بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مشاركة النظام المصري في جنازة بيريز.. العمالة بعينها

انتهت أمس مراسم تشييع جنازة الرئيس الإسرائيلي السابق شيمون بيريز على جبل هرتزل بالمنطقة المحتلة في حضور وفود عربية يترأسها الرئيس الفلسطيني المنتهية ولايته محمود عباس، ووزير الخارجية المصري سامح شكري، في ثاني زيارة له للكيان المحتل خلال شهور قليلة.

شيمون بيريز، الذي ينعيه اليوم وزير خارجيتنا الموقر بتكليفٍ رسمي من الرئاسة المصرية، هو أحد أهم المقاتلين المشاركين في تأسيس عصابة الهاجاناه التي اعتمدت على توسيع رقعة الاحتلال بارتكاب أفظع المذابح والإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين لإنشاء الدولة الصهيونية. ولبيريز سجل حافل بالعمليات الإجرامية، بدءًا من مهمة جمع السلاح للعصابات الصهيونية المقاتلة مرورًا بدوره البارز في التنكيل بالفلسطينيين في الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ومذبحة قانا بلبنان عام 1996 أثناء توليه منصب وزير الدفاع، ثم مذبحة مخيم جنين بالانتفاضة الفلسطينية الثانية.

ورغم ذلك، إلا أن الدولة المصرية التي تدعي “الحرب على الإرهاب” وتزج بالآلاف في سجونها بالاختفاء القسري والتعذيب والحرمان من العلاج، تشارك اليوم، بوقاحة، بوفد يترأسه وزير خارجيتها لنعي أحد أهم رموز الإرهاب في الكيان المحتل وأحد أخطر إرهابي في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

لكن النعي الرسمي المصري للإرهابي الصهيوني، والمشاركة في حضور جنازته، ليسا سوى تفاصيل داخل إطار عام من السياسات الخارجية والداخلية التي ينتهجها السيسي وتفضح انحيازاته. فمنذ أيام، لم يكن مُستَغرَبًا أن يلوح قائد الانقلاب في كلمته الأخيرة بالانتشار السريع للجيش خلال 6 ساعات في أنحاء مصر لحمايتها من الأخطار.. أي أخطار يقصدها السيسي إذا كانت سياساته الخارجية تسعى للـ”السلام الدافئ” مع إسرائيل؟! إسرائيل هذه حاولت الدعاية العسكرية تصدير أوهام الانتصار عليها في حماية أراضينا باتفاقيات هزيلة ومذلة أفقدت قوات النظام السيطرة على كامل أرض سيناء. أي أخطار إذا كانت نفس تلك السياسات لم تنته بعد بالتنازل عن الجزيرتين وسجن مئات المتظاهرين بعقوبات وصلت لخمس سنوات ومئة ألف جنيه غرامة لشباب لن تتجاوز رواتبهم مجرد حد العيش الكريم؟

أي أخطار يقصدها السيسي مع الإنفاق الهائل على استيراد أسلحة لا يعرف ميزانياتها الحقيقية سوى مؤسسة الجيش التي “سمسرت” بشكل وحشي في كل المشاريع الاقتصادية بدءًا من مشاريع عملاقة تبيع الوهم إلى رصف الطرق وإدارة مطاعم المدن الجامعية؟!

الطائرات والأسلحة التي اشتراها النظام المصري خلال عامين أثبتت أنها غير موجهة للعدو الإسرائيلي الذي يباركه في كل حرب بمبادرة تنتصر له وتنكل بالمقاومة الفلسطينية، واليوم يرسل وزير خارجيته يذرف دموعه الوقحة على مهندس العدوان الثلاثي على مصر. إنها أيضًا ليست الأسلحة التي تدافع عن أراضي يتنازل عنها بسهولة لحلفائه الإقليميين لتلقي دعم مادي يحول دون انهياره السريع في تحالفات نظامية عربية قذرة شردت شعب اليمن. إنها الأسلحة التي ستوجه رصاصها إلى الشعب المصري حال ثورته مجددًا.

