بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

المسكوت عنه في الحرب على اليمن

قبل يومين، استقبلت مستشفيات مدينة المخا بمحافظة تعز لأكثر من 100 قتيل مدني سقطوا إثر ضربة جوية نفذتها قوات التحالف العربي، واستهدفت مدينة سكنية نزح إليها المتضررون من تدمير الأحياء المحيطة. وقبل عدة أيام قُتل 17 مدنيا إثر قصف الحوثيين لمناطق سكنية في محافظتي عدن وتعز ضمن خسائر يومية يتجرعها المدنيين.

ولأن كثير من وسائل الإعلام العربية، التي كشفت وثائق ويكيليكس مؤخرا دعم السعودية لها، لم تعد تجرؤ على تخطي الحدود الحمراء في السياسات الخارجية السعودية، فالأرقام التي ترد على عناوين الصحف المختلفة وحالة التهليل الضمني التي تبديها لتلك الضربات أصبحت انتقائية ببلاهة شديدة، ولا تعكس سوى مفهوم واحد وهو “انتصار القوات السعودية في دفاعها عن خيار الشعب اليمني”.. لم يذكر لنا ذلك الإعلام أعداد الضحايا المدنيين الذين سقطوا قتلى، أو حجم الدمار والتخريب الذي طال كل محافظات البلد. وبالتالي لم تقدم أي تقييم وتحليلات حول المستفيد الأول من خراب اليمن!

الواضح أن إدارة التحالف العربي للمعركة العسكرية في اليمن جاء ضمن مخططات لاستراتيجية أكبر في رسم الحدود السياسية للجارة الجنوبية. اليمن تعني الكثير بالنسبة للسياسة السعودية فهي من ناحية تمثل حليف يسهل اجتذابه إلى سياسات مجلس التعاون الخليجي الذي أصبح يمثل أكثر القوة العربية تنظيما في مواجهة ثورات الربيع العربي. كما إنها، والأهم، تمثل ورقة استخدمتها السعودية في إدارة صراعها الأكبر مع إيران التي تم تقويضها مؤخرا بعدة اتفاقات أجاد التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية استخدامها.

وفي كلتا الحالتين، فالواقع يشي بانتصار السعودية في تحقيق بنود مخططها خطوة خطوة، بدءا من استحواذ الثروة الشعبية اليمنية وتجميع أطرافها حول المبادرة الخليجية التي قضت بنودها بالتصالح مع نظام علي عبد الله، ومن ثم مشاركته الحياة السياسية بكافة أساليبها الحزبية والبرلمانية، في المقابل، دعت إلى حوار وطني استهدف إقصاء عمدي للتيارات الأخرى وعلى رأسها الحوثيين.

الواقع يقر بأن الخيارات الثورية التي أقرتها الثورة اليمنية، بمظاهرات حاشدة، طالبت بمحاكمة رجال بن صالح وكل المتورطين في قتل المتظاهرين ونهب ثروات اليمن. لم تضمن خيارات اقتتال الحوثيين وانتزاعهم نهائيا من الساحة اليمنية مثلما تخطط السعودية في إطار مناورتها مع الخصوم الدوليين. جاءت المبادرة الخليجية لتحتفظ برجال السفاح بن صالح واستمرارهم في مناصبهم بالدرجة التي تضمن استفزاز الوضع اليمني وتأجيج صراعه لتلك الحالة التي وصل عليها الآن.

