بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العراق: خطوة نحو الثورة.. خطوتان نحو الانقلاب

فى يوم الإثنين الموافق 1 أغسطس 2016 حضر وزير الدفاع خالد العبيدي إلى قبة البرلمان العراقي لجلسة استجواب. كانت المستجوبة النائبة عالية نصيف التي أعدت العدة هي ومن معها للإطاحة بالوزير في تهم تتعلق بالفساد. لكن العبيدى بدأ بطرح قضايا الفساد واحدة تلو الأخرى والتي طالت رئيس البرلمان والضغوط التي مارسها على الوزير لتمرير عقود فساد وفقا لزعمه خلال الجلسة. فيما طالت الاتهامات نواب آخرين من العرب السنة والشيعة والأكراد. وخلال الجلسة نفسها تم إقرار قانون العفو العام بعد جدل طويل، مما سيتيح آلاف المسجونين المتورطين في قضايا اختلاس مالي الاستفادة منه مقابل رد هذه الأموال وفق ضوابط معينة.

لكن تصريحات الوزير أضافت حالة جديدة إلى الساحة السياسية في العراق، فقد تقارب نواب الحزب الإسلامي (إخوان مسلمين) من العرب السنة مع نواب من التيار المؤيد للمالكي (شيعة) وصوتوا على إقالته، في حين وقف إلى جانب الوزير السني نواب التيار الصدري (الشيعي) والذي دعا إلى التظاهر تأييدا للوزير وتنديدا بالفساد.

من هو خالد العبيدى؟
هو وزير الدفاع العراقي الذي خاض معركة الفلوجة وحقق انتصارات على تنظيم الدولة، من مواليد محافظة الموصل. أتت إقالته في وقت حرج حيث يستعد الجيش العراقي لخوض معركة تحرير الموصل من قبضة تنظيم الدولة.

ووجود قائد جيش من العرب السنة يعد غطاء مناسب للتعتيم على الجرائم الطائفية التي ترتكبها القوات العراقية (جيش نظامي، وملشيات الحشد الشعبي) بحق المدنيين من سكان المناطق المحررة.

الفساد وكشف المستور
تتضارب الأرقام حول حجم الفساد الذي ينخر في بنية الدولة العراقية، لذلك لا يمكن الاعتماد على الأرقام المتداولة. يمكن معرفة حجم هذا الفساد من خلال القضايا التي آثارها العبيدي خلال جلسة استجوابه بالبرلمان وأولها تعيين النواب (أعضاء في كتلة دولة القانون) لموظفين وجنود واتخاذ تلك التعيينات كوسيلة للدعاية الانتخابية لهم وتمليك دور ونقل ملكيتها خلافا للقانون.

ومن الحزب الإسلامي قام أحد النواب بالاستيلاء على عقود لهمرات ومدرعات يجني من ورائها الملايين، كما لم يسلم رئيس البرلمان الجبوري من التهم، والذي قام بمحاولة الاستيلاء على عقود الإطعام للجيش العراقي عن طريق وسيط، لكن العبيدى رفض (على حد زعمه). كما وجه الاتهامات إلى النائبة حنان الفتلاوي بمساومته مقابل 2 مليون دولار مقابل سحب الاستجواب أمام البرلمان .

بالإضافة إلى ذلك نجد أن هناك عدة مؤشرات للفساد مثل ظاهرة الموظفيين الوهميين والرواتب المزدوجة حيث كَشَف ديوان الرقابة المالية عن 16 ألف موظف يستلمون رواتب مزدوجة، وبالتاكيد بعضهم من أصحاب المناصب الخاصة.

كما أعلنت وزارة العمل والشئون الاجتماعية عن وجود 80 ألف غير مستحقين لإعانة الرعاية الاجتماعية وبحسب بيانات هيئة التقاعد الوطنية ازداد عدد المتقاعدين منذ عام 2003 إلى أربعة أضعاف ليصل إلى 2.4 مليون متقاعد، وهى زيادة تشير إلى أن هناك متقاعدين وهميين مضافين إلى السجلات.

عمليات الفساد والنهب لثروات الجماهير العراقية تتم بشكل ممنهج من قبل الطبقة الحاكمة التي تتحكم فى المناصب العليا والمسئولة طبقا لنظام المحاصصة الطائفي.

