذي يحدث في المنطقة العربية؟

تمر المنطقة العربية بمنعطفات خطيرة تراجعت على إثرها الثورات العربية في عامها الخامس، فيما احتشدت قوى الثورة المضادة ممثلة بالأنظمة الديكتاتورية من جانب والقوى الرجعية من جانب آخر في مواجهة ضاعفت تحديات الشعوب الثائرة. في هذا الإطار، أجرت بوابة الاشتراكي حوارا مع الناشط السوري لوركا* لتوضيح ملابسات ما يحدث بالمنطقة.

قبل عدة أيام، أعلنت القوات العسكرية العراقية بالأنبار انسحابها وسيطرة تنظيم داعش على معبرين من أصل 3 معابر على الحدود العراقية السورية، الأمر الذي أثار مخاوف حول توسع التنظيم في كلا البلدين من جانب وأسئلة حول الانعكاسات المباشرة للتطورات الميدانية. كيف تقيًم الأزمة؟

إن تمدد تنظيم داعش في كل من سوريا والعراق يزيد من أزمة الثورة في سوريا وأيضا يؤجل أو يلغي تحقيق المطالب الشعبية في العراق من تحقيق المساواة بين مكونات الشعب العراقي أو حتى التفكير في إلغاء المحاصصة الطائفية في هذا البلد. لعل سيطرة التنظيم مؤخرا على مدينة الرمادي وتدمر السورية يعكس مدى كبر المآساة التي تعاني منها شعوبنا. إنهم يحاولون وضع الشعوب أمام خيارين أحلاهما مر إما الأنظمة الفاسدة والمستبدة أو تنظيم داعش بكل جهله ورجعيته مع السعي الدائم لتغييب قوى الثورة الأصيلة التي لم تدخل لعبة الحرب والسلاح بشكل مباشر، لذلك يسهل القول بأنها ضعيفة والواقع عكس ذلك. والآن تنظيم داعش يشن هجوما”واسعا”على الريف الشمالي لمدينة حلب في ظل غياب وتجاهل ما يسمى بالتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وكل ذلك لا يدعو للتفائل بمستقبل الثورات والمنطقة مادامت نفس العقلية تتحكم، وماداموا مرتهنين وعاجزين عن تحديد الأولويات وتعرية كل من يدعي نصرة الشعوب والثورات، فعلينا كسوريين البدء بشكل جدي بفضح وتعرية جميع قوى الثورة المضادة، وعلى رأسها جبهة النصرة التي تحاول الإيحاء بأنها معتدلة وأقل تطرفا، ومجددا لن تسقط منظومة الفساد والإجرام مادامت الحركات الفاشية متحكمة بمجريات الأحداث، وأي طرح أو حديث عن التقسيم لن تمرره الشعوب رغم ما جرى من شرخ في بنية المجتمع نتيجة الشحن الطائفي.

بالعودة إلى الحديث عن سوريا، فالأوضاع هناك تثير مخاوف كبيرة، وتعكس تأزم عام للثورات العربية في المنطقة ما بين اجتياح الجماعات المتطرفة وأجندتها الرجعية من جانب، واشتداد القبضة الحديدية لنظام الأسد من جانب آخر. كيف تحلل أطراف القوى على الأرض في سوريا؟

قال البعض إن سوريا ستكون مقبرة الثورات، وأن الشعوب العربية ستفكر ألف مرة قبل القيام بأي حركة احتجاجية، وستكون صورة الوضع السوري حاضرة في أذهان الكثيرين لتذكرهم بهول ماسيحدث إن هم تجرأوا وطالبوا بالتغيير، إنها لعبة الأنظمة والدولة العميقة في البلدان الثائرة، ولعل مايجري في سوريا هو بالفعل يشكل كارثة وانتكاسة لطموح مَن ثار ضد النظام وأيضا لشعوب المنطقة الراغبة في إحداث تغيير في بنية الحكم وشكل الدول القائمة، لكن الوضع ليس بهذه المآساوية كما يصوره البعض فما زالت الثورة مستمرة، ومازال هناك العديد من القوى الديموقراطية والمدنية موجودة على الأرض وتحمل أهداف الثورة، فهناك التنسيقيات والمجالس المحلية والثورية، وهناك أيضا القوى اليسارية، ونحن في تيار اليسار الثوري جزء فاعل فيها ومنخرطين بالثورة ومازلنا مستمرين في دعم برنامج الثورة لتحقيق أهدافها الأصيلة، والكل يعرف أن مَن سعى لحرف الثورة عن مسارها هو النظام بالدرجة الأولى وأدواته المحسوبة على الثورة. النظام مَن أخرجهم من سجونه في ربيع عام 2011 وبدأ باعتقال النشطاء السلميين والمثقفين، ومن هنا بدأ استفحال هذه القوى التي أصبحت فيما بعد قوى الثورة المضادة والتي ساهمت بإطالة عمر النظام. إنهم هم الداعمون الذين حددوا طبيعة هذه القوى واختاروا أسماء الكتائب وأهدافها، ولن يأتيك الدعم إن لم تكن إسلاميا واسم كتيبتك كذلك، وأيضا قاموا بتصفية جميع قادة الجيش الحر الوطنيين، وبالتالي فإن غالبية فصائل المعارضة هي إسلامية، منها المعتدل والمتطرف وطبعا، نستثني منها تنظيم داعش والنصرة، فهذان التنظيمان هم ركيزة قوى الثورة المضادة ولهم أجنداتهم الخاصة، وهم أعداء الشعب الثائر، ويأتي جيش الإسلام وأحرار الشام بعدهم من حيث الخطورة على ثورة الشعب السوري. في الجانب الآخر يوجد النظام وميليشاته المحلية متمثلة بما يسمى بجيش الدفاع الوطني وفروعه وأيضا بالميليشيات الطائفية من العراق ولبنان وغيرها والتي تساهم في تأجيج الصراع الطائفي تماما كما تفعل التنظيمات المتطرفة المحسوبة على المعارضة، وكل ذلك والائتلاف السوري المعارض يبدو عاجزا تماما عن القيام بدوره نتيجة ارتهانه لأجندات لا تخدم طموحات الشعب الثائر.

