بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

خسرنا معركة لكن لم نخسر الحرب:

حوار: أيُّ شكلٍ سوف تتخذه مقاومة بولسونارو في البرازيل؟

مع تولي الرئيس اليميني المُتطرِّف المُنتَخَب جايير بولسونارو منصبه في الأول من يناير، ينظر اليسار في البرازيل في النضالات والتحديات التي يُقبِل عليها. تحدَّث بيدرو فوينتيس، وهو عضوٌ قيادي في حزب الاشتراكية والحرية (PSOL) عن الظروف التي أدت إلى انتصار بولسونارو والمقاومة التي بدأت تظهر بالفعل، في مقابلة مع كامي كيو، الذي ترجمها أيضًا من البرتغالية.

ما الذي يجعل بولسونارو مختلفًا عن شخصياتٍ أخرى مثل دونالد ترامب أو حتى موريسيو ماكري في الأرجنتين؟

بولسونارو هو ابن ترامب، وكلاهما أبناء إيديولوجية ستيف بانون، كبير مستشاري دونالد ترامب للشئون الإستراتيجية سابقًا. إنهما جزءٌ من يمينٍ جديد مستبد للغاية، يستخدم الخطاب العنصري، وكراهية الأجانب، ومناهضة للحفاظ على البيئة، وكراهية النساء، والخطاب الديني المُتطرِّف.

إنهما جزءٌ من عمليةٍ إيديولوجية مهمة تتجاوز مجرد التراجع عن الحقوق الديمقراطية. إنه خطابٌ منافٍ للعلم والتقدُّم البشري. تمكَّن ترامب من استغلال قضية الهجرة والأزمة الاقتصادية، فيما صعد بولسونارو إلى السلطة كشخصيةٍ ذكورية قوية، ويرجع الفضل في ذلك بشكلٍ خاص إلى الشعور العميق بانعدام الأمان في البرازيل. هناك حربٌ ضد الفقراء وضد الأحياء الفقيرة تقتل 60 ألف شخص في السنة.

بولسونارو يمثِّل كلَّ ذلك، ولكن بفارقٍ واحد مهم هو أن الديمقراطية البرجوازية -التي قد تختلف عن ديمقراطيتنا، ولكنها لا تزال موجودةً ومهمة- أقوى بكثير في الولايات المتحدة عنها في البرازيل. هناك أزمةٌ في البرازيل. النظام الرأسمالي والدولة الرأسمالية في أزمةٍ أكبر مما هي عليه في الولايات المتحدة. إذن فالمخاطر، بمعنى ما، أكبر ولكن الأمور من ناحيةٍ أخرى متشابهة للغاية.

هناك نظامٌ جديد في البرازيل أصفه بالفاشية البدائية. لماذا “بدائية”؟ لأن بذور الفاشية موجودة، لكنها لم تزدهر بعد. سيكون علينا أن نتابع ظروف تطوُّرها وكيف سيؤثِّر توازن القوى الطبقية على تشكيلها: كيف ستتحرَّك الطبقة العاملة، كيف ستتحرَّك الحركة النسوية التي كانت في طليعة المقاومة، كيف سيتحرَّك الشباب والجامعات. بهذا المعنى، أنا متفائل.

كيف تتحالف القطاعات المختلفة للطبقة الحاكمة البرازيلية مع بولسونارو، وإلى أيِّ مدى تغيَّر هذا الدعم على مدار الحملة الانتخابية؟

أول من دعم بولسونارو كانت البرجوازية الريفية وكبار رجال الأعمال في الريف -منتجو فول الصويا وما إلى ذلك- الذين يميلون إلى المُحافَظة بشكلٍ كبير. ومن خلال تعيين باولو غويديس، “شاب شيكاغو” النيوليبرالي، في وزارة الاقتصاد، تلقَّى بولسونارو الدعم من البنوك ورأس المال العالمي.

