بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نظرة على الحراك الشعبي في لبنان: مكوّناته وتطوّراته

دخل الحراك الشعبي في لبنان وهو بحالة تطوّر مستمرة. ما هي مكونات هذا الحراك، وكيف ننظر إلى ديناميكيّته المتفاوتة؟

مجموعة “طلعت ريحتكم” تعتبر المجموعة الأكبر من حيث التغطية الإعلامية والإمكانات المادية والتنظيمية، وهي برهنت عن قدرات تجييشية وتنظيمية حقيقيّة خلال الاعتصامات التي دعت إليها في وسط بيروت، آخرها في التاسع من الشهر الجاري.

المجموعة تتمتّع بوجود قوي على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يمكنّها من الوصول إلى شرائح كبيرة من الطبقة الوسطى التي تشكّل المصدر الأساسي للتعبئة في “طلعت ريحتكم”. انعكس هذا التكوين الطبقي على أداء المجموعة الدعائي، من خلال حصرها بمطالب تقنية متعلّقة بإدارة النفايات والدعوات إلى “عدم تسييس الحراك”، كما انعكس على منهجها التنظيمي، فمجموعة “طلعت ريحتكم” تفرض منصّات على المعتصمين يخطب منها أشخاص مختارين سابقاً من قبل المجموعة عبر مكبرات الصوت، تتخلّل هذه الخطابات أغانٍ وطنيّة وفولكلوريّة تحولا الاعتصام إلى نوع من احتفال محدود في الزمان والمكان والوتيرة. كما لا يخفي عناصر انضباط المجموعة عدائهم تجاه ابناء الطبقات الشعبيّة الذين ينضمون إلى المظاهرات حاملين مطالب وشعارات أكثر راديكاليّة.

هنا يأتي دور اليسار الثوري من خلال مجموعة “الشعب يريد”، التي تتضمّن الرفيقات والرفاق في “المنتدى الاشتراكي” ومنظمات طلابية يسارية ونسوية، بالإضافة إلى نشطاء مستقلّين؛ “الشعب يريد” تنضم إلى هذه المظاهرات، حاملين شعارات مثل “كل السلطة والثروة للشعب”، بهدف تحويلها إلى مساحة للتعبير عن غضب الشارع تجاه الطبقة الحاكمة وأجهزتها القمعيّة. وقد تمكّنت في التاسع من أيلول، رغم المعارضة ومحاولات التخويف من قبل عناصر انضباط “طلعت ريحتكم”، من تحويل الاعتصام إلى مسيرة حاشدة في شوارع وسط بيروت، حيث اجتمع فيها شباب الطبقات الشعبيّة المهمّشة بالنشطاء الثوريين حول هتافات ثورية تدعو إلى إسقاط النظام.

وعلى هامش الاعتصامات التي تدعو إليها “طلعت ريحتكم”، تُقام تحركات شعبية شبه يومية في بيروت، اعتراضاً على استيلاء شركات خاصة على الأملاك العامة وتحويلها إلى مساحات مغلقة للأغنياء فقط، أو اعتراضاً على انقطاع التيار الكهربائي عن المناطق الشعبية، أو من أجل تحرير المتظاهرين الموقوفين عشوائياً من قبل أجهزة السلطة.. إلخ، وفي هذه التحركات ذو الطابع الطبقي الشعبي، تلعب مجموعات “بدنا نحاسب” (التي تضم منظمات شبابيّة لليسار التقليدي) و”الشعب يريد” ومجموعات أخرى الدور الأساسي.

كما يشارك أهالي سائر المناطق اللبنانيّة في الحراك، من خلال مجموعات شعبيّة مثل “عكار منا مزبلة”، التي شكّلت رفضاً لطرح السلطة بقيام مطمر نفايات في عكار، إحدى المناطق الأفقر والأكثر تهميشاً من قبل السلطة في لبنان، ومجموعة “انتفاضة طرابلس الشعبية”، و”برج حمود منا مزبلة”، ومجموعات أخرى تنظم تحركات محلية نامية، بالإضافة إلى مشاركتها في تحركات بيروت.