إن الخطر الوحيد الذي يقصده قائد الانقلاب العسكري لن يأتي من الخارج، لن يأتي من حلفائه الإسرائيليين، بل من عمال الترسانة المدنيين المُحالين للمحاكمات العسكرية، وعمال النقل العام المختفين الذين تعرضوا للاختفاء القسري ثم ظهروا في النيابة ليقضوا عقوبتهم في الحبس الاحتياطي، وآلاف العمال والطلبة وملايين المعارضين له داخل وخارج سجونه الجديدة. الخطر الوحيد الذي يقصده هو استعادة الخط الثوري وربط القضايا السياسية والاقتصادية بالقضية الوطنية التي استنفرت لها كل الأجهزة الأمنية مع مظاهرات 25 أبريل في تفتيشات وإجراءات أمنية مضحكة وصلت لكل المارة بالشوارع.

ليس أوقح من نظام يدلِّس باتهام معارضيه بالخيانة ويزف بجوقته الإعلامية الحقيرة ثوار كانت كل مطالبهم هي العيش والحرية والعدالة اجتماعية في حين تمارس قواته العسكرية تدريبات مشتركة مع العدو التاريخي للشعوب العربية وتطعن بمحاكمها وقضائها على ترسيم حدودها لصالح نفس العدو. ليس أقذر من نظام يقوم بتطويع سياساته وفقًا لمن يدفع أكثر ويشحذ شرعيته باسترضاء الأطراف الدولية على حساب الشعب المصري. الشعب الذي يطمع شبابه بوظيفة تحاصرها قوانينه العنجهية في الخدمة المدنية والتسريح من ناحية، أو تحاصرهم أمواج تتلاطم بمركب هروبهم لتلقاهم صرعى تأكلهم الأسماك دون نجدة أو تأكلهم ألسنة إعلامي الزفة لهروبهم من “جنة السيسي”!

إذا كان شيمون بيريز إرهابي لتهجير الفلسطينيين وارتكاب أفظع المجازر التاريخية، فالإرهاب هو أيضًا وصفٌ لكل سفاح عربي قاد بنظامه حملات إبادة ضد شعبه، بدءًا من بشار الأسد إلى القتل البطيء الذي يمارسه السيسي وأمثاله في شعوبٍ ستنتفض مجددًا ضد كل أشكال القمع والاستبداد.

إنه نفس النظام الذي قتل الآلاف واقتحم مؤخرًا قرية بدمياط وعدة محافظات أخرى ليقتل ويعتقل بدم بارد وبإرهاب لم تعرفه مصر في عصرها الحديث. لم يتلق أهالي ضحايا مركب رشيد الفقراء أي حداد رسمي أو نعي أو حتى تعويضات، في حين يهرع نفس النظام متباكيًا ذارفًا الدموع لموت أخطر سفاح عرفه تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

السيسي يدرك تمامًا أن اقتحام الثوار المصريين للسفارة الإسرائيلية عام 2011 لم يكن حدثًا عاديًا، إنها لحظات الرعب التي يعيشها عندما يربط الثوار بين قضاياهم السياسية والاقتصادية والوطنية. استعادة الجماهير المصرية لثورتها مع ضغط الظرف الاقتصادي في ظل تحالفاته الجديدة الفجة هو أشد ما يخشاه بعد الأوهام التجارية لـ “مسافة السكة”!

النظام الذي يصافح إرهابيي الكيان المحتل ويتباكى على موتاهم لا يملك أي سيادة على أرضه أو قراراته لكنه يملك فقط تجويع شعبه وشراء الأسلحة ضده. الثورة لا تعرف سوى طريق واحد، هو ألا نلين أمام عصابات تحكمنا بالحديد والنار والتعذيب والقهر والجوع وتتاجر بدمائنا لكسب مصالح ذاتية. الثورة هي الاختيار بقوة بين حق الملايين من الشعوب العربية في الحياة الكريمة وبين طبقة حاكمة لا تعرف سوى التهجير والسجون والتعذيب. الثورة ليست رفاهية أو كلمات نتشدق بها. بل هي واقعٌ، عاجل أم آجل، لا يعرف لهؤلاء، الذين يتاجرون بدمائنا ومستقبلنا، طريقًا بيننا.