بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

هاييتي والإكوادور وتشيلي.. قراءة سريعة في الربيع اللاتيني

موجةٌ جماهيرية جديدة تنتشر كالنار في الهشيم في أرجاء شتى من العالم في مواجهة سياسات الإفقار الرأسمالية والاستبداد المصاحب لها -لاسيما في الدول الأفقر. وإلى جانب الشرق الأوسط، الذي اشتعلت فيه انتفاضة الجماهير في العراق وتتصاعد فيه انتفاضة لبنان وتتواصل فيه المظاهرات والإضرابات في السودان والجزائر، لعلَّ البؤر الأكثر اشتعالًا اليوم تقع في أمريكا اللاتينية التي تتصاعد فيها التحرُّكات الجماهيرية في نمطٍ أشبه بالتناوب بين عددٍ من بلدان القارة.

في هاييتي، الدولة الأفقر في النصف الغربي من الأرض، اندلعت احتجاجاتٌ عاصفة منذ أواخر الشهر الماضي، للمطالبة باستقالة الرئيس جونيفيل مويس، المُتَّهم بالفساد (اختلاس أموال من برنامج بتروكاريبي النفطي)، في ظلِّ معدلات تضخُّم مرتفعة ونقصٍ في السلع الأساسية. تتجدَّد هذه الاحتجاجات على خلفية مظاهرات كبرى شهدتها البلاد في فبراير ويونيو من العام الجاري، لكن هذه المرة بصورةٍ أوسع نطاقًا، فيما هاجَمَت قوات الشرطة المتظاهرين وأسقطت العشرات من القتلى والمئات من المصابين والمعتقلين.

وفي الإكوادور، انطلقت مظاهراتٌ كبرى مطلع الشهر الجاري في مواجهة إجراءٍ أقرَّه الرئيس لينين مورينو يقضي بإلغاء الدعم على المحروقات، استجابةً لروشتة صندوق النقد الاقتصادية. انتشرت قوات الجيش في الشوارع واعتُقِلَ المئات من المتظاهرين في الاشتباكات العنيفة التي اندلعت مع الشرطة.

وفي تشيلي، اشتعلت الانتفاضة الجماهيرية ضد قرار الرئيس اليميني سيباستيان بينيرا برفع سعر تذاكر قطارات المترو من 800 إلى 830 بيزو. بدا القرار كالقشة التي قصمت ظهر البعير في بلدٍ يعاني سُكَّانه من ضغوطٍ اقتصادية ثقيلة وتفاوت طبقي واسع، بل وفتحت الباب على الفور أمام مطالباتٍ اجتماعية وسياسية أوسع. وفي مواجهة توسُّع الحركة في مختلف المدن، استخدمت السلطات عنف الشرطة ونشر قوات الجيش في الشوارع وإعلان الطوارئ وحظر التجوال، وبالتوازي مع ذلك محاولة تشويه الاحتجاجات واعتبارها جزءًا من مؤامرةٍ للتخريب وجرِّ البلاد إلى الفوضى، لكن ذلك لم يمنع الجماهير من مواصلة تحرُّكاتهم وصولًا إلى الدعوة التي انطلقت من اتحاداتٍ طلابية وحركاتٍ نسوية ونقاباتٍ عمالية للإضراب العام.

هناك العديد من الاستنتاجات المهمة لهذه الموجة اللاتينية الجديدة. الاستنتاج الأول والأوضح هو عودة الجماهير إلى صدارة المشهد بقوة في مواجهة سياسات التقشُّف العنيفة بما تولِّده من إفقار وبطالة وتقليص في الخدمات العامة والدعم.

ثانيًا، أثبتت الجماهير أنها قادرة بالفعل على إحداث تغيير، وقد انتزعت بالفعل بعض المطالب حتى بينما لم تضع المعركة أوزارها بعد. ففي الإكوادور على سبيل المثال تراجَعَ مورينو عن قرار إلغاء الدعم على الوقود، بعد 12 يومًا من الاحتجاج المتواصل. وفي تشيلي، أعلن بينيرا حزمة إجراءات تمثِّل هي الأخرى انتصاراتٍ جزئية للحركة الجماهيرية، منها زيادة معاش التقاعد الشامل بنسبة 20%، وتجميد الرسوم الجديدة على الكهرباء. من المهم أيضًا الوضع في الاعتبار أن هذه التنازلات جزئية ومؤقتة، لكنها تعني فرصةً لفتح الأبواب أمام معارك أشمل قادمة. وها هي التنظيمات الطلابية والنسوية والعمالية في تشيلي تنظم إضرابًا عامًا، على خلفية هذه المكاسب الجزئية، لرفع سقف المطالب لتشمل إلغاء الطوارئ وعودة العسكريين إلى الثكنات ومحاربة التفاوت الاجتماعي والمساواة في الخدمات الصحية والتعليم.

ثالثًا أن المطالب الجماهيرية المطروحة تضرب في كثيرٍ من أوجه خطط التقشُّف المفروضة من صندوق النقد الدولي، ويطرح ذلك فرصةً كبرى أمام قوى اليسار الجذري لتصعيد المعركة ضد السياسات الرأسمالية ككل، وإعادة الاعتبار للسياسات الاشتراكية بعد سلسلة الهزائم التي مُنِيَ بها اليسار نتيجة تماهيه في بعض بلدان القارة اللاتينية مع الحلول الليبرالية الجديدة (حزب العمال في البرازيل مثالًا).