وهناك في سورية تحركات كثيرة لتغير الوضع القائم ومن داخل المناطق المحررة للخروج من عباءة تجار الدين .مازال الطريق طويلا” شاقا”حتى تحقق أهداف الثورات الشعبية الأصيلة.

تصدرت سوريا والعراق واليمن وليبيا ساحات الصراع حيث تحالفات لقوى داخلية، فيما أعلنت العديد من الدول العربية، بقيادة دول مجلس التعاون الخليجي ومصر، تكوين قوة عسكرية مشتركة. كيف ترى، في ظل هذه الظروف، أهداف التحالفات الدولية وتأثيرها على الداخل؟

دأبت الرجعيات العربية متمثلة بدول الخليج على العمل لإجهاض الثورات العربية، بالإضافة إلى القوى الدولية المختلفة التي تدور في نفس الفلك، إما من خلال دعم الجهاديين لتبرير التدخلات الخارجية أو بدعم الأنظمة بحجة مكافحة الإرهاب ودعم الإستقرار، كان أولها التحالف الأمريكي على تنظيم داعش والقيام بغارات للحد من انتشاره وتقزيمه، لكن هذا التحالف فشل في تحقيق أهدافه والسبب يعود لعدم وجود الرغبة في ذلك ولإبقاء المنطقة مشتعلة وشغلها بصراعات مذهبية وعرقية، فكل الغارات التي قامت بها أمريكا ومَن معها في شهر واحد مثلا لا يعادل عدد الغارات في يوم واحد على يوغسلافيا السابقة أو خلال حربها على صدام حسين.

وفي حدث غير مسبوق قامت السعودية بتشكيل تحالف عربي الهدف منه دعم الشرعية في اليمن والقضاء على الانقلابيين، مع العلم أن كل الأنظمة المشاركة في العدوان على اليمن تفقد الشرعية وتدًعي السعي لدعمها في اليمن، هذا لايعني أن الحوثيين على صواب فهم أيضا يتبعون ﻷجندة إيرانية، لكن السبب في ذلك هو تهميشهم لأسباب طائفية، ولقد كان الحوار في اليمن قريبا من تحقيق أهدافه لولا تدخل دول الخليج وإيران عبر أدواتهم في اليمن، وإن أغلب ضحايا هجمات التحالف هم من المدنيين وذلك سيزيد من تعقيد الوضع وسيعمق المآساة ويبشر بمزيد من الحروب في المنطقة.

إن الإعلان عن قوة عربية مشتركة هدفه حماية الأنظمة بالدرجة الأولى ويرسخ حكم العسكر ورجال الدين مرة آخرى، ولقد كان الشعب الفلسطيني في مناسبات مختلفة بأمًس الحاجة لتشكيل هذه القوة بعيداعن بيانات قممهم المتضامنة والمستنكرة. ستصبح هذه القوة العربية المشتركة جزءا من أحلاف دولية وأودات بيد القوى الكبرى، وربما تقوم بحروب بالوكالة عن هذه الدول.