المعارك التي تصفها الخريطة الميدانية الحالية تؤكد صحة سير المخططات السعودية مثلما أرادت. تمويل جماعات شعبية تكونت إثر الخطر المحتدم من الصعود المسلح للحوثيين ثم استيلائهم على مفاصل الدولة، هذه المجموعات المرتهنة إما للخيارات السعودية المباشرة أو كرد فعل لتصعيد الحراك الحوثي المسلح، ظهرت لتلعب دورا محركا في فصل الساحة اليمنية إلى الجنوح بقوة لخيار عودة بن هادي رئيسا للبلاد، وهو الذي أقرتّه المبادرة الخليجية باختيارها المباشر دون أي تعددية انتخابية تُذكر. هذه مسألة في غاية الخطورة في استخدام معادلة الجماهير لتمرير سياسات أعمق للقضاء على حراكهم الثوري الذي قد كانت ستحمله الأيام القادمة وتحت نفس الظروف الاقتصادية والاجتماعية المحركة لثورة 2011.

والنتيجة، استطاعت السعودية أن تحسم صراعها مع الحوثيين بمواجهة من داخل اليمن يشارك فيها اليمنيين أنفسهم بقوتهم ودماءهم وكامل عتادهم دون أي حديث عن الدور السعودي الأولي في الانتصار لـ “بن صالح”، ثم تضليل المعادلة الثورية بأحزابها وحركاتها بعيدا تماما عن أهداف الثورة في بلد قفزت فيه معدلات الفقر إلى نسب مفزعة.

أصبحت التحركات العسكرية لقوات التحالف هو الاعتماد على القصف الجوي لتدمير المواقع الدفاعية والهجومية للحوثيين كإجراء عسكري سريع لتحقيق انتصارات أكبر في تقويض التحرك الحوثي وتحقيق زخم شعبي متضامن، وسط تصريحات متناثرة عن احتمالية التدخل البري الذي لم يتأخر مثلما يعتقد البعض.

لتكون المُحصلة النهائية هو انتظار لحظة حاسمة في إنهاك الجبهة الداخلية لكل الأطراف؛ ليُتاح فرصة أكبر في دخول دبابات التحالف التي طالما تفادت السقوط السهل في المستنقع اليمني، إنها الفرصة التي ستنتهزها قوات التحالف لبسط نفوذ القائد القديم/ الجديد، وتنصيبه في عملية تنقيح جديدة ستختار أكثر الفصائل إخلاصا ولن تتوانى بالتالي عن التخلص من كافة الفصائل المسلحة التي ستجنح عن الانضمام إلى الجيش الذي سيعاد ترميمه بكفاءة.

الساحة اليمنية رغم تعدد فصائلها المتحاربة لم تقدم غير ما رسمته السعودية لها. المقاومة الشعبية المدفوعة بعدة خيارات لن تتجانس طويلا، مع انتشار سلاحها، وخاصة أن الضمانات المتاحة لا تُنبئ بخروج عن سيناريو الاقتتال طويل الأمد، بالإضافة إلى تجييش كل الساحة اليمنية حول “زعيم منقذ” واحد، ما يعكس تداعياته المريرة على تقويض الساحتين السياسية والاجتماعية.

المسألة اليمنية أعمق بكثير مما يتعمد الإعلام العربي تسطيحه وتوصيفه إلى مجرد مواجهة متمردين مخربين اختاروا السلاح، هي معركة تطرح نفسها في إعادة مراقبتنا لكيفية إدارة أنظمة الثورة المضادة بالمنطقة لخيارات أكثر خطورة في تخيل ثم تهيئة ”عدو” وإتاحة الفرصة لصعوده ثم الانقضاض عليه، لكن هذه المرة استخدمت الجماهير نفسها في الدفاع عن مصالح تلك الأنظمة التي ثاروا عليها، وبتفويض يدفع ثمنه آلاف المدنيين الأبرياء.

المسألة اليمنية هي جزء من مرحلة جديدة لتكتيكات الثورة المضادة في شيطنة كل ما يتعلق بأي مطالب ثورية تحيد عن خيار واستقرار السلطات الحاكمة والمصالح الإقليمية والدولية لها.

المعارك الحالية التي تحاول السلطات العربية الحاكمة توظيفها في إطار الصعود الفج للثورات المضادة بالمنطقة، ستكشف الأيام القادمة عن انحطاط حقيقتها.