بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

رؤيتنا: الانقلاب في بوليفيا

من يقرأ التعليقات الليبرالية حول أحداث بوليفيا سواء في الإعلام الغربي أو كثير من المواقع المصرية والعربية يكاد أن يصل إلى استنتاج أن ما يحدث هناك هو ثورة ديمقراطية تقودها المعارضة البوليفية ضد “الديكتاتور” إيفو موراليس وضد محاولاته الفاسدة للبقاء في منصبه لفترة رابعة. وقد أعلنت الإدارة الأمريكية فور إعلان مورالس استقالته عن اعتبارها ذلك انتصاراً كبيراً للديمقراطية، وكان أول من المهنئين لليمين البوليفي هو نظام بولسانارو البرازيلي اليميني المتطرف.

ولكن هذه القراءة للأحداث لا علاقة لها بالواقع. فما حدث في الأسابيع الأخيرة هو انقلاب عسكري واضح المعالم يلبي طموحات اليمين العنصري في بوليفيا.

أما موقف الكثير من الليبراليين المؤيدين ضمنًا للانقلاب، فهو يعبر عن قدرة استثنائية على اتخاذ مواقف مجردة منزوعة السياق، فالدفاع عن الجانب الإجرائي والشكلي من الديمقراطية أيًا كان السياق يصبح مبدأً في حد ذاته. أما المضمون السياسي والاجتماعي للمعارك الدائرة فيتم تجاهله، لتكون النتيجة كما نرى في الحالة البوليفية الوقوف صفًا واحدًا مع ترامب وبولسانارو وجنرالات الجيش البوليفي.

من هو إيفو مورالس؟
كان إيفو مورالس أحد قادة الحركات الاجتماعية والنقابية التي اندلعت بقوة في بدايات القرن الحالي ضد الليبرالية الجديدة وضد السياسات العنصرية التي تبنتها الحكومات البوليفية المتعاقبة تجاه الفقراء والسكان الأصليين وضد ثقافتهم وحقوقهم. وقد شكل موراليس ورفاقه من النقابيين والمزارعين الفقراء حزب الحركة الاشتراكية والذي تمكن من الفوز في انتخابات 2005 ليصبح موراليس أول رئيس للبرازيل من السكان الأصليين.

وخلال فترات رئاسته الثلاث تبنى موراليس سياسات إصلاحية في صالح الغالبية العظمى من السكان من المزارعين والعمال دون أن يتحدى بشكل مباشر مصالح الرأسمالية الزراعية وشركات النفط والمعادن والتي ظلت تسيطر على ثروات البلاد. وقد تمكن من تقليص نسبة الفقر من 60 إلى 30 في المئة من السكان وخلق طفرات كبيرة في التعليم والصحة وفي حقوق المزارعين والعمال. ولكن هذا النموذج الإصلاحي من الاشتراكية سرعان ما تعرض لأزمات طاحنة بعد الأزمة العالمية في 2008 وانهيار أسعار المواد الخام والبترول والغاز والتي يعتمد عليها الاقتصاد البوليفي.

صعود المعارضة اليمينية
وقد استغلت قوى اليمين الأزمة الاقتصادية من جانب والأخطاء السياسية التي ارتكبها مورالس (مثل الإصرار على الترشح في الانتخابات لفترة رابعة) لبناء معارضة صاخبة لحكمه ولكل ما يمثله ذلك الحكم من سياسات مناهضة للعنصرية والليبرالية الجديدة.

وشكلت الفوضى التي أحدثتها نتائج انتخابات نوفمبر 2019 (فوز غير متوقع من الجولة الأولى لمورالس وسط تشكيك واسع النطاق بنزاهة الانتخابات) فرصة ذهبية لأحزاب وحركات اليمين للانقضاض على النظام والمطالبة بالإطاحة بمورالس رغم موافقته على إلغاء نتائج الانتخابات وإجراء انتخابات جديدة. وقد واكب ذلك هجمات مسلحة من عناصر اليمين المتطرف على مقرات الحركة الاشتراكية بل وعلى منازل المزارعين من عائلة وجيران إيفو مورالس في كوتشابامبا معقل حركات المزارعين الفقراء في بوليفيا.

وجاء التدخل المباشر للجيش ليشكل الخطوة الأخيرة من الانقلاب حيث أرغمت قيادة الجيش مورالس على ترك البلاد وتم نقله بالفعل إلى المكسيك كلاجئ سياسي.

وقد أعلنت جانين آنيز وهي أحد أقطاب اليمين المتطرف في البرلمان البوليفي نفسها رئيسة مؤقتة للبلاد على أساس تصويت هزلي وفي غياب غالبية أعضاء البرلمان. وقد أدلت بتصريحات صحفية من قصر الرئاسة وإلى جانبها أحد كبار جنرالات الجيش.

المقاومة والمستقبل
وعلى الفور تحرك مئات الآلاف من فقراء الآلتو (المدينة المتاخمة للعاصمة لاباز وهي معقل الفقراء من السكان الأصليين) بمظاهرات صاخبة مطالبة بعودة موراليس ووقف الانقلاب العسكري وبدأ المزارعين الفقراء بتنظيم صفوفهم للدخول في المعركة. وقد قُتل حتى الآن العشرات من المقاومين للانقلاب وشارك في القتل إلى جانب الجيش والشرطة، عصابات اليمين المتطرف. والسؤال المطروح الآن هو: هل سيتمكن فقراء بوليفيا من العمال والمزارعين وقف زحف العسكر واليمين والذي يريد محو كل الإصلاحات التي تمت في السنوات الأخيرة لصالحهم بما في ذلك حقوق السكان الأصليين؟ أم سينجح الجيش في فرض سيطرته الانقلابية وتسليم السلطة السياسية بالقوة لأحزاب اليمين؟

هذا هو الواقع في بوليفيا اليوم. إنقلاب عسكري بتأييد قوى اليمين العنصري المحلي من جانب وحكومات ترامب في أمريكا وبولسينارو في البرازيل من جانب آخر ضد حكومة يسارية مناصرة لجماهير الفقراء من العمال والمزارعين الفقراء. هذه الحكومة ارتكبت الكثير من الأخطاء منها تجاوزات للعملية الديمقراطية وتحول المنظمات والنقابات القاعدية إلى مؤسسات بيرقراطية تابعة للدولة وتنازلات ضخمة للرأسمالية البوليفية وللشركات المتعددة الجنسيات. ولكن هذه الأخطاء لا تدفعنا أبدًا للوقوف جنبًا إلى جنب مع جنرالات الجيش والفاشيين في بوليفيا ومن خلفهم ترامب وبولسانارو وأمثالهم. نحن اليوم نقف بلا مواربة مع الجماهير الفقيرة المناهضة للانقلاب العسكري والمدافعة عن حقوق العمال والمزارعين والسكان الأصليين.