أثارت أغلب السجالات، اختلاط لدى البعض في مفاهيم المقاومة والتحرر بدخول حزب الله ساحة المعركة ومساندة نظام الأسد في ظل اعتماد خطاب عدائي صريح لوأد أي حراك ضده في سوريا. في هذا الإطار يهمنا دوما طرح المزيد من التحليلات حول الموقف الحالي من حزب الله وكونه جزءا من معادلة التحالفات الدولية؟

إن تدخل حزب الله في سوريا هو الخطيئة الكبرى التي ارتكبها الحزب، ورغم اختلافنا مع الحزب منذ نشأته على أساس ديني ومذهبي ورغم كل ماقام به من تصفية معارضيه في مراحل مختلفة، فهو متهم باغتيال حسين مروة ومهدي عامل والقائمة تطول، إلا أن حزب الله شكًل فيما بعد حالة مقاومة وطنية جامعة للكثير من التيارات في مختلف البلدان، وتجاوز الكثير حقيقة ارتباطه بإيران وركزوا على الأعمال البطولية التي يقوم بها ضد الاحتلال الإسرائيلي، وتوًجت تضحيات المقاومة بتحرير الجنوب اللبناني، لكن حزب الله سعى أيضا لتقزيم كل حركات المقاومة الأخرى وخصوصا اليسارية وعمل على إظهار نفسه بأنه الوحيد الذي مازال يحمي مشروع المقاومة.

بعد اندلاع الثورة السورية توقع الجميع من الحزب الوقوف في صف الثورة، وأنه من المستحيل أن يغامر بشعبيته ويدعم النظام في سوريا وهو يعلم مدى الشعبية التي كان يتمتع بها، لكن الحزب تورط تدريجيا في سورية، وكل ذلك لعدم استقلالية قراره، ومن سوء حظ الثورة أن جماعة الرابع عشر من آذار في لبنان، والتي تتبع بغالبيتها المشروع الأمريكي، أعلنت عن دعمها للثورة. وبالتأكيد لم يعد حزب الله حركة مقاومة حتى لو حرر الأقصى، ولن يفعل، فلقد ساهم حزب الله في قتل الشعب السوري وساهم بدعم النظام وخسر كل شيء وإلى الأبد، وأثبت للجميع أنه جزء من مشاريع لا تخدم شعوب المنطقة تماما كأشباهة من الحركات الدينية في الجانب الآخر.

ارتفاع حدة الثورة المضادة، مع تراجع واضح لتفعيل الثورات العربية، ألقى بظله على مهام جسيمة لليسار العربي. في نفس الوقت الذي نواجه فيه تذيل قوى يسارية بانحرافات واضحة عن المسار الثوري. كيف ترى تلك التحديات وأفق مواجهتها وتفعليها؟

لعبت قوى الثورة المضادة الدور الرئيسي في حرف الثورات عن مسارها، وفي كل بلد أخذت أشكالا مختلفة، ففي مصر كان الفلول والعسكر قادتها، وفي مرحلة قصيرة حاول الإخوان لعب هذا الدور إرضاءا للعسكر دون فائدة. وفي ليبيا نفس الشيء مع مفارقة أن دول الخليج تدعم القوى التي تعادي المتشددين، وفي تونس نفس الشيء وبكل ذلك يعملون على إدخال الشعوب في متاهة الاضطراب الدائم. وفي سورية الوضع أكثر تعقيدا لوجود قوى مختلفة لكل منها مشروعها الخاص. ولقد كان متوقعا من اليسار العربي القيام بدور أكثر فاعلية لكن يسار الأنظمة بقي كما هو ولم ينخرط في الحراك الثوري وتبنى نظرية المؤامرة. كما لم تكن بعض القوى اليسارية المحسوبة على الثورة على قدر كاف من الوعي الثوري فقد تاهت مرارا في التحليل وأخطأت في كثير من المواقف، فمنهم من اعتبر ماجرى في العراق بأنه ثورة كبرى دون حساب دخول داعش، وأثبتت الأيام صوابية تحليلنا مع تأكيدنا على ضرورة خلع المالكي وتحقيق المساواة في العراق بين جميع مكوناته، ومؤخرا ذهب بعضهم لتأييد الحرب على اليمن وبأنها قادسية أخرى وربما ذي قار.

إنه اليسار العقيم الغير المنتج والغير قادر على التفكير والتحليل بشكل مادي. في مصر هناك العديد من الأمثلة عن هذا اليسار المؤيد بشكل أعمى للسلطة القائمة بغض النظر عن توجهها واستبدادها. إن مانحتاجه اليوم هو اليسار الجذري الحقيقي الغير مرتهن والقادر على تنمية وعي الجماهير وتوجيهه نحو أسباب الفشل وليس نتائجه، وكل ذلك من خلال طرح أفكارنا بشكل مبسط وقريب من هموم الناس والعمل بكل لحظة على تطوير أنفسنا كي لا نصاب بالجمود.

الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية تختصر الكثير من المقالات والنصوص ويجب أن نكون قادرين على إيجاد الحلول ووضع البرامج القادرة على إحداث التغيير الجذري نحو الأفضل.

*لوركا السوري: ناشط بتيار اليسار الثوري السوري.