بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

تونس: احتجاجات من أجل التشغيل تتحول إلى انتفاضة ضد الدولة

لاتزال الأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورة في 17 ديسمبر 2010 قائمة، ولايزال شعارها “الشعب يريد إسقاط النظام” حاضرًا في الذاكرة، ورغم فشل المسار الثوري فإنها تبقى ذكرى هزيمة للنظام أجبرت الرئيس المخلوع بن علي على الهروب في 14 يناير 2011. ورغم أن النظام تمكن من ترميم دولته، إلا أن عجزه عن تحقيق أي إنجازات بالإضافة إلى تفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية يحيلنا مجددا أمام واقع الأزمة الثورية للنظام، وهي أن لا سبيل للقيام بأي إصلاحات دون إسقاطه من خلال الثورة.

هذه المرة، انطلقت الشرارة من القصرين، يوم 16 يناير الماضي، لتتوسع في الأيام التالية وهي متواصلة حتى كتابة هذه السطور. انطلقت عشرات المسيرات في العديد من الولايات تضامنًا مع القصرين واحتجاجًا ضد سياسة التفقير والتهميش وتنديدا بالفساد في ملفات التشغيل.

فلقد تزايدت وتيرة الاحتجاجات بعد انتحار الشاب رضا اليحياوي جراء حذف اسمه من قائمة المرشحين للوظيفة العمومية والإصرار على إطالة فترة بطالته من قبل المسئولين المحليين. تصاعدت حالة الاحتقان ليقدم المئات من الأهالي على الاعتصام أمام مقر الولاية مطالبين بمحاسبة المعتمد الأول والوالي على تلاعبهم بالقائمات التي ضمّت 75 اسمًا تم وعدهم بتوفير مواطن شغل منذ 6 أشهر.

كان القمع هو رد الدولة الأول مما أدى إلى تطور الاحتجاجات إلى مواجهات مع البوليس تذكرنا بمشاهد الثورة حيث قام البوليس بقمع الحراك الاجتماعي الذي رفع شعار التشغيل كمطلب رئيسي، لتتطور الأوضاع مع تتالي الساعات إلى مواجهات عنيفة مع قوات الأمن التي تدخلت بعنف لفض تجمعات الشباب المحتج ومنعهم من التجمهر أمام مقر الولاية. ورغم إعلان حظر التجول مساء الثلاثاء، 19 يناير، إلا أن المواجهات تواصلت في أحياء المدينة وشوارعها مخلفة يومها على الأقل 14 جريحًا.

الاحتجاجات انتقلت إلى عدد من ولايات البلاد في اليوم الموالي لتشمل المكناسي ومنزل بوزيان والرقاب ومدينة سيدي بوزيد وسليانة وسوسة والفحص وباجة والقيروان والدهماني في ولاية الكاف.

كما نظم الاتحاد العام لطلبة تونس (المحسوب على اليسار) مسيرة احتجاجية مساندة لشباب القصرين بمشاركة اتحاد أصحاب الشهائد العليا المعطّلين عن العمل ومئات من الشباب وعدد من النقابيين. كما نظمت عدة مسيرات في ولايات أخرى، انطلقت من المكاتب المحلية لاتحاد العام التونسي للشغل.
غياب فرص العمل في تونس جعلت حياة عشرات الآلاف من الشباب المعطّلين عن العمل جحيمًا ومن بينهم شباب القصرين. يجدر الذكر أنه، منذ 6 أشهر، تم تقديم ملف يدعو لاعتبار القصرين “منطقة ضحية” أمام هيئة الحقيقة والكرامة المهتمة بملفات العدالة الانتقالية.

ليس غريبا إذًا أن تكون الشرارة من قصرين.

ما دور اليسار؟
من الواضح أن سياسات التفقير، وعدم اكتراث الحكومة لمطالب التشغيل والقمع الممنهج الذي تعيشه تونس منذ أشهر هو السبب الرئيسي في انتشار الاحتجاجات وتحولها إلى انتفاضة. ورغم مشاركة العديد من الشباب اليساريين والمنتمين للجبهة الشعبية في الاحتجاجات فإن العديد من الشباب المنتفض للأسف لا يرغب في “تسييس” الاحتجاجات بل يريد الحفاظ على جوهرها الاجتماعي على حد تعبيره، أي المطالبة بالتشغيل، وهو خطاب يتناقض مع الأحداث التي بينت أن دولة البوليس هي العدو الرئيسي للعدالة الاجتماعية والتشغيل.