كان القطاع الذي يمثِّله الرئيس السابق فرناندو هنريك كاردوسو هو أكثر القطاعات صراعًا معه، ولكن جرت تصفية هذا الصراع انتخابيًا. كان ذلك قطاعًا من حزب كاردوسو، الحزب الاشتراكي الديمقراطي البرازيلي (PSDB) الذي يمثِّل الطبقة الصناعية الحاكمة في ساو باولو. كانت لديهم مصالحهم الخاصة، التي لا تتطابق مع مصالح مُصدِّري الصويا ومُصدِّري المواد الخام، ولم يدعموا بولسونارو في البداية.

من الواضح أنهم سيقدِّمون له الآن دعمًا حاسمًا لأن إصلاحاته المتعارضة مع مصالح العمال سوف تصبُّ في مصلحتهم. إذا نجح بولسونارو في تمرير إصلاحاته العمالية وإصلاحات التقاعد، فسوف يدعمون ذلك. الطبقة الحاكمة في الشمال الشرقي، حيث فاز حزب العمال (PT)، أقل دعمًا لبولسونارو. ورغم ذلك سوف يتعيَّن عليهم دعمه، ولكن هناك درجةً أكبر من المقاومة الاجتماعية في الشمال الشرقي لأن الحكومات المحلية هناك يقودها حزب العمال أو متحالفة معه.

ماذا عن قاعدة بولسونارو الإنجيلية؟ كان ذلك سببًا كبيرًا لانتصاره، أليس كذلك؟

قوة وحجم القاعدة الإنجيلية لبولسونارو فريدةٌ إلى حدٍّ كبير في حالته. ذلك أن الكنائس الإنجيلية في البرازيل، وخاصة “الكنيسة العالمية لمملكة الرب” يديرها شكلٌ من أشكال المافيا شديد الفساد وشديد الارتباط ببولسونارو.

فاز بولسونارو لسببين: الأول هو أنه حصل على دعم أهم رجال الأعمال من خلال حملات الواتس آب، والثاني هو أنه حصل على دعم الإنجيليين.

بين الإنجيليين وبين الفقراء الذين صوَّتوا لصالحه –الذين لا يمثِّلون أغلبية الفقراء إذ كانت نتيجة مرشح حزب العمال فرناندو حداد أفضل بكثير من بولسونارو بين من يحصلون على أقلِّ من ضعفيّ الحد الأدنى للأجور- حصل بولسونارو على الدعم لأن الناس أرادوا بديلًا ورجلًا قويًا.

هناك قطاعان أيَّدا بولسونارو: الأول هو الجناح اليميني البرازيلي، الذي يتصاعد ويتحوَّل إلى يمينٍ خطير، والثاني هو الطبقة الوسطى وغيرهم مِمَّن يتأرجحون سياسيًا وإيديولوجيًا بين جانبٍ وآخر، اعتمادًا على ما إذا كانوا يرون فيه بديلًا لواقعهم الحالي أم لا.

وفي وسط الأزمة، فَرَضَ أصحاب السياسات والنفوذ أنفسهم وصارت لهم اليد العليا.

هل يمكن أن تتوسَّع قليلًا في شرح تلك الأزمة التي تطوَّرَت عبر السنين حين كان حزب العمال في الحكم؟ كيف ساهم ذلك في تشكيل حملة بولسونارو الرئاسية؟ وأين ذلك من تحوُّل القاعدة الاجتماعية لكلٍّ من لولا دا سيلفا وفرناندو حداد وحزب العمال خلال سنوات حكمهم؟

مثَّلت حكومة لولا فرصةً ضائعة هائلة للبرازيل. كان لديها دعمٌ جماهيري حقيقي وكانت قائمةً على حزبٍ عمالي، وكان في وقتها حزبًا مستقلًا. لكنها بدأت في مناشدة الدعم من الطبقة الحاكمة.

لا شك أن حكومة لولا كان لديها علاقات عضوية مع البرجوازية -مع المصرفيين، ورجال الأعمال التجارية الزراعية، ورجال الأعمال الكبار، ومشاريع البناء الكبرى، وما إلى ذلك. كانت الحكومة يمكن أن نصفها بأنها اجتماعية ليبرالية.

