بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الولايات المتحدة تكشف عن وجهها العنصري

شهدت عدة مناطق في الولايات المتحدة الأمريكية العديد من المظاهرات المنددة بالعنف ضد المواطنين من أصل أفريقي، حيث خرج الآلاف من المتظاهرين للشوارع في أتلانتا والعاصمة الأمريكية واشنطن، وغيرهما من الولايات.

تأتي هذه المظاهرات احتجاجًا على أعمال العنف التي ترتكبها الشرطة الأمريكية ضد مواطنين أميركيين من أصل أفريقي، والتي جاء آخرها في مقتل رجلين من أصل أفريقي قبل أيام في ولايتي مينيسوتا ولويزيانا. ندد المتظاهرون أيضًا بالعنف الذي يمارسه رجال الشرطة في كلٍ من مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا ومدينة نيو أورليانز بولاية لويزيانا، واعتقلت الشرطة الأمريكية أكثر من 200 شخص.

كما تظاهر المئات أمام منزل حاكم ولاية مينيسوتا للاحتجاج ضد مقتل فيلاندو كاستيل على يد الشرطة خلال توقيف سيارته بسبب أزمة مرورية في ولاية مينيسوتا، وذكرت لافيش رينالدوس صديقة الضحية: “لم يُقتل بطلقة واحدة ولا طلقتين ولا 3 طلقات ولا 4، بل بخمس طلقات دون سبب”. جاء ذلك عقب ساعات قليلة من مقتل آخر يُدعى ألتون سترلينج في باتون روج بولاية لوزيانا، بعدما طرحه عنصران من الشرطة أرضًا ثم أطلقا النار على صدره بدم بارد.

جاءت المظاهرات الأكثر عنفًا في مدينة باتون روج بلويزيانا، حيث استخدمت الشرطة الأمريكية القنابل المسيلة للدموع ضد المتظاهرين وألقت القبض على حوالي 198 شخص معظمهم ينتمون إلى حركة “حياة السود مهمة” (Black Lives Matter).

وردًا على إطلاق قوات الشرطة النار على المحتجين، قام ميكا جونسون البالغ من العمر 25 عامًا و3 أشخاص آخرون بقنص 5 من ضباط الشرطة الأمريكية وإصابة 9 آخرين. وهو ما يُعد رد فعل على ما يمارسه رجال الشرطة ضد المحتجين، وما يتعرض له الأمريكيون من أصل أفريقي من اضطهاد وتنكيل وقتل في الشوارع من قِبَل الشرطة. يُذكر أن جونسون ومَن معه لا ينتمون إلى آية جماعة أو تنظيم. وردًا على ذلك، اتجهت معظم وسائل الإعلام في الولايات المتحدة وفي أغلب دول العالم للتنديد بقنص ضباط الشرطة، وذلك في إطار تشويه المظاهرات ومحاولة تبرير قمع الشرطة رغم أن ما جرى كان وليد اضطهاد عنصري شرس. إن إدانة هذا الحدث ليس إلا لوم للضحايا ومساواتهم بالجناة.

أمريكا وأوهام المساواة
يعانى معظم المواطنين من أصل أفريقي من سوء الأحوال الاقتصادية أكثر مما كانوا عليه منذ 20 عامًا، بحيث ارتفعت نسبة البطالة وبالتالي الفقر مؤخرًا لمستويات تفوق بثلاث مرات المواطنين البيض. وبينما يصل معدل البطالة بين الأمريكيين البيض إلى 4.6%، يبلغ المعدل بين الأمريكيين من أصل أفريقي 10.7% (مكتب إحصاءات العمل تقرير يو إس دي إل فبراير 2015).

كذلك كانت معظم الاعتقالات والعقوبات تطال مواطنين من أصل أفريقي خاصة بعد صعود المرشح الرئاسي دونالد ترامب، ويبرز بشكل أكثر وضوحًا أيضًا في ضعف الحصول على الخدمات القانونية وعدم ترك مساحة من الحرية لهم والانحياز في اختيار المحلفين والقضاة مما يساهم فى ارتفاع معدلات إدانة أشخاص من أقليات عرقية. وهو ما تتسبب في زيادة أعداد الأمريكيين الأفارقة في السجون (مقارنةً بالبيض) ليكون نصيبهم من السجن أكبر بكثير من نسبتهم من السكان.