هل نحن على موعد مع انقلاب عسكرى بالعراق؟
ربما لن نجد إجابة شافية، لكن الأيام المقبلة ستخبرنا بالتأكيد، خصوصا بعد تأييد التيار الصدري الذي يتصدر مشهد التظاهر منذ مارس الماضي مطالبا بالقضاء على الفساد ومحاسبة الفاسدين وتعيين حكومة تكنوقراط وقد استمر بالتظاهر أيام الجمع بعد حادثة اقتحام مبنى البرلمان، والتي طالب على إثرها مقتدى الصدر الجماهير المعتصمة بإخلاء ساحة التحرير.

التيار يعود الآن بتأييد الوزير المُقال، والذي يتم تصدير صورته على إنه بطل الجماهير العراقية المنتظر، ورغم انتمائه إلى الطائفة السنية فهو مدعوما من التيار الصدري أحد أهم اللاعبيين السياسيين في الشارع العراقي. ويشير البعض إلى دعم السفارة الأمريكية للعبيدي خصوصا بعد تحقيقه انتصارات هامة على تنظيم الدولة، فهل يقوم الوزير المُقال باستغلال المشاعر الجماهيرية وانتصاراته العسكرية والتأييد من التيار الصدري ليطيح بحكومة العبادي بانقلاب عسكري مدعوم شعبيا؟

وقد قام السيد مقتدى الصدر بتصعيد الاحتجاجات الشعبية حيث طالب أنصاره باستخدام الإضراب عن العمل كوسيلة سلمية للاحتجاج، وهو مايعتبر استغلال لوضع قائم بالفعل بسبب موجة الإضرابات التىي تجتاح العراق شمالا ووسطا وجنوبا.

المشهد السياسي
التأييد الذي حصل عليه العبيدي من التيار الصدري يخلق حالة جديدة غير الحالة الطائفية التي اتسم بها المشهد العراقي منذ 2003، فعلى الناحية الأخرى وافق الفرقاء من النواب العرب السنة والشيعة على إقالة الوزير بنسبة وصلت حوالي 70% متخطين المسألة الطائفية ومتحدين على مصلحة واحدة.

فى حين تتجسد الانتهازية الصدرية، والمعروفة عن التيار الصدري منذ نشأته، في استغلال حالة التعاطف الشعبي مع العبيدي وحالة الغضب من الفساد المتفشي ليتخطى هو أيضا المسألة الطائفية تلبية لمصالحه الحالية ويقوم باستغلال تلك الأزمة لتزعم حركة المعارضة داخل وخارج التيار الشيعي (الإسلام السياسي الشيعي).

ربما علينا أن نفهم تلك اللحظة بأن المؤسسة العسكرية هي جزء من الطبقة الحاكمة، فكيف يمكن أن ينشأ هذا الصراع؟ (في حالة الانقلاب العسكري)

في عام 2003، حل بول بريمر، الحاكم العسكري للاحتلال الأمريكي الجيش العراقي، في تلك اللحظة سقطت الطبقه الحاكمة المرتبطة بنظام صدام حسين، وبدأت تتشكل من جديد بعدما وفدت إليها العناصر التي زرعها الاحتلال. لم يكن أمام الطبقة الجديدة من هدف سوى الثراء السريع وبناء قوة مسلحة لحمايتها، وهذا ما يفسر حجم الفساد الهائل وانتشار الملشيات المسلحة، لكنها لم تكن متماسكة بالقدر الذي يسمح لها بالسيطرة على المجتمع وبناء نظام يسمح للجماهير بالعيش حياة طبيعية.

فالانفلات الأمني والنقص الحاد للخدمات والانهيار الاقتصادي والطائفية دفعت الجماهير إلى الاحتجاج العفوي الذي لم يثمر لافتقاد الساحة إلى التنظيم، فقبلت جزء منها تمدد تنظيم الدولة على اعتبار إنها ستضمن حماية سكان تلك المناطق وتحفظ الأمن.

