بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

جون ماكين: سِجِلٌّ حافلٌ بالجرائم

اصطفَّ كثيرون، واحدًا بعد الآخر، في الفيضِ بالمرثيات على السيناتور الجمهوري جون ماكين، سيناتور ولاية أريزونا لست دورات، ورئيس لجنة الخدمات العسكرية بمجلس الشيوخ، الذي مات في 25 أغسطس الجاري عن عمرٍ يناهز الـ81 عامًا متأثِّرًا بمرض السرطان.

عويل وبكاء!

وَصَفَ الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش السيناتور ماكين بأنه “رجلٌ ذو قناعةٍ عميقة، ووطنيٌّ من الطراز الأسمى”. وقال عنه زعيم الأغلبية الجمهورية بمجلس الشيوخ، ريتش ماكونيل: “في عصرٍ يعجُّ بالسخريةِ من الوحدة الوطنية والخدمة العامة، تسطع حياة جون ماكين كمثالٍ مُشرِق”.

انضمَّ الديمقراطيون إلى جوقة النعي، فقال باراك أوباما إن حياة ماكين أظهرت “الشجاعة للارتقاء بما فيه صالحٌ للبلاد فوق مصالحنا”. بينما وصفه زعيم الأقلية الديمقراطية بمجلس الشيوخ، السيناتور تشاك شومر، باعتباره واحدًا من “الأشخاص العظماء بحق” الذين قد تشهدهم، وأضاف: “كان تفانيه لبلده ولجيش بلده غير مسبوق. كان ينطق بالحق ربما أكثر من الجميع … برحيله، فَقَدَ مجلس الشيوخ، والولايات المتحدة، والعالم، الكثير”.

انهالت الصحف أيضًا بالمرثيات، فخصَّصَت صحيفة نيويورك تايمز نعيًا بَلَغَ 6300 كلمة، فيما وصلت مرثية صحيفة واشنطن بوست إلى أقل من ذلك: 4300 كلمة. وصفته افتتاحية واشنطن بوست بأنه “الأمريكي الذي لا يمكن تعويضه”، و”الزعيم الشجاع المبدئي الذي يسترشد بميثاق الشرف”، بينما انهالت عليه مقالات الرأي بالصحيفة نفسها بالمديح: “الأسد الأخير بمجلس الشيوخ”، و”بطل الحرب وعملاق مجلس الشيوخ”، و”المتفرِّد الجدير بأن نتعلَّم منه”.

لم يُذرَف الدمع في المؤسسة السياسية السائدة وحسب، إذ أفصَحَ السيناتور بيرني ساندرز، الذي ناضَلَ في الستينيات ضد حرب فيتنام، أن ماكين كان “بطلًا أمريكيًا، رجلَ أصلٍ وشرف، وصديقًا لي. سنفتقده في مجلس الشيوخ، بل سيفتقده جميع الأمريكيين الذين يحترمون النزاهة والاستقلال”.

وقالت المُرشَّحة الديمقراطية المُنتَخَبة حديثًا لمجلس النواب عن الدائرة 14 بمدينة نيويورك، أليكساندريا أوكاسيو كورتيز، والتي تصف نفسها مثل ساندرز بأنها اشتراكية: “تراث جون ماكين إنما هو مثالٌ لا شبيه له للخُلُق الإنساني وخدمة الأمريكيين”.

حروب وعنصرية واحتيال

ما مِن شيءٍ يمكن أن نكنَّه تقديرًا للسيد ماكين، بل أن العالم سيكون أفضل بعد رحيل أمثاله. كان ماكين، بصفته جمهوريًا طوال حياته، مُمَثِّلًا قذرًا لفئة الـ1% المسيطرين على السلطة والثروة. جاء آخر ما قام به في مجلس الشيوخ أن مَنَحَ صوته لصالح تخفيضات ترمب للضرائب على رؤوس الأموال الكبيرة وأصحابها فاحشي الثراء.

كان السيناتور، وهو ابن وحفيد ضباطٍ كبار في البحرية، على الدوام من دعاة الحرب العدوانيين. ولم يكن ذلك فقط في فيتنام، التي كان فيها طيَّارًا ضمن سلاح الجو الأمريكي وحلَّقَ في 23 مهمة قبل أن تسقط طائرته بينما كان يحاول قصف مصنعٍ لمنتجاتٍ مدنية. بل لقد دعم تهريب الأسلحة إلى جماعات “الكونترا” اليمينية الرجعية في نيكاراجوا في مطلع الثمانينيات، كجزءٍ من جهود الولايات المتحدة للإطاحة بنظام الجبهة الساندينية للتحرير الوطني. أيَّد أيضًا حرب الخليج الأولى ضد العراق في العام 1991، وما تلى ذلك في السنوات اللاحقة من فرض عقوباتٍ استنزفت العراقيين وأسفرت في مجملها عن مقتل مليون منهم.

في الأشهر التي تلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر، أخذ ماكين يضغط بقوةٍ من أجل غزو العراق. وفي العام 2007، أيَّد إرسال قواتٍ إضافية قوامها 20 ألف جندي إلى هناك. وقبل ذلك، في العام 2006، ساعَدَ السيناتور على سنِّ تشريعٍ يقضي بإنشاء لجانٍ عسكرية لمحاكمة المُشتَبَهين كونهم إرهابيين وتجريد المُعتَقَلين من حقوق المثول أمام المحكمة. كان يحثُّ إدارة أوباما أيضًا على ضرب ليبيا. وكرئيسٍ للجنة الخدمات العسكرية بمجلس الشيوخ، كان من ضمن مبادراته الأخيرة أن أضاف عشرات المليارات الإضافية من الدولارات إلى الميزانية العسكرية للولايات المتحدة 2018/2019.

وفي تنافرٍ تام عن “المبدئية” و”الشجاعة” اللتين يوصف بهما، لم يكن ماكين يسعى للتصدي للعنصرية إذا كان ذلك يعني تهديد ارتقائه السياسي. في بداية حياته السياسية في أريزونا، صوَّت ضد إقامة عيد وطني تكريمًا لمارتن لوثر كينج. وفي العام 2000، خلال الانتخابات الرئاسية في ولاية كارولينا الجنوبية، دافَعَ عن رفع العلم الكونفيدرالي (علم كونفيدرالية الولايات التي كانت تستعبد العبيد إبان الحرب الأهلية الأمريكية 1861 – 1865)، مُبرِّرًا ذلك بعد فترةٍ قصيرة بأنه كان يسعى لحصد أصوات الناخبين في الولاية. وفي العام 2008، اختار اليمينية المُتطرِّفة سارة بالين لتكون مُرشَّحةً لمنصب نائب الرئيس في المنافسة الانتخابية ضد أوباما، الأمر الذي منحها احترامًا واسعًا وكان من شأنه أن يُمهِّد الطريق لصعود ترامب لاحقًا.

كان ماكين محتالًا؛ تآمر مع أربعة أعضاء آخرين بمجلس الشيوخ من أجل الضغط على مُشرِّعين فيدراليين لصالح أحد المصرفيين الفاسدين. أُجرِيَ تحقيقٌ مُطوَّل استمر لمدة عامين، وأسفر عن تدمير سمعة زملائه وحياتهم السياسية، لكنه لاذ بالنجاة من هذا المصير.

أبرَزَ ماكين نفسه على أنه شخصٌ مستعدٌ للوقوف في وجه ترامب. كان له التصويت الحاسم الذي مَنَعَ ترامب من إلغاء قانون الرعاية الصحية (المعروف باسم “أوباما كير”). لكن ذلك لم يكن سوى الاستثناء من القاعدة، إذ صوَّت ماكين في مجلس الشيوخ لصالح ما يطرحه الحزب الجمهوري في 83% من الحالات بعد تنصيب ترامب رئيسًا لأمريكا، بما في ذلك تصويته لصالح مشروع قانون الإصلاح الضريبي الذي دعا إليه ترامب.

لماذا كلُّ هذا الرثاء؟

بالنظر إلى هذا السجل الحافل، فإن المديح الذي تكيله الطبقة الحاكمة لماكين أمرٌ منطقي. لقد خدم السيناتور هذه الطبقة جيدًا.

لكن كيف يمكن تفسير الدموع التي يذرفها الليبراليين والاشتراكيين الديمقراطيين، الذين في كثيرٍ من الحالات عارضوا الحروب الأمريكية في فيتنام والعراق، والذين لا تُثار شجونهم عادةً برحيل من يصفون أنفسهم “جمهوريين مُحافظين”؟

يُعزى ذلك إلى واحدةٍ من أسوأ سمات الوضع السياسي في الولايات المتحدة، حيث يُعظَّم أيُّ شخصٍ يُنظَر إليه ولو من بعيد كمعارضٍ لترامب، بغض النظر عن حياته السياسية السابقة. ولا ينطبق هذا على ماكين وحسب، بل جورج دبليو بوش، وهنري كيسنجر أيضًا؛ كلُّ سفَّاحٍ ينتقد ترامب يرفعه الليبراليون الأمريكيون إلى منزلة الأبطال ويكنسون ماضيه السياسي بعنايةٍ تحت السجاد.

وحتى عندما ينتقد الليبراليون بعض خصائص الإمبريالية الأمريكية، فإنهم مع ذلك يتوقون إلى حقبة الماضي، حيث الهيمنة الأمريكية التي يعتقدون أنها تصل إلى نهايتها مع ترامب. وبالأخص، فإنهم يُوجِّهون إصبع الاتهام نحو ترامب على تهديده المصالح الحيوية للإمبريالية الأمريكية بسبب هجماته على حلفائها في أوروبا وآسيا. وهذا يُفسِّر إعجابهم الشديد بأنجيلا ميركل في ألمانيا، وجاستن ترودون في كندا، وإيمانويل ماكرون في فرنسا. وهم في ذلك ينضمون إلى أمثال ماكين وبوش الابن، حيث انتقاد ترامب من ناحية اليمين -لكونه ضعيفًا أمام روسيا والصين.

كلا، لم يكن ماكين بطلًا. هذا الوصف إنما ينطبق على ضحايا الإمبريالية الأمريكية، وعلى وجه الخصوص ملايين الفيتناميين الذين شهدوا بلادهم تُسحَق وتُدمَّر، وغيرهم من الضحايا من الرجال والنساء الذين قُتِلوا بالآلاف وشوَّهَت الأسلحة الكيماوية أطفالهم، الذين أبوا التخلي عن شبرٍ من أوطانهم لأمثال ماكين والمؤسسة الرأسمالية والعسكرية التي كان خير من يمثَّلها طيلة حياته.

– هذا المقال مترجم عن صحيفة الراية الحمراء الأسترالية.