وحيث أنها كانت في وضعٍ اقتصادي أفضل نسبيًا، تمكَّنَت حكومة حزب العمال من تقديم بعض التنازلات الصغيرة للطبقة العاملة وخاصة للفقراء والعاطلين عن العمل والمُشرَّدين –مثل برنامج “بولسا فاميليا” (صندوق الأسرة، وهو برنامج رعاية اجتماعية). لكن في الوقت نفسه، كان هناك صندوق البنوك وصندوق رجال الأعمال (مليارات من الإنفاق العام تذهب إلى البنوك ورجال الأعمال).

على الصعيد الدولي، كان المصرفيون البرازيليون هم الأكثر استفادة. كان بنك البرازيل أحد البنوك التي استفادت أكثر من غيرها. وكانت أسعار الفائدة البرازيلية هي الأعلى في العالم. ركَّزَ الاقتصاد البرازيلي في ظلِّ حكم لولا على بيع وتصدير المواد الخام، وليس على التنمية الاقتصادية المحلية.

لذا، عندما بدأت الأزمة الاقتصادية العالمية تضرب أمريكا اللاتينية، أصابت الأزمة أيضًا نهج لولا وسياساته.

لا يمكن أن يكون لديك أيُّ تحليلٍ للوضع البرازيلي دون الأخذ في الاعتبار الاحتجاجات الجماهيرية في يونيو ويوليو من عام 2013، حين كانت الرئيسة السابقة ديلما روسيف من حزب العمال في السلطة. كان هناك أكثر من مليونيّ شخص في الشوارع.

في حين بدأت المظاهرات ضد الزيادات في أسعار النقل، توسَّعَت إلى حركةٍ عفوية تطالب بالمزيد من الخدمات الاجتماعية، مثل الرعاية الصحية والتعليم، وتخفيض الاستثمارات في المشاريع التي لم يستفد منها غالبية السكان في الواقع، مثل بناء الملاعب الرياضية الضخمة لكأس العالم والألعاب الأوليمبية.

كانت هذه عمليةٌ سياسية مماثلة وموازية لحركة “الغضب” (النضال الإسباني لمكافحة التقشُّف)، وانتفاضة ميدان التحرير في مصر، واحتجاجات حديقة جيزي في تركيا. وتبلورت في صورة قطيعة كاملة مع حكومة حزب العمال.

لو لم تكن حكومة حزب العمال مرتبطةً بالأوليجاركية المالية، لسنحت الفرصة لديلما آنذاك لفتح نقاش مع السكان وجمعيةٍ تأسيسية جديدة.

لكن أولئك الذين على يمين حزب العمال، أي الطبقة الحاكمة، لم يرغبوا في ذلك مُطلَقًا. إن إنشاء جمعية تأسيسية يُناقَش فيها كلُّ شيء، بهدف تحقيق نوع جديد من التمثيل السياسي، قد تعارَضَ تمامًا مع الوضع القائم في تلك اللحظة.

رفضت ديلما القيام بذلك. وفازت في الانتخابات التي شهدت استقطابًا شديدًا في عام 2014 ببرنامجٍ شبه شعبوي، وتظاهَرَت بكونها يساريةً في حين كانت تميل إلى اليمين. على الفور، قامت بتعيين جواكيم ليفي -الذي كان حينها رئيسًا لشركة برادسكو لإدارة للأصول، وهي فرع من براديسو، ثاني أكبر بنك خاص في البرازيل- وزيرًا للمالية، ليبدأ في خطةٍ قاسية لإعادة الهيكلة الاقتصادية وتخفيض الإنفاق العام.

تزامَنَ ذلك مع فضح حالات فساد. أماطت أزمة عام 2013 اللثام عن كلِّ هذا، مما أتاح الفرصة أمام ما عُرِفَ بـ”لافا جاتو” (عملية غسيل السيارات) والتي كشفت عن تعايش مع ما نسميه بالطبقة السياسية وكبار رجال الأعمال في أكبر عملية فساد شهدتها ولاية ريو دي جانيرو. حُكِمَ على الحاكم السابق للولاية، سيرجيو كابرال فيلهو، بالسجن لأكثر من 50 سنة. كان نهب ريو دي جانيرو تاريخيًا.

