بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

حوار مع محمود رشيدي، الأمين العام لحزب العمال الاشتراكي - الجزائر

الهمجية التي تتربّص بالإنسانية تتغذى من الضائقة الاجتماعية ومن يأس الشعوب

أجرت الحوار تينهينان مكاسي

في إطار لقاءاته مع الأحزاب السياسية، وخاصة من اليسار، بخصوص المسألة الأمنية والجهادية، سيما بعد الهجوم الذي قُتل فيه 9 جنود من الجيش الجزائري قرب عين الدفلى، يوم 17 يوليو الجاري، أجرى موقع Reporters (مراسلون) هذا الحوار مع أمين حزب العمال الاشتراكي، محمود رشيدي.

ماهي قراءتكم لكون المجال الجهادي في الجزائر يتسم ببصمات القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وداعش؟
لا أعتقد أن الوضع يتوافق مع ما قد يوحي به سؤالك. أقصد أن الجزائر لا تتسم بتصاعد الجهادية. ومع ذلك، فإن بعض أنوية الجماعات المسلحة، المنتمية إلى هذه أو تلك التسمية، تحاول من وقت لآخر، القيام بعمليات أكثر أو أقل دموية، بهدف واضح وهو إثارة الصدمة والتأكيد على قدرتها على إحداث الضرر. وأمثلة تيقنتورين (1) في عام 2013، التي تبنتها القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، واختطاف الفرنسي ڤوردال (٢) في عام 2014، الذي أعلنت داعش مسئوليته عنه، تندرج ضمن هذه الاستراتيجية. في الواقع، نحن بعيدون جدا عن سنوات التسعينات وعما يحدث في بلدان المنطقة. لكن الوصفات الاقتصادية الليبرالية المفروضة من قبل السلطة السياسية الحالية في الجزائر ستزيد بلا شك من تفاقم الكارثة الاجتماعية واليأس. ومن جهة أخرى، فإن الانتهاكات الجسيمة للحريات الديمقراطية يمكنها أن تدفع بشريحة من الشباب في الأحضان المسلحة للأصولية الدينية والتعصب.

ما هو الحل، وفقا للتشكيلات اليسارية، للمسألة الجهادية؟ هل هو أمني بالمعنى الدقيق أم سياسي؟
بالنسبة لحزب العمال الاشتراكي، مثلما ذكرنا سابقا في 1990، لا يوجد حل بوليسي للمشاكل السياسية. إن هزيمة الإسلاميين المسلحين في الجزائر، الذين لا تزال أعمالهم الوحشية والهمجية حيز الذهن، هي هزيمة سياسية في المقام الأول بفعل السخط الشعبي منذ نهاية عام 1994.

مصالحو “سانت إيجيديو” (٣) أو رئاسة السلطة العسكرية في ذلك الوقت وحلفائها في 1995 كانوا يتزحلقون على هذه الحقيقة. لذلك لم تكن هزيمتهم العسكرية إلا مسألة وقت. بالطبع سوف لن نستعرض هنا انتهاكات هذا الفريق أو ذاك التي كنا قد نددنا بها في وقتها. وبالمقابل، فإن الحل السياسي الذي دعونا إليه ليس هو ما يدعو إليه السيد بوتفليقة. فالمصالحة والوفاق لا يمكن إقرارهما بتكريس الإفلات من العقاب والظلم. إن الحل السياسي الديمقراطي الفعلي يفترض على الأقل الاعتراف بالجرائم المرتكبة، والصفح من قبل الضحايا من خلال عدالة مقبولة من طرف الجميع. كذلك يتطلب الحل السياسي الديمقراطي خيارات اقتصادية واجتماعية تضمن الخبز والعمل والسكن للجميع، لضمان الحرية والكرامة للشعب الجزائري ولمنح أفق أساسه الأمل لشبابنا.