أما السلطة فتحارب الحراك على عدة جبهات، فأجهزتها القمعيّة تتعدّى على المتظاهرين والمتظاهرات بطريقة همجيّة، مخلفة مئآت الجرحى منذ بداية الحراك، وتقوم باعتقالات تعسّفية في محاولات فاشلة لإرهاب المشاركين في الحراك. كما اتهم وزير الداخلية نهاد المشنوق الحراك بتلقّي التمويل من “دولة عربيّة صغيرة”، والمتظاهرين والمتظاهرات بـ “التمتّع بالتعرّض للضرب” على يد القوى الأمنية!

كما حاول بعض أحزاب السلطة الاستيلاء على الحراك من أجل تحويله منبراً لها في صراعاتها الداخلية مع باقي أطراف السلطة.

في هذا الإطار، شهد الساحة قبل عدة اسابيع تطورات نوعيّة في الحراك وفي تعاطي السلطة معه حيث نشرت جريدة “السفير” افتتاحية نهار ١٦ أيلول نقلت فيها اتهامات بعض الأجهزة الأمنية تنظيم “داعش” بخرق الحراك، في محاولات سخيفة للنيل من مصداقيّة التحركات الشعبية. وفي اليوم عينه، وعلى مرأى قوى الأمن التي لم تحرّك ساكناً، تم التعدي بالضرب على المضربين عن الطعام الذين نصبوا خيمهم أمام وزارة البيئة، من قبل مجموعات  بلطجية من مناصري رئيس مجلس النواب نبيه برّي. وتعد هذه المرّة الأولى التي تتدخل فيها إحدى ميليشيات أحزاب السلطة مباشرةّ وبطريقة معلنة للنيل من الحراك.

كما تم التعدي بالضرب وتوقيف عدد من النشطاء والناشطات، ومن بينهن الرفيقة نضال أيوب، من قبل قوى مكافحة الشغب خلال تظاهرة في وسط بيروت نُظّمت تزامناً مع جلسة حوار أحزاب السلطة. والملفت هو أن الاعتقالات تركزت يومها على النشطاء والناشطات المعروفين بدورهم القيادي في الحراك. ونظمت على الفور اعتصامات أمام مراكز الشرطة حيث تم حجز الموقوفين، وسرعان ما أُطلق سراحهم وسراحهن تحت ضغط الشارع.

من جهة أخرى اتهم رئيس جمعيّة تجار بيروت نقولا الشماس بعض “الماركسيين والشيوعيين” بخرق الحراك، وأوعز أن “الحرب الطبقية مرفوضة في لبنان” وهو وأمثاله لن يسمحوا أن يتحوّل وسط بيروت التجاري إلى “أبو رخّوصة” – أي سوق شعبيّة، وسيبقى حكراً على الأثرياء!

رد الحراك على هذه التطورات ببيان مشترك لكلّ المجموعات تضمّن مطالب تصعيدية مثل إقالة وزيري البيئة والداخلية، والإفراج عن جميع معتقلي الحراك، وإعلان حالة طوارىء بيئية وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، كما الدعوة إلى مسيرة نهار الأحد 20 أيلول تنطلق من برج حمود (منطقة شعبية في ضواحي بيروت) إلى ساحة النجمة، مقر مجلس النواب في وسط بيروت. هذا التصعيد في المطالب وفي طبيعة المظاهرة الآتية – مسيرة تنطلق من مناطق شعبية، بدلاً من اعتصام في وسط بيروت كما وصفناه أعلاه – يدل ضمنياً على خسارة مجموعة “طلعت ريحتكم” للدور القيادي الإيحادي للحراك.

كل هذه التطورات تدل على الاتجاه إلى المزيد من التصعيد من قبل الحراك في مواجهة السلطة؛ فالّذي بدأ بالتركيز على مطالب متعلّقة بعجز الحكومة عن حلّ أزمة تراكم النفايات في العاصمة بيروت وسائر المناطق اللبنانية، سرعان ما خلق مساحة تعبير شعبية بديلة بمنأى عن احتكار أحزاب السلطة الطائفية للمجال العام.