لا يمكن لأحدٍ أن ينكر أن “لافو جاتو” كانت عملية سرقة القرن، حتى وإن كان لولا هو من انتهى به المطاف في السجن، الأمر الذي جعل الانتخابات البرازيلية الأخيرة غير شرعية لأنه مُنِعَ من الترشُّح.

على أية حال، كانت هناك حالة من الاستقطاب المتزايد في البلاد، ولم تتعامل ديلما مع ذلك. في تلك اللحظة بدأ اليمين يزداد قوة.

متى، في رأيك، بدأ اليمين في إعادة تشكيل نفسه؟ هل كان ذلك خلال فترة رئاسة ديلما أم أنه حدث مؤخرًا بعد أن عُزِلَت وأصبح ميشيل تيمر رئيسًا؟

لقد كان انقلاب تيمر دليلًا على جزءٍ كبير من التفكير البرجوازي: لم تتمكَّن ديلما من تنفيذ خططها التقشُّفية بشكلٍ كامل، وحزب العمال وصل إلى نقطة أزمة، وقد حصلنا منه على أقصى ما نستطيع، ومن ثم آن الأوان للانتقال إلى شيءٍ جديد.

لقد فشلت حكومة حزب العمال على الرغم من أنه، حتى ذلك الحين، كانت هناك إمكانياتٌ لليسار والحركات الجماهيرية لضرب وتحويل الأمور إلى مصلحتنا. نعم، لقد خرج اليمين إلى الشوارع لدعم إقالة ديلما، ولكن كان هناك أيضًا الإضراب العام الهائل يوم 28 أبريل من العام 2017.

عشت في البرازيل على مدى العشرين سنة الماضية ولم أر شيئًا من هذا القبيل على الإطلاق، إذ كان ذلك أهم إضراب نُظِّمَ خلال كل تلك السنوات، حيث كان الجميع في الشوارع لأنهم كانوا يشهدون الإصلاحات المضادة لمصالح الطبقة العاملة والاقتطاعات المزمعة من معاشات التقاعد.

كانت شروط التوُّسع في هذا النضال متوفِّرة. إذن ماذا حدث؟ انحاز حزب العمال واتحاد العمال المركزي المُوحَّد –وهو أكبر وأهم اتحاد نقابي في البرازيل– للمسار الانتخابي بدلًا من محاولة خلخلة استقرار النظام. لم يبدأ لولا قط حركةً من أجل خلع تيمر. بل كان شعاره بخروج تيمر دائمًا شعارًا انتخابيًا.

ما كان ينقص تلك اللحظة، عندما خرج الجميع إلى الشوارع، هو فرصة الدفع في اتجاه حالة كان يمكن أن تدشِّن وضعًا مُمَهِّدًا للثورة -أو في الأغلب وضعًا ما قبل ثوريًا. وبمجرد ضياع هذه الفرصة، كان كلُّ ما تبقى هو الانتخابات.

كانت انتخابات عام 2016 هي انتخابات المجالس البلدية. في عام 2016، بدأ حزب الاشتراكية والحرية أن يصبح أقوى. العديد من النساء انخرطن في المجالس، على الرغم من أن الحركة الانتخابية كانت في الواقع أضعف. كان السبب في ذلك هو الحركة النسوية –آخر الحركات الجديدة التي صعدت قبل عام 2018.

نجح الربيع النسوي في إسقاط إدواردو كونها، رئيس مجلس النواب آنذاك، وهو أكثر السياسيين فسادًا في البلاد، والذي قاد الطريق إلى عزل ديلما. وكان عزل تيمر أيضًا مطروحًا على الطاولة، لكن الحقيقة هي أن الطبقة السياسية لم تكن ترغب في التخلُّص منه.

