بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مشاركة مصرية بمؤتمر المعارضة الإيرانية: السياسات الخارجية تفضح انحيازات السيسي

محمد العرابي، مسئول لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان
محمد العرابي، مسئول لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان

قبل عدة أيام استدعت وزارة الخارجية الإيرانية رئيس مكتب رعاية المصالح المصرية في طهران، السفير خالد عمارة، لمشاركة مصر في مؤتمر المعارضة الإيرانية الذي عُقد في العاصمة الفرنسية باريس وبدأ السبت الماضي، معتبرة أنه “تدخل في شئون إيران الداخلية”. ضم الوفد المصري العديد من النواب البرلمانيين وعلى رأسهم سليمان وهدان وكيل المجلس، حيث يُعقد مؤتمر المعارضة الإيرانية في كل عام ويضم شتات شخصيات معارضة بارزة تعكف على فضح فساد النخبة الإيرانية الحاكمة. وهذه هي المشاركة المصرية الأولى رغم ما شهدته العلاقات الثنائية بين البلدين من توترات عدة تحت حكم المخلوع حسني مبارك.

رد الفعل المصري الرسمي تجاهل الغضب الإيراني لعدة ساعات لتعلن الخارجية المصرية بيانًا يفيد ضمنيًا أنها غير مسئولة عما فعله البرلمانيون!

الخارجية المصرية تكذب
وفقا للوثائق التي عرضتها مواقع إعلامية مشهود لها بالدقة، فهناك افتضاح كبير لإدارة السلطة للعملية الانتخابية البرلمانية بما يشير بوضوح إلى تورط الأجهزة الأمنية المختلفة، وعلى رأسهم المخابرات الحربية، في اختيار أسماء على صلة وثيقة بنظام الانقلاب. بل أن أكبر القوائم نفسها التي تم إعدادها كانت صنيعة مخابراتية وتم الحشد عليها من وسائل الإعلام المملوكة لرجال أعمال النظام. وطيلة الفترة الماضية منذ تشكيل البرلمان حتى اللحظة الحالية ومرورًا بمناقشة قضية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، كان الآداء البرلماني جزءًا لا يتجزأ من الدعاية لسياسات النظام.. دعاية لا تحيد عما رسمه كبار القيادات بالمخابرات للدور الأمثل الذي يتوقعونه من سلطة تشريعية لحكم عسكري قمعي.

رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان الحالي هو النائب محمد العرابي الذي شغل منصب وزير الخارجية سابقا في حكومة عصام شرف، كما عمل في سفارات مصر بواشنطن وتل أبيب، وكان قد عُين كمساعد وزير الخارجية للشئون الاقتصادية عام 2011. وهو أحد أهم الشخصيات السياسية البارزة التي طرحتها المخابرات على قائمة “في حب مصر”، وتم تعيينه رئيسًا للجنة العلاقات الخارجية. ولا يمكن، بأي حال، تصور إجراءات ستُحسب على النظام في علاقاته الخارجية، بل وسترسم حدود جديدة للعلاقات مع دول ما بقرار أحادي من حفنة برلمانيين. لن يحدث ذلك بالتأكيد إلا بموافقة من العرابي المتمرس جيدًا على العمل السياسي وبأوامر مباشرة من أسياده بالنظام.

ورغم هذا تنكر الخارجية المصرية معرفتها بمشاركة الوفد البرلماني في المؤتمر وأن ذلك “لا يعتبر تمثيلًا للحكومة المصرية ولا يتم بالتنسيق معها، حيث يتمتع مجلس النواب بالاستقلالية التامة باعتباره يمثل السلطة التشريعية المستقلة عن السلطة التنفيذية”، وفقًا للبيان الصادر عن وزارة الخارجية المصرية.. المسئولون بوزارة الخارجية كاذبون!

الموقف المصري من إيران
سياسيًا، ووفقًا للقضايا الإقليمية المطروحة، فالنظام المصري بدا متماهيًا في مواقفه مع السياسات الإيرانية العامة في المسألة السورية. كلا الطرفين يتفقان على أهمية وجود النظام السوري بأركانه الحالية في المستقبل، وهو ما يعني عمليًا اندحار تام للثورة السورية ومطالبها في إسقاط النظام. فيما لم تتخذ القاهرة مواقف حادة أو حاسمة تجاه التدخلات الإيرانية بالعراق واليمن، لتكتفي بالحفاظ على الخطوط العريضة في “القضاء على الإرهاب”.

وبرغم حالة التقارب التي لاحت في الأفق على الصعيد الدبلوماسي بين البلدين إبان فترة محمد مرسي، إلا أن إيران التي تعبأ بتحديات إقليمية أخرى وتورط عسكري بالمنطقة، لم تتخذ، على العكس، موقفًا مناهضًا للانقلاب العسكري في مصر على يد السيسي. وقد يبدو ضمنيًا أن السياسات الخارجية لكلا البلدين لا تجد تعارضا يحتم قطع العلاقات مثلما أعلن وزير الخارجية المصري سابقًا، بل والأدق، لا يوجد ما يمنع الدولتين من تقارب محتمل اقتصاديًا على الأقل.