لقد استغلت الطبقة الحاكمة الحرب ضد الإرهاب في 2015 لمواجهة الحراك الاجتماعي بالقمع وإيقاف موجة متصاعدة من الإضرابات، وقامت كل الأحزاب المؤثرة على الساحة السياسية بما فيها الجبهة الشعبية (أكبر تحالف يساري) بمساندة الدولة في “حربها ضد الإرهاب” مما ساهم في تغول البوليس مجددا. إن صمت اليسار بشكل عام أمام حملة القمع التي شنت أولًا ضد السلفيين في السنتين الماضيتين ساهم في تزايد انتهاكات حقوق الإنسان ضد الجميع وأثر سلبًا على موازين الصراع الطبقي. ورغم أن الاعتداءات البوليسية طالت مؤخرا، بعد العمليات الإرهابية الأخيرة في شهر نوفمبر، الصحفيين والناشطين السياسين إلا أن اليسار أصبح يتجنب التنديد بجرائم البوليس قدر المستطاع. وكانت ردة فعله متحفظة عندما قامت قوات الداخلية بآلاف المداهمات الليلية للمنازل بطريقة شبه عشوائية وكأنها تنتقم من الشعب الثائر أو تتوعده بالعقاب إذا كان ينوي الثورة مجددًا.

ورغم دفاعه عن الدولة، لم ينجح اليسار في إقناع الحكومة بتغيير سياساتها والعمل بجدية من أجل الاستجابة لمطالب التشغيل، بل إن عدم اكتراث الدولة لإضرابات الجوع دليل على تصميمها على استعمال القمع لكبح الحراك الاجتماعي واستغلال الحرب ضد الإرهاب للدفاع عن مصالح رأس المال.

إن اليسار بشكل عام ركز عمله، بعد الانتخابات الأخيرة، أي منذ سنة، على دعم نضال الحراك الاجتماعي ومساندة الشباب الذي يطالب بالتشغيل ودعم إضرابات الجوع لكنه في نفس الوقت يرى أن تحقيق هذه المطالب والإصلاحات يأتي من خلال العمل مع الدولة وليس ضدها. لذلك، على سبيل المثال، ترددت قيادات اليسار في دعم الاحتجاجات ضد الدولة فيما حذر حمه الهمامي، الناطق الرسمي للجبهة الشعبية، الشباب الثائر من “المندسين” الذين يقومون بأعمال العنف ضد الدولة متجاهلا حقيقة يدركها جيدًا وهي أن ممارسة الدولة للإرهاب ضد الشعب لا تزال تمثل جوهر سياستها في الرد على مطالب التشغيل. إن ترديد اليسار لأكاذيب النظام حول “المندسين” يساعد الطبقة الحاكمة في سعيها إلى تضخيم أعمال النهب والسرقة وتشويه الحراك الاجتماعي والتذكير بخطر الإرهاب. الأيام القادمة وحدها ستبين لنا مدى تأثير الخطاب السلبي لقيادات اليسار على نسق الانتفاضة.

تجدر الإشارة إلى بروز بعض المجموعات الصغيرة من الناشطين السياسيين الذين يرفضون المصالحة مع منظومة الفساد القديمة رافعين شعار “مش مسامحين” وشعارات أخرى مطالبة بمحاسبة البوليس.

انتفاضة ستقلب الموازين
في الختام، سلطت الانتفاضة الضوء مجددًا على معاناة وغضب فئات واسعة من الشباب أمام فشل الحكومة في كبح تدهور الوضع الاقتصادي من جهة، ولجوء الدولة للقمع واعتمادها على جهاز البوليس للرد على مطالب العدالة الاجتماعية والتشغيل.

يأتي هذا المشهد متناقضًا مع احتفالات الحكومة والمعارضة بذكرى الثورة في 14 يناير. ففي حين تروج الأحزاب الحاكمة لنجاحها في تحقيق الاستقرار لنظامها من خلال تحالف أحزاب اليمين خاصة نداء تونس والنهضة، تعتبر المعارضة بما فيها الجبهة الشعبية أنه تم تحقيق بعض المكاسب منها الحرية وأنها ستركز اليوم على النضال من أجل العدالة الاجتماعية.

إن احتجاجات الشباب القابض على الجمر تدحض فكرة نجاح الحكومة في تحقيق الاستقرار. فرغم نجاح الحكومة في ترميم دولة البوليس إلا أنها فشلت في تحقيق أي إنجاز للشعب، وهي تتعامل مع مطالب التشغيل تماما كما تعامل معها بن علي.

أما لجوء الدولة للقمع بشكل همجي فيبين تهافت ما تروج له المعارضة عن تحقيق الحرية. ربما تحققت بعض الحرية السياسية للمعارضة بمشاركتها في البرلمان لكنها بذلك أصبحت أكثر ترددًا في دعمها للاجتجاحات وتعمل هي الأخرى على تهدئة الحراك.

إن سياسة الدولة في التعامل مع مطالب التنمية لم تتغير، المماطلة فالقمع ثم المزيد من الوعود الزائفة والقمع، لذلك فإن من يطالب بالتشغيل والعدالة الاجتماعية يجب أن يجعل من أولوياته التنديد بإرهاب الدولة بالتوازي مع الدفاع عن حق المعطلين في المطالبة بالتشغيل وفي الاحتجاج ومساندتهم، والوقوف في وجه قمع الدولة بشكل واضح وصريح. يجب العمل بكل الوسائل على خلق التضامن بين الطبقة العاملة والعاطلين، فبتلاحم القضايا يمكن الوقوف بقوة أمام الطبقة الحاكمة.