من السهل رؤية كل شيء على خلفية تحول البلاد بشكلٍ متزايد إلى اليمين، ولكن الناس ليسوا أغبياء، وهم ليسوا يمينيين بطبيعتهم. حين ينتقل الناس إلى اليمين، فذلك لأنهم لا يرون بديلًا آخر ولأن طرفًا ما أساء الأداء. وإلا لما كانت الفاشية، ولما انتهت الحرب الأهلية الإسبانية بالهزيمة. وينطبق الشيء نفسه على البرازيل.

لقد ذكرت الربيع النسوي. هل يمكن أن تتحدَّث أكثر عن ذلك، بالإضافة إلى تحرُّكات اليسار الأخرى، مثل حركة العمال بدون أرض، أو حركة العمال المشردين، والاحتجاجات التي تلت اغتيال مارييل فرانكو، عضوة حزب الاشتراكية والحرية وعضوة مجلس مدينة ريو دي جانيرو؟ كيف شكَّلَت تلك الحركات وتشكَّلَت بالسياق السياسي وصعود بولسونارو؟

في العام 2013، برزت حركتان على وجه الخصوص في البرازيل كحركات ذات قوة اجتماعية حقيقية: حركة الشباب، التي احتلَّت المدارس والأماكن العامة، وحركة العمال المُشرَّدين. ظلَّت حركة العمال متأخِّرةً عنهما خلال تلك السنوات ولم تضطلع بدورٍ مركزي.

الحركة العمالية كان لديها أيضًا صعوبات. في حين ربما شهدت التنسيقية الوطنية للنضال –وهي اتحاد نقابي يساري انفصل عن الاتحاد المركزي الموحد للعمال– بعض النمو، إلا أنها لم تصبح أقوى بصورةٍ نوعية، أو على الأقل ليس بالدرجة اللازمة لكي تتمكَّن من التنافس على القيادة السياسية في مواجهة الاتحاد المركزي المُوحَّد.

أدى اغتيال مارييل فرانكو في مارس من هذا العام إلى ظهور حركة النساء السود وحركة تحرير السود بشكل أعم، وخاصة في ريو دي جانيرو.

إنه أمرٌ ملفت: لقد كان تأثير مقتل مارييل أكبر من سجن لولا. من الواضح أن أحد المطالب الضخمة هي المطالبة بالتحقيق في جريمة القتل. نحن نعلم من فعل ذلك -المافيا السياسية في السلطة- لكن التحقيق مُعلَّق. حتى وزير العدل استنكر تغطية الشرطة على الجريمة.

عبَّرَت تلك الحركة عن نفسها تعبيرًا انتخابيًا في عام 2018. وبالإضافة إلى ذلك، استمرت الحركة النسائية، وفي انتخابات عام 2018، عندما كانت البلاد تشهد بالفعل حالةً من الاستقطاب، نهضت بدورٍ رئيسي في حركة “Ele Não – ليس هو” في مواجهة بولسونارو.

كانت هذه الحركة أهم حركة حشد في البرازيل هذا العام، وكانت بقيادة النساء -والأهم وبصورةٍ خاصة النساء السوداوات. عشية الانتخابات، كانت اللافتات والشعارات الكبرى تتعلَّق في أغلبيتها بمارييل: “تحيا مارييل” و”العدالة من أجل مارييل”.

في الانتخابات، ارتكب حزب العمال خطأً فادحًا يدل على منهجه السياسي. لقد كانت لحظةً شهدت نضالًا من أجل الحريات الديمقراطية، إذ كان يمكن لحزب العمال -وكان لابد عليه- توسيع الدعوة للوحدة في العمل إلى طبقاتٍ أوسع من السكان، وليس فقط التمسُّك بمسألة لولا وحداد وحزب العمال.

كانت الشروط لذلك متوفِّرةً. لكن حزب العمال لم يهاجم بولسونارو حتى آخر أسبوعين قبل الانتخابات. كانت القطاعات التي هاجمت بولسونارو هي النساء وحزب الاشتراكية والحرية، ولكن ليس حزب العمال.

فوز بولسونارو يعني بوضوح أننا مُنينا بالهزيمة. لقد خسرنا معركةً مهمة، لكننا لم نخسر الحرب. لازالت حركات المقاومة موجودة وسوف تستمر في الوجود. سيكون هناك الكثير من المقاومة من الأسفل، وقد بدأت بالفعل.

في يوم الانتخابات، كانت هناك لافتاتٌ في كلِّ مكان في الجامعات تقول “لا للفاشية”. أَمَرَ عدة قضاة من مختلف الولايات، وبالتأكيد بالتنسيق مع بولسونارو، بإزالة اللافتات. وقد أثار ذلك حركةً واسعةً من احتلال الجامعات. وكان على المحكمة العليا أن تُقِر بأن الطلاب يمكنهم فعل ما يريدون في جامعاتهم.

خَرَجَ حزب الاشتراكية والحرية من الانتخابات وقد تضاعف عدد ممثليه في المواقع الانتخابية من خمسة إلى 10 ممثلين، من بينهم ثلاث نساء، واحدةٌ منهن امرأة سوداء. في ريو دي جانيرو كان الحزب أقوى من حزب العمال، حيث نجح لحزب العمال مُمَثِّلٌ واحد في حين نجح لحزب الاشتراكية والحرية أربع مُمَثِّلين. لذا فإن مسؤوليتنا الآن أكبر بكثير.

في ما يتعلَّق بالمقاومة، أعتقد أن هناك القليل من الروايات التي تعكس ما تعنيه.

لإعطاء مثال واحد، أحد الأساتذة دَرَّسَ فصلًا عن الفاشية. بولسونارو من جانبه، طَلَبَ من خلال شبكات علاقاته من الطلاب الموالين له تصوير الدرس ونشره على الإنترنت. انتشر هذا الفيديو الذي صوَّر أستاذا ببساطة يدرس تلاميذه عن السياسة انتشارًا واسعًا، بل وتلقى هذا الأستاذ سلسلةً من التهديدات.

في اليوم التالي، وقفت صفوفٌ من الطلاب بلغ طولها 200 ياردة –امتدت من الشارع إلى أبعد مدخل للمبنى- للترحيب بالأستاذ في الحرم الجامعي تحمل رسائل ولافتات التضامن.

قصةٌ أخرى هي لطفلٍ أسود في مدرسة في ريو دي جانيرو، بالقرب من حي مورو دوس ماكاكوس الفقير، وقد تعرَّض للضرب على يد مؤيد لبولسونارو. ترتَّبَ على ذلك أن نظَّمَت المدرسة ورئيس اتحاد الطلاب، وهو أسود ومثلي، فعاليةً عامة ضخمة تضامنًا معه.

في ساو باولو، تجرَّأ ممثِّلو الجناح اليميني لحركة البرازيل الحرة الموالية لبولسونارو، والتي فازت بعددٍ كبير من الأصوات، على الدعوة لحشد اليمين في جامعة ساو باولو. وقرَّروا البدء بمباني قسم الأدب ومن هناك يشقوا طريقهم من خلال المباني الأخرى.

لم يستجب لدعوتهم سوى سبعة أشخاص، وقوبل هؤلاء السبعة عند محطتهم الاولى بآلاف المتظاهرين المضادين.

سوف تندلع معارك من أجل الديمقراطية ونضالات ضد التدابير الاقتصادية النيوليبرالية. المشكلة ستكون في القمع الذي سيكون شديدًا جدًا. سوف تتطوَّر المقاومة في سياقٍ جديد وصعب، وسوف تتطلَّب الوحدة في العمل، بما في ذلك مع بعض الأحزاب البرجوازية، طالما أنها ديمقراطية.