هل هم يشتركون في فكرة أن هذه الجماعات تخضع لأجندات دولية؟ إذا أجبتم بنعم، فما هي؟
ما تطلقون عليه أجندات دولية، نحن نسميه مصالح القوى الغربية الإمبريالية وحلفائها، مثل ممالك الخليج. لكن، هذا ليس أمرا جديدا. الولايات المتحدة الأمريكية أصبحوا خبراء في تمويل وتدريب وتسليح الجماعات المسلحة في أمريكا اللاتينية ومناطق أخرى منذ زمن، وكذلك في فرض ديكتاتوريات وأنظمة موالية لها. منذ حقبة الحرب الباردة والتدخل العسكري السوفيتي في أفغانستان في عام 1979، يتم تشجيع الإسلام السياسي أو المسلح ودعمه في جميع أنحاء المنطقة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين. إن ما تفشى عن صلات بن لادن وتنظيمه القاعدة بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية معلومة لدى الجميع. كما أن الاستراتيجية التي أعدتها إدارة بوش لإعادة تشكيل الشرق الأوسط الكبير، وهي استراتيجية تدخلية نيو – إستعمارية ونيو – ليبرالية بشكل فاضح، تكشف عن نهم الولايات المتحدة في المنطقة وعزمها على طرد الأنظمة السياسية المستعصية. فالاعتراف الأخير لمسئول في البنتاغون بخصوص دعم الولايات المتحدة لداعش بين عامي 2012 و2013، عن طريق تركيا، والمملكة العربية السعودية وحلفاء آخرين، لا يترك أي شك حول هذا الأمر فيما يخص استخدامه لإضعاف إيران وحزب الله والنظام السوري، وفيما إلى ذلك روسيا بوتين.

إن التدخل المباشر لحلف شمال الأطلسي في ليبيا واغتيال الدكتاتور القذافي يترجم هذه الاستراتيجية للفوضى الخالقة للثورات المضادة وتخويف الشعبين التونسي والمصري الذين تجرأوا على بعث سيرورة ثورية وطرد الدكتاتورين زين العابدين بن علي ومبارك، أصدقاء الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الأوروبي.

في الختام، أود أن أقول نعم، هناك أجندات دولية. لكن من دون الوقوع في نظرية المؤامرة وما شابهها من أطروحة “الأيادي الأجنبية”، التي تُقدم لنا بمناسبة كل حركة اجتماعية، هناك واقع سياسي واقتصادي واجتماعي في بلادنا يعزّز هذه الأجندات ويقوّض قدرات شعبنا في المقاومة للدفاع عن سيادته واستقلاله. إن غياب الحريات الديمقراطية والوصفات الاقتصادية الليبرالية، المستوحاة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية والاتحاد الأوروبي والمنظمات غير الحكومية الأخرى، تؤدي إلى كارثة اقتصادية واجتماعية. فالخصخصة المعتزمة للقطاع العام، والهجومات المتزايدة لضرب الدعم للمواد الأساسية، والتحويلات الاجتماعية والصحة العمومية المجانية (مشروع قانون الصحة الجديد)، وعدم استقرار علاقات العمل وظروف المعيشة (مشروع قانون العمل الجديد)، وتطور الفساد والمحسوبية، وانفجار الواردات والبطالة وسوء المعيشة بالنسبة للشباب، كلها إشارات ومكونات تمهد الطريق لهذه الأجندات وأياديها المسلحة مثل القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، وبوكو حرام وداعش وغيرها.