رابعًا، فشل وزيف المشروع النيوليبرالي القائم على الخصخصة وتقليص الخدمات كحلٍّ للأزمة. يتكشَّف هذا الزيف بصورةٍ خاصة في تشيلي، التي كانت ولا تزال المعمل الأصلي لاختبار السياسات النيوليبرالية منذ عهد الديكتاتور أوجستو بينوشيه، والتي لطالما روَّجَت لها الصورة السائدة في الإعلام والأكاديميا اليمينيَّين إلى أنها نموذجٌ لنجاح سياسات تحرير السوق، فيما أسموه بـ”معجزة تشيلي”، حيث الاقتصاد الصحي والديمقراطية المستقرة.

لكن الحقيقة مختلفةٌ تمامًا عن ذلك. فبعد درجة من النجاح في تحجيم الفقر في تشيلي، عادت الرأسمالية إلى أزمتها المحتومة والدورية التي تلقي عبئها على الفقراء والعمال. على صعيد “الاقتصاد الصحي”، تتلخَّص السمات الرئيسية للحياة الاقتصادية والاجتماعية في تشيلي في تدمير نظام المعاشات، وتهميش الحركة العمالية، والتفاوت الاجتماعي، والرأسمالية غير المستقرة المبنية على استخراج وتصدير المواد الخام. وظلَّت خطط النظام النيوليبرالية، التي تُحمِّل الفقراء ثمن الأزمة الاقتصادية، ممتدةً على مدار أكثر من ثلاثة عقود منذ عهد بينوشيه. ليس من المُستغرَب هنا أن نجد الشعار الرئيسي الذي اندلعت عليه الانتفاضة في تشيلي في بدايتها هو “ليس 30 بيزو بل 30 سنة”.

وعلى مستوى “الديمقراطية المستقرة”، كانت جماهير تشيلي قد انتزعت بالفعل حقوقًا ديمقراطية أصيلة عبر نضالٍ طويل ضد ديكتاتورية بينوشيه (1973-1988). لكن السلطات المتعاقبة منذ ذلك الحين دائمًا ما تلجأ إلى الطوارئ وحظر التجوال وعنف الشرطة ونشر قوات الجيش في مواجهة الجماهير حين تحتج ضد الإجراءات الاقتصادية القاسية. بل أن هذه السلطات أحيانًا ما تلجأ للاستعانة حتى ببعض وجوه نظام بينوشيه نفسه (الرئيس بينيرا عيَّن منذ أيام قليلة الجنرال خافيير إيتورياجا، وهو شخصيةٌ شديدة الارتباط بانتهاكات حقوق الإنسان خلال حقبة بينوشيه، رئيسًا لهيئة الدفاع الوطني على مستوى البلاد).

الاستنتاج الأخير يتعلَّق بمصر. تتشابه العوامل التي أدَّت لاندلاع انتفاضات بلدان أمريكا اللاتينية مع الأحوال القائمة في مصر. فالفساد وتدهور الخدمات والمرافق والضغوط المعيشية، كلها أوجه مشتركة، بل حتى أشد قسوةً في ظلِّ الديكتاتورية العسكرية في مصر، وهو ما يطرح السؤال البديهي حول الركود الجماهيري المحلي الذي نشهده حاليًا مقارنةً ببلدان أمريكا اللاتينية.

على عكس ما يُعتَقَد في الأغلب، ليست الأزمة الاقتصادية بالضرورة هي التي تشعل الحركة الجماهيرية، لأنها ببساطة ليست العامل الوحيد، بل واحدةً من ضمن عوامل أخرى عديدة. كانت الشرارة في تشيلي هي زيادة طفيفة في سعر تذاكر المترو (0.037%)، وهي نسبةٌ ضئيلة للغاية إذا ما قورِنَت بنظيرتها في مصر في مايو 2018، حيث الزيادة في سعر التذاكر بنسب 300 و500 و700%. العامل الأهم في ذلك هو ثقة واستعداد الجماهير للاحتجاج وتحويل السخط العام إلى حركةً على الأرض. لابد من الوضع في الاعتبار أيضًا أن ارتفاع سعر تذاكر المترو في تشيلي مثلًا لم تشعل فقط جبلًا من المطالبات الاجتماعية والسياسية، بل جبالًا أخرى أيضًا من تراكم النضال والتنظيم والقدرة على التحرُّك وثقة الجماهير في نفسها. وهذه العوامل تقل قوتها إن لم تتعاف الجماهير من هزائمها بعد، خاصةً إن كانت هذه الهزائم في الماضي القريب.

لا يمكن أن نستنتج من ذلك أن نقف في مصر مكتوفي الأيدي في انتظار أن تتعافى الجماهير تلقائيًا من هزيمة الماضي، بل إن على القوى الديمقراطية والجذرية في مصر أن تخوض نضالًا دؤوبًا، على المستوى الدعائي والعملي على حد سواء، من أجل استعادة ثقة الجماهير في نفسها من جديد؛ وأن تنخرط في كلِّ معركةٍ مهما بدت صغيرة وجزئية (النضالات ضد الإخلاء القسري مثلًا والنضالات العمالية ومعارك النقابات والجامعات، إلخ)، من أجل إعادة البناء في الطريق الطويل والشاق للتراكم من أجل التغيير، حتى وإن بدا صعب المنال، فالثمار الحقيقية لن تؤتى إلا في المستقبل. والبداية ليست من الصفر، بل استنادًا إلى خبرات الثورة المصرية التي يتجلَّى إلهامها في ثورتيّ السودان والجزائر وانتفاضتيّ العراق ولبنان وغيرهم.