ما نحتاجه هو جبهةٌ مُوَّحدةٌ من الطبقة العاملة للدفاع عن الحريات الديمقراطية، بالإضافة إلى حزبٍ متأصل في الحركات الجماهيرية التي يمكن أن تكون بديلًا. هذا هو ما نحاول القيام به، لتحويل الوزن الانتخابي إلى وزنٍ اجتماعي. نحن الآن في خضم حملة العضوية؛ نحاول أن ننمو. عندما انتُخِبَت سامية بومفيم نائبةً فدراليةً لساو باولو، انضم 600 شخص إلى حزب الاشتراكية والحرية.

خرجت المقاومة بشعارٍ جميلٍ جدًا بعد انتخاب بولسونارو: “لا يترك أحدٌ يدَ آخر”. وهذا ما يتعيَّن علينا القيام به.

سيتطلَّب هذا تضامنًا دوليًا -التضامن مع الاشتراكية التي تنمو في الولايات المتحدة. الولايات المتحدة هي جزءٌ من الأمريكتين. عندما يقول ترامب إن أمريكا هي فقط للأميركيين، لكنني أقلب الشعار على رأسه: نحن جميعًا أمريكيون، دعوا القافلة تمر.

لدينا أعداءٌ إقليميون: ترامب، وبولسونارو، وإيفان دوكي ماركيز في كولومبيا. علينا جميعا أن نشارك في هذا النضال.

ماذا عن معاقل اليسار التقليدية: النقابات والجامعات، وكلاهما، كما قلتم، مواقع لمقاومة بولسونارو وأنصاره، ولكن أيضًا المساحات المتنازع عليها، حيث يريد اليمين الدخول وقمع المقاومة. أين موقع الحركة العمالية من كل ذلك؟

في الجامعات، المشاعر الديمقراطية قويةٌ للغاية. إنها مساحاتٌ صعبة لبولسونارو. المدارس الثانوية أكثر انقسامًا. يدعو بولسونارو لهذا الأمر الذي يسميه “مدارس بدون أحزاب”، وهي حملةٌ محافظةٌ للغاية تدعو لعقيدةٍ سلطوية في المدارس. لذلك ستكون هناك مقاومةٌ هناك، وكذلك في الجامعات وبين صفوف الحركة الثقافية كلها أيضًا.

بين العمال، أعتقد أن أبرز مقاومة سوف تأتي من المعلمين والأساتذة. نظرًا لعدم رغبة أيِّ شخصٍ في تطبيق رؤية بولسونارو “مدارس بدون أحزاب”، سيكون هناك نزاعٌ كبير في مجال التعليم. ربما ستكون هناك مراقبةٌ للمعلمين ومحاولاتٌ للرقابة والقمع. نقابات المعلمين، تاريخيًا، ديمقراطيةٌ للغاية وتنتمي إما لحزب العمال وإما لليسار.

في حركة العمال الصناعيين، الأمور غير واضحة. على سبيل المثال، عندما ذهب أحد الرفاق، وهو أحد قادة الطبقة العاملة المخضرمين في شركة جنرال موتورز الذين خرجوا ضد بولسونارو، عندما ذهب إلى مصنعه في كونلوتاس في اليوم التالي للانتخابات، عاتبه زملائه في العمل على تصويته.

هذا يعني أن المشاعر المناهضة لحزب العمال قد اخترقت بالتأكيد الحركة العمالية. لم يحدث هذا بنفس الدرجة بين المعلمين والموظفين العموميين، لكنه حدث للأسف في قطاعاتٍ أخرى من الطبقة العاملة.

أنا لا أعتقد أن حزب العمال سوف ينظِّم أو يدعو لحركةٍ معارضة ضد بولسونارو داخل النقابات. سيكون موقفهم برلمانيًا، مع التركيز على انتخابات 2022 ودفع حداد ليكون رئيسًا. تلك هي سياسة حزب العمال لأنه يمتلك روابط عضوية مع البرجوازية.

لم يعد لحزب العمال قواعدٌ يمكن حشدها. هذا هو السبب في أن الناس الذين عملوا على الحشد خلال الانتخابات كانوا النسويات، والنساء، والمشردين، والمعدمين، وليس العمال المنظمين. عندما نُقِلَ لولا إلى السجن، كانت أغلبية الناس الذين جاءوا لتوديعه من حركة العمال المشردين وحركة العمال بدون أرض، وليس الحركة العمالية الصناعية.

أنا واثقٌ من أنه ستكون هناك جيوبٌ مهمةٌ جدًا للمقاومة، لكنني أعتقد أيضًا أننا لا نستطيع أن نسبق أنفسنا، وندعو إلى إضراباتٍ عامة. اللحظة هي لحظة التعاضد وعدم التخلي عن النضال ومواصلة التنظيم.

كيف ترى إعادة تشكيل وتجميع اليسار في هذه اللحظة؟

هذا أمرٌ مفتوحٌ تمامًا الآن. يجب أن نكون متوسِّعين للغاية في جبهاتنا المُوحَّدة، وأن نعمل مع الجميع ومع أيِّ شخصٍ يرغب في المقاومة، ولكننا أيضًا ندرك أننا بحاجةٍ إلى بناء بديل جديد في خلال هذه العملية.

هذا البديل لا يمكن أن يكون حزب العمال. البديل سوف يبرز خلال هذه العملية. ونأمل أن يكون حزب الاشتراكية والحرية مستعدًا للتعامل مع اللحظة والظروف وأن تبرز فرصٌ أخرى مع حركة العمال بدون أرض وحركة العمال المشردين ومع النقابات.

بينما تدعو القوى اليسارية الأخرى إلى جبهةٍ ويطالب حزب العمال بشيءٍ منفصل، يقول حزب الاشتراكية والحرية بأنه سوف يعمل مع أيِّ شخصٍ يريد أن يناضل -ليس مع أحد دون الآخر، ولكن مع الجميع.

ممثِّلونا المنتخبون سيُحدِثون فرقًا في البرلمان. لدينا ثلاث نساء قويات للغاية، ولدينا مارسيلو فريكسو، الذي أعتبره شخصية هامة يجب أن يقود الحركة الديمقراطية الجديدة.

ما الذي يمكن فعله في الولايات المتحدة لدعم والتضامن مع البرازيل؟ ما هي احتمالات المقاومة في بقية أنحاء أمريكا اللاتينية وكيف شكَّلَت حركات المقاومة في أمريكا اللاتينية السابقة، مثل المد الأخضر في الأرجنتين، تلك الموجودة في البرازيل؟

الربيع النسوي البرازيلي هو ابن المد الأخضر وحركة “ولا امرأة واحدة أقل” في الأرجنتين، التي أصبحت ظاهرة عالمية مع الإضرابات في اليوم العالمي للمرأة. لا يمكن إنكار أن النساء هن الطليعة. إن أقوى حركة عالمية اليوم هي الحركة النسائية، والكثير من الناس يقولون ذلك.

إذن ما هي مهامنا في أمريكا اللاتينية والأمريكتين؟ أهم شيء هو التنظيم ضد الحكومات الرجعية في كلِّ بلد -ضد ماكري، وضد دوكي، وضد بولسونارو. وفي الولايات المتحدة العمل على توطيد الاشتراكية، وتطوير معارك وتحرُّكات المقاومة، وهزيمة ترامب في الانتخابات.

وفي الوقت نفسه، علينا أن نفكر، باعتبارنا اشتراكيين أمميين، في الشبكات التي يمكن أن نخلقها في ما يتجاوز النضال من أجل الديمقراطية، والتي يمكن أن تتضمَّن حملاتٍ نضالية ونشطة فعلًا.

بالنسبة لي، هناك موقعان رئيسيان في أمريكا اللاتينية يتعيَّن علينا تقديم دعمنا لهما: الأول هو البرازيل، والثاني هو نيكاراجوا، حيث تقبع ديكتاتوريةٌ قاتلة على رأس السلطة وتحكم بالقمع. المساعدة في التنظيم على المستوى الدولي هي واحدةٌ من مهماتنا الأساسية. ونحن في ذلك معًا.

– هذا الحوار مترجم عن موقع العامل الاشتراكي الأمريكي.