ما هو تأثير هجوم عين الدفلى (٤) على المجال السياسي والأمني؟
ليس هناك شيء خارق للعادة في هجوم عين الدفلى. بالطبع هناك 9 جنود شبان قُتلوا وآخرون جُرحوا، وفقا لتقارير وسائل الإعلام والتصريحات الرسمية. مما خلق نوعا من الانفعال النفسي ومن الأسى في سياق يتسم بالهجمات الأخيرة في سوسة، والصراع في غرداية والحروب الأهلية في المنطقة. كما أن التضخيم من قبل وسائل الإعلام المحلية والدولية يعطي هذا الهجوم بعدا وأثرا أعظم. لكن من وجهة نظر عسكرية بحتة، فإن هذا الهجوم لا يُعدّ نقلة نوعية أو ذو إعداد معقّد. بالعكس، يتعلق الأمر بمجموعة مسلحة صغيرة تضرب لتتلاشى في الخفاء. مرة أخرى، فإن تأثير وسائل الإعلام والقدرة النسبية على الضرر هو ما يُسعى إليه من خلال هذا العمل.

على المستوى السياسي، فإن العواقب الرئيسية لا يمكن اختزالها في ردود فعل المعارضة الليبرالية المتمثلة في انتقاد نوعية معدات الجيش وتنظّمه. إذا سلمنا بأن الخطر الإسلامي المسلح لا يمكن استبعاده تماما، على الرغم، كما ذكرت سابقا، من أنه الآن على شكل مجموعات صغيرة فإن إجراءات سياسية واقتصادية واجتماعية تعد أكثر من ضرورية. فالوصفات الاقتصادية الليبرالية التي لا يستفيد منها إلا أقلية ضئيلة من المفترسين، والتي أصبح خرابها الاجتماعي ملموسا في الجزائر، وعلى المستوى الدولي، يجب التخلي عنها. يجب رفع جميع القيود المفروضة على ممارسة الحريات الديمقراطية، وخاصة تلك المتعلقة بالحقوق النقابية، والحق في التنظم والتعبير والتظاهر. ويجب شن المعركة من أجل المساواة في الحقوق بين الرجال والنساء من خلال إلغاء قانون الأسرة وإدخال قوانين مدنية. يجب علينا تعزيز الحقوق الثقافية واللغوية لجميع مكونات شعبنا. يجب علينا وضع استراتيجية للتنمية الاقتصادية الوطنية بمقدورها أن تلبي الاحتياجات الاجتماعية للجميع، وتكرس سيادة الشعب الجزائري على ثرواته وتضمن استقلاله وتجعله مقرّرا لمصيره. لإن الهمجية التي تتربّص بالإنسانية، من خلال مختلف الأصوليات الدينية أو عن طريق اليمين المتطرف والفاشية، تتغذى بشكل أساسي من الضائقة الاجتماعية ومن يأس الشعوب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) عملية احتجاز رهائن في 16 يناير 2013 من قبل مجموعة إسلامية مسلحة بتيقنتورين، 30 كم غرب عين أمناس في الجنوب الشرقي الجزائري. العملية استهدفت ٨٠٠ عاملا بقطاع المحروقات تم تحرير آخرهم بعد 3 أيام (المترجم).

(٢) هيرفيه ڤوردال، فرنسي من هواة مشي المسافات الطويلة تم اختطافه، حسب الرواية المتداولة من طرف ما يدعى “جند الخلافة في أرض الجزائر” في منطقة جبلية في شرق تيزي وزو بالجزائر. وقد ظهر ڤوردال في تسجيل فيديو يحمل عنوان “رسالة دم للحكومة الفرنسية ” يصور عملية إعدامه بفصل رأسه عن جسده (المترجم).

(٣) إشارة إلى حوار عقد روما والمعروف بلقاء “سانت إيجيديو” وهو محاولة للمصالحة من قبل مجموعة من الأحزاب الجزائرية غير المتجانسة تمت بمبادرة الجماعة الكاثوليكية سانت ايجيديو بروما في شهر جانفي 1995 (المترجم).

(٤) حدث هذا الهجوم الإرهابي يوم الجمعة 17 يوليو الموافق لليوم الأول من عيد الفطر، في ولاية عين الدفلى – وسط الجزائر وعن بعد 145 كم من العاصمة – وقد ذهب ضحيته 9 جنود قُتلوا في حين أُصيب اثنين آخرين بجروح (المترجم).

* المقال باللغة الفرنسية هنا