لكنه، ومع اتفاق دول الست النووي مع إيران، بالتوازي مع وضع حلفاءها بالمنطقة الذين أصبحوا إما مهددين تحت الضربات الجوية للتحالفات العسكرية العربية والغربية (كما في العراق واليمن) أو أطراف تقاوم الانهيار وتضيف عبئًا اقتصاديًا وسياسيًا على إيران (كالنظام الأسدي بسوريا). أصبحت العلاقات الدولية مع إيران أكثر تفسيرًا لمعسكرين، إما فك العزلة بمزيد من التطبيع الدبلوماسي والاقتصادي، أو الانضمام لمعسكر معادي يحسر باقي نفوذها.

السيسي، على الجانب الآخر، لخَّص كل هذه الخطوط بجملة أطلقها في دعايته الانتخابية: “العلاقة مع إيران تمر عبر الخليج العربي.. أمن مصر لا ينفصل عن أمن الخليج. هم أهلنا ويهمنا أن يعيشوا بسلام”. لنفاجأ بوفد مصري يتأبط نظيره السعودي في مؤتمر للمعارضة الإيرانية بدلًا من تبني المطالب الشعبية الداخلية باسترداد الجزيرتين ومحاسبة المسئولين!

لماذا حضور المؤتمر؟
في منتصف أبريل الماضي، استقبلت مصر الزيارة الأولى للملك سلمان منذ توليه منصبه، وهي الزيارة التي وضعت النقاط على الحروف في رسم تفاصيل العلاقات المصرية – السعودية تحت إطار عام من التقارب شهدت عليه المنح المادية والوعود الاستثمارية المقدمة من النظام السعودي إلى نظيره المصري عقب مباركته للانقلاب العسكري في يوليو 2013. هذه الزيارة لم تكن مجرد زيارة رسمية تهيأت لها وسائل الإعلام للتأكيد على عمق العلاقات، بل حفل بها النظام المصري في استعدادت أكبر تتناسب مع أجواء تذيل واضح لدول مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسهم السعودية.

فالإضافة إلى الاتفاق الذي يقضي بضخ نفطي يكفي حاجة مصر البترولية لخمس سنوات قادمة، جاء الملك السعودي هذه المرة وفي جعبته 2.5 مليار دولار كمنح لا تُرد، وإنشاء صندوق استثمار سعودي مصري يقدر بـ 60 مليار ريال وفقا لعدة مذكرات تفاهم تم إبرامها بين الطرفين، في نفس الوقت الذي يواجه النظام المصري أزمة اقتصادية مروعة وشح العملات الصعبة، انعكست على إجراءات حكومية برفع تدريجي للدعم وسحق مزيد من الفقراء.

وفي أسبوع واحد، بدا المقابل المصري ملموسًا للغاية، بدءًا من غلق بث قناة المنار التابعة لحزب الله بحجة “الترويج للفتن والطائفية” قبل الزيارة بيومين، وصولًا إلى تسريب أخبار التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير بعد الزيارة بعدة أيام. وهي الإجراءات الأشد خطورة كونها سياسية بالأساس لنظام اختار أن يبيع قراراته في سبيل حفنة أموال لن تحل أزماته الاقتصادية.

استخدمت السعودية مصر إثر المنح والقروض المالية في تقوية تحالفاتها ومساعيها للهيمنة على المنطقة بما يشمل ضرب النفوذ الإيراني، فالشريك المصري، الذي يتم شراءه بالأموال، بدا محافظًا على أركان نظامه رغم ثورة يناير الهائلة التي أحدثت به تشققات نوعية سرعان ما تم ترميمها. في المقابل، فإن استعادة العلاقات الأمريكية والأوروبية عقب الانقلاب العسكري وقضايا التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان سيحتاج الدخول في تحالفات تضمن على السواء إنتاج شرعية سياسية وضخ معونات اقتصادية، لتتلاقى هنا بالتحديد المصالح المباشرة بين مصر والمملكة السعودية.

المثال بسيط لكنه يبدو واضحًا، فقبل عام ونصف، استقبلت مصر وفدا من الحوثيين بالقاهرة حيث تم بث رسائل طمأنة من جانبهم بشأن خليج باب المندب عقب سيطرتهم على المؤسسات المركزية بصنعاء. عقب ذلك بأشهر قليلة انعكس الخطاب على وسائل إعلام النظام إلى تهديدات استراتيجية ستتعرض لها “أم الدنيا” إذا أحكم الحوثيون “أنصار إيران كما تتهمهم السعودية” سيطرتهم على اليمن، أو بمعنى أدق، إذا انهارت المبادرة السعودية في سيطرتها على الجبهة الجنوبية. وحتى الآن، ورغم الأسئلة المباشرة التي يوجهها الصحفيون، لم نجد سوى تهرب رسمي للإجابة حول ما إذا تدخلت مصر بريًا في اليمن عقب الإعلان عن مشاركتها الجوية مع السعودية في عاصفة الحزم، وحتى الآن لم يقدم لنا وزير الخارجية مصارحة حقيقية عن جدوى المشاركة المصرية في حرب نفوذ بين السعودية وإيران على أرض اليمن.

نظام السيسي الذي ارتضى “بيع نفسه”، هو ببساطة نظام لا يملك قراراته. إنه يخدم أمراءه وأسياده في الخليج بكل الطرق.. ثم ينكر في بياناته الرسمية!