مع تردي الأوضاع وتململ الدولة العراقية في مواجهة داعش، اندفعت الجماهير إلى الاحتجاج من جديد فبدأت سلسلة من الاقتحامات للمباني الحكومية الهامة، وتزايدت وتيرة تلك الاقتحامات وامتدت لكل المناطق حتى معركة الفلوجة التي استغلت فيها حكومة العبادي الشعارات الطائفية للفصل بين المحتجين فانطلقت الدعاوي بأن الحرب ضد داعش هي لحماية الشيعة من خطرهم خصوصا بعد سماح العرب السنة لهم بالتمدد داخل مناطقهم دون مقاومة.

اللعب على الطائفية ساهم في حشد قطاع من الجماهير خلف الدولة في حربها ضد تنظيم الدولة لكن مع اقتراب المعارك على الحسم لازالت الجماهير تعاني نفس المشكلات، ولاتوجد أي إشارات لقدرة الطبقة الحاكمة على حلها، ليس لعدم رغبتها، لكن لضعفها الذاتي وعدم تماسكها.

لذلك تظهر الحلول لدى السلطة الحاكمة لشخصية ترفع شعار الوطنية بديلا عن الطائفية حتى يتمكن من خنق ثورة تتكون بين أحشاء الجماهير وإنقاذ الطبقة الحاكمة من بطشها، فاستمرار الأوضاع كما هي قد يهدد بعودة الجماهير من جديد للاحتجاج وهذه المرة ستكون الأعنف. فى ذات الوقت بروز شخصية مثل العبيدي لديه شعبية داخل المؤسسة العسكرية ولديه تأييد من تيار شيعي وتعاطف من أبناء طائفته يسمح له بالتدخل لإعادة ترتيب أوراق الطبقة الحاكمة وشعاراتها وذلك بانقلاب عسكري ينتظره الكثيرين اعتقادا منهم بأنه سيكون الخلاص في حين أنه قد يطيح بأي أمل في ثورة شعبية تنقذ الجماهير العراقية من عثرتها.

ماذا لو نجح انقلاب عسكري بالعراق؟
الانقلاب العسكرى هو إحدى وسائل الطبقة الحاكمة لإجهاض أي حراك جماهيري قد يشكل خطر عليها، ولإعادة تنظيم صفوفها في حالة تأزمها. تتجسد الأزمة العراقية في ضعف الدولة. هذا الضعف أفقد ثقة الجماهير بها ويتضح ذلك في سلسلة اقتحامات المباني الحكومية التي بدأت في مارس الماضي.

لعب النظام الحاكم على الطائفية ليوقف الاحتجاجات، لكن الطائفية تزيد من حالة الاحتقان خصوصا من العرب السنة باتجاه النظام، لذلك فقيام العبيدي بانقلاب يعتبره البعض ضرورة لأنه يتيح إجهاض أي حراك جماهيري باستخدام شعارات الوطنية والاستقرار، ويعيد تنظيم الدولة واستعادة قوتها كحامي للشعب ومدافع عن مصالحه.. تلك الحجج تجد رواجا عند البرجوازية الصغيرة التي تعاني يوميا من الانفلات الأمني والأزمة الاقتصادية ونقص الخدمات.

لكن الانقلاب سيعصف بالعمال وباحتجاجتهم المتصاعدة، وقد يجد بشعاراته الوطنية رواجا بين صفوفهم وذلك بسبب غياب تنظيم ثوري يقود حراكهم دون سيطرة الأوهام البرجوازية عليهم، ودور زعيم التيار الصدري (الزعيم الشيعي الأقرب إلى الكادحين بسبب دوره الاجتماعي المتنامي من 2003). فالفرصة سانحة للعبيدي وشعارات الوطنية والشعبوية جاهزة منذ العهد الصدامي ودرجة تقبل الجماهير لها أكبر من تقبلهم لفكرة الثورة ومواجهة الطبقة الحاكمة بأفكارها وطائفيتها.

الانقلاب العسكري سيعصف بمستقبل الطبقة العاملة العراقية وسيكون بمثابة ردة أخرى لخطواتها نحو تنظيم صفوفها ووعيها لذاتها. سيناريو الانقلاب إن تم فسيمتد تأثيره إلى المنطقة في تقوية جبهة الثورة المضادة ويضيف مزيد من الإحباط والتراجع للجماهير.