وقد أشارت دراسة أمريكية في عام 2007، أن الأدلة على التشخيص العنصري في نظام العدالة الجنائية ليس متوافرًا فقط فيما يتعلق بقضايا المرور. فالنساء الأمريكيات الأفريقيات مثلًا يتعرضن للتفتيش بواسطة آشعة إكس في المطارات أكثر 9 مرات من النساء البيض، في حين أنه قد تم الكشف عن أن النساء البيض يحملن مواد مُهرَّبة مخالفة للقانون أكثر مرتين من النساء الأمريكيات الأفريقيات. فمثلًا في مدينة فيرغسون بلغت نسبة حالات التفتيش في صفوف الأفريقيين لـ 92% ووصلت نسبة الاعتقالات في أوساط سائقي السيارات منهم لـ 93%.

وتتعدد الأمثلة على جرائم الكراهية ضد الأمريكيين من أصل أفريقي، منها إشعال النيران في كنائسهم، أو رسم رسومات معادية للسامية على حوائط منازل اليهود، أو الاعتداءات على مثليي أو مثليات الجنس، أو الاعتداءات على الأمريكيين العرب.

وعلى الجانب السياسي، يتعرض حق التصويت بالنسبة للأقليات العرقية والمجموعات الأخرى للقمع، من خلال ما صرحت به المحكمة الأمريكية العليا أن “بإمكان ولاية تكساس استخدام قانون جديد من شأنه تحديد هوية الناخبين”، وهو ما ساهم في انخفاض نسبة أصوات الناخبين من أصل أفريقي ولاتيني بحسب ما ذكره تقرير سجل حقوق الإنسان في الولايات المتحدة لعام 2014.

وفي عام 2007 كانت هناك 9006 جريمة كراهية، منها 52.3% على أساس عنصري، و16.4% على أساس ديني و 16.2% على أساس الميول الجنسية، و13.9% على أساس إثني، و0.9% موجه ضد ذوي الاحتياجات الخاصة.

مخالفات أقل واعتقالات أكثر
قلما نسمع عن حالات يتم فيها استهداف مواطنين ذوي بشرة بيضاء، ففي 17 يوليو 2014، اختنق إيريك جارنر، وهو مواطن أمريكي من أصل أفريقي، حتى الموت عندما اعتقله عدة ضباط بيض من شرطة نيويورك. وكان جارنر أعزل، وقد رفع يديه عدة مرات أثناء عملية الاعتقال، قائلًا أنه لا يستطيع التنفس، وقام أحد الضباط بجذبه من الخلف في حركة خنق محظورة، حتى فقد وعيه. كما أطلق دارين ويلسون، وهو ضابط شرطة أبيض، الرصاص وقتل ميشيل براون البالغ من العمر 18 سنة، والذي كان أعزلًا، في 9 أغسطس 2014 في بلدة فيرغسون بولاية ميسوري، وهو مواطن أمريكي من أصل أفريقي، إلا أن هيئة المحلفين الكبرى من ولاية ميسوري ونيويورك قررت عدم توجيه أي اتهام لضابط الشرطة الأبيض.

تكرر الأمر مع الشاب فريدي جراي البالغ من العمر 25 عامًا وتوفى متأثرًا بإصابة في عموده الفقري في منطقة العنق أثناء عملية اعتقاله من قبل الشرطة. وتم توقيف غراي في أبريل 2015 من دون اللجوء للقوة، واتهمته لاحقًا قوات الشرطة بحيازة سكين، وهو ما أدى إلى موجة احتجاجات اعتقلت الشرطة خلالها 235 شخصًا فيما عُرف بأحداث بالتيمور، أكبر مدن ولاية ميريلاند الأمريكية، وأغلبية سكانها من أصول أفريقية.

وعلى جانبٍ آخر، قررت السلطات في ولاية ويسكونسن الأمريكية عدم توجيه اتهام بالقتل لضابط شرطة أبيض قتل شابًا من أصل أفريقي في مارس 2015 لمجرد نشوب شجار بين ضابط الشرطة البالغ من العمر 45 عامًا والشاب البالغ من العمر 17 عامًا، أُصيب الضابط خلال المشاجرة بضربات في الرأس، فأخرج مسدسه وأطلق عدة طلقات نارية، مما أدى إلى إصابة الشاب بجروح خطيرة وفارق الحياة وهو في طريقه إلى المستشفى.

ماحدث ويحدث في الولايات المتحدة الأميريكية هو نتاج عقود طويلة من الطبقية والعنصرية واضطهاد الأقليات. هذه الأحداث تكشف كذب مَن يرددون شعارات خدّاعة حول أوهام الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان، وهي في حقيقة الأمر تخدم مصالح النخب الحاكمة فقط.