بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الذقن بعد الحجاب

“الذقن بعد الحجاب”، كانت هذه العناوين الأولى للأخبار على شاشة التليفزيون الفرنسي قبل تناولها بالتفصيل. وكانت التفاصيل للأسف توضح أن وزير التعليم يقترح أن تمنع الذقون في المدارس!! هي ليست مزحة، فقد أخذت السلطات على عاتقها اقتراح التخلص من الملتحين أيضًا، لكن هناك لحية للتجمل مسموح بها، أما لحية الدين فممنوعة!! هذا ما تريده العلمانية على الطريقة الفرنسية!! ومن الطريق هنا أن حجة أن الذقن ليست إلزامية في الدين الإسلامي (سنة وليست فرض) ظهرت على السطح كحجة تستخدمها الحكومة الفرنسية للتخلص من الملتحين في حين لم يذكر أحدًا أن الحجاب فريضة دينية وقت ما اقترح منعه، وعوامل كعلامة للتصريح بالهوية الدينية.

على أي حال سوف نترك الفرض والسنة لأهلها، وننظر لما يجري الآن في فرنسا من منظور حقوق هؤلاء الذين يعيشون في هذا البلد، سواء كانوا فرنسيين مسلمين أو كانوا مسلمين مستقرين هناك. فتحت ادعاء استيعابهم داخل المجتمع يتم الهجوم عليهم باسم العلمانية. إن صورة الفرنسية المحجبة صورة لا بد من استبعادها من المشهد الذي يكون مجموع الصور الممثلة للمرأة الفرنسية. فالمحجبة بالضرورة دخيلة وغريبة، وبالتالي ضيفة (زائرة) لا بد وأن تحترم الثوابت الفرنسية. وبالتالي ممارسة حريتها الشخصية في ارتداء الزي الذي تراه مناسبًا لها هو اعتداء على علمانية المدرسة، فالمجتمع، فالدولة!! ويذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، فنرى نسويات يقفن ضد ارتداء الحجاب لأنه يعطي مبررًا للرجال لاغتصاب الغير محجبة، أي بمعنى آخر تتحمل المحجبة مسئولية تعرض غيرها من النساء إلى الاغتصاب، ويغيب عن هؤلاء ثقافة المجتمع الذكرية والقهر اليومي وكل ما يؤدي إلى اللجوء للعنف.

أصوات أخرى تنادي بالفصل بين المسلمين وغيرهم في التعليم. من يريد أن يذهب إلى المدرسة بالحجاب فليذهب إلى مدرسة دينية مسلمة كي تظل المدرسة العلمانية نظيفة من كل “علامات دينية واضحة على حد تعبير الرئيس الفