بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كوستاريكا: الإضراب العام في مواجهة سياسات النهب والإفقار

مجددًا تتدخل الطبقة العاملة لتثبت قدرتها أمام الجميع على رفع راية المقاومة الجماهيرية وقيادتها وقلب موازين القوى ضد سياسات النهب والإفقار. هذه المرّة في كوستاريكا، حيث رفضت النقابات العمالية أمس الثلاثاء تعليق الإضراب العام الذي يدخل الأربعاء يومه التاسع، بينما أبدت نقابة واحدة على الأقل استعدادها، لأول مرة منذ بدء الإضراب، لحضور جلسات للتفاوض مع الحكومة.

كانت الحكومة قد ردت في البداية على التحركات الجماهيرية بالقمع البوليسي وحاولت تجاهل مطالب المحتجين، وشن الإعلام الرسمي حملة تشويه ضد الإضراب العام والنقابات العمالية والمعارضين، وأعلن الرئيس كارلوس ألفارادو في وقت سابق رفضه إجراء أي مفاوضات مع ممثلي العمال قبل تعليق الإضراب، إلا أنه سرعان ما تراجع عن شرطِه وتوجه  للكنيسة الكاثوليكية لتتوسط بين الدولة وممثلي الإضراب والمحتجين على مشروع الخطة الضريبية الجديدة. وأسفرت الوساطة عن إصدار نقابة عمال الضمان الاجتماعي (UNDECA)، وهي إحدى أهم نقابات القطاع العام المنخرطة في الإضراب، بيانًا أمس الثلاثاء أكدت فيه رفض تعليق الإضراب وأعلنت قبول وساطة الكنيسة الكاثوليكية وأبدت استعدادها لبدء عملية التفاوض.

المقاومة الجماهيرية في مواجهة سياسات النهب
تعُم كوستاريكا منذ أسابيع احتجاجاتٌ واسعة على الإجراءات التقشفية التي تعتزم الدولة اتخاذها في مواجهة الأزمة الاقتصادية، وهي الإجراءات التي أعلن عنها الرئيس ألفارادو في أغسطس الماضي. وتلعب النقابات العمالية وبالأخص نقابات القطاع العام دورًا أساسيًا في تنظيم الاحتجاجات، ويأتي مشروع  قانون الضرائب الجديد الذي تعتزم الحكومة تمريره بنهاية الشهر الجاري على رأس ما يرفضه المحتجون.

كان آلاف من عمال القطاع العام قد بدأوا الإضراب يوم الاثنين 10 سبتمبر الجاري احتجاجًا على حزمة التشريعات المالية الجديدة وأطلقوا دعوة للإضراب العام. انتشرت الدعوة سريعًا فتعطل العمل بالمرافق العامة بما فيها المدارس والمستشفيات، وأغلق المضربون محطات تكرير البترول المملوكة للدولة مما أدى إلى أزمة نقص وقود حادة. وقطع المحتجون عددًا من الطرق الرئيسية التي يعتمد عليها قطاعي التجارة الخارجية والسياحة وأقاموا الحواجز وحاصروا مقر الجمعية التشريعية (مجلس النواب)، وشارك مئات الآلاف من داعمي الإضراب في المسيرات التي خرجت في معظم المدن الرئيسية، واشتبكوا مع قوات الشرطة التي حاولت فض التجمعات وفتح الطرق بالقوة.

من يدفع فاتورة الأزمة؟
تضرب اقتصاد كوستاريكا أزمة هي الأعنف منذ 40 عامًا، إذ يتوقع البنك المركزي المحلي أن يبلغ عجز الموازنة نحو 7% من إجمالي الناتج المحلي في العام الجاري (وصل إلى 6.2% في 2017). وفي أعقاب تعبير صندوق النقد الدولي عن قلقٍ من تزايد الدين المحلي يسعى الرئيس ألفارادو، الذي وصل إلى الحكم في إبريل الماضي، لتفادي تفاقم الأزمة عن طريق تمرير حزمة تشريعات مالية جديدة عبر الجمعية التشريعية، أهم ملامحها استبدال ضريبة المبيعات المطبقة حاليًا بضريبة قيمة مضافة على جميع السلع والخدمات، وإلغاء جميع الإعفاءات الضريبية بما فيها المواد الغذائية الأساسية.

وترى النقابات العمالية المنخرطة في الإضراب أن حزمة التشريعات المالية المزمع تمريرها تهدف بلا داعٍ إلى تحميل العمال والشرائح الأكثر فقرًا تكلفة عملية إصلاح عجز الموازنة، وذلك من خلال  تقليص الإنفاق العام وزيادة الضرائب التي تحصلها الدولة من الشرائح الاجتماعية الأقل دخلًا. ويطرح العمال خطة مالية بديلة يرونها أكثر عدلًا، وأهم ملامحها تأسيس نظام ضرائب تصاعدية على الدخل، وإلغاء ضريبة القيمة المضافة، وفرض نظام ضريبي معتدل على الصناعات الموجودة في المنطقة الحرة (Zona Francas)، وسدّ الثغرات القانونية التي يستغلها الأغنياء في النظام الضريبي للتهرب من الدفع.

نضال طبقي من أسفل للإطاحة بسياسات التقشف
ليست النضالات ضد سياسات “الإصلاح الاقتصادي” على طريقة صندوق النقد الدولي بالأمر الجديد على دول أمريكا الوسطى. الجديد هذه المرة في كوستاريكا أن النضال يجري خوضه على أسس طبقية. ويظهر ذلك جليًا في الشعار الرئيسي للاحتجاجات “لن يدفع العمال ثمن أزمتهم، دع الأغنياء وأصحاب رأس المال يدفعون”. وقد تبلور هذا الشعار وهيمن خلال إضراب تحذيري ليوم واحد في إبريل الماضي شارك فيه نحو 150 ألفًا من العمال، وساد مرة أخرى خلال مظاهرة عيد العمال في مايو.

تُعزز هذا الشعارَ حقيقةُ التناقضِ بين الخطتين المطروحتين في مواجهة الأزمة، خطة الحكومة تسعى لتحميل العمال أعباء الأزمة، وخطة العمال تسعى ليتحمل فاتورة الخروج من الأزمة الأغنياء الذين استفادوا بشتى الطرق من نهب الخزانة العامة.

لقد أظهرت الطبقة العاملة في كوستاريكا قدرتها على الحشد والتنظيم على مدار الأسابيع والشهور القليلة الماضية. فمشاركة عشرات الآلاف من شباب العمال في تنظيم وإدارة الاحتجاجات المتواصلة ومعهم الآلاف من طلبة الجامعات يمثل تحولًا في الوعي الطبقي لدى أجيال جديدة يبدو أنها غير قابلة للتضليل بواسطة بروباجاندا الشعارات الرأسمالية  وأوهام “الحلم الكوستاريكي” على غرار “الحلم الأمريكي”.

وأبرزت الاحتجاجات الجارية، أكثر من أي شيء آخر، ضعف الطبقة الحاكمة في كوستاريكا وإفلاسها؛ إذ لا هي تمتلك برنامجًا للتنمية الوطنية المستقلة ولا يبدو حتى أن لديها مشروع قادر على استيعاب التذمر الطبقي المتصاعد والاحتجاجات الجماهيرية التي تكتسح البلاد طولًا وعرضًا.

تظل النتيجة المرجوة حتى الآن في أوساط الحركة النقابية من وراء المعركة الجارية هي توظيف الضغط للوصول إلى اتفاق مع الحكومة، ويتوقع مراقبون أن يؤدي ذلك  في أفضل الأحوال إلى تأجيل الآثار الأكثر سوءً لبرنامج التقشف، وذلك على الرغم من الضعف الحقيقي للقيادة البرجوازية في كوستاريكا، وبالرغم من التاريخ النضالي الطويل لعدد كبير من القيادات النقابية.

إلا أن الصراع الطبقي المتصاعد والذي يعبر عن نفسه بشكل متزايد كصراع سياسي واعٍ، قادر على التطور وفتح آفاقٍ أكثر رحابة أمام الحركة الجماهيرية، ويُعزز إمكانية تحررها من الحدود النقابية. وتقع هنا على عاتق الشرائح الأصغر سنًا والأقسام الأكثر تنظيمًا في صفوف الطبقة العاملة الكوستاريكية مسؤولية ممارسة الضغط على القيادات النقابية عبر حشد العمال الأكثر نضالية في اللجان المحلية وتوجيه طاقاتهم للحد من ميل القيادات النقابية للوصول إلى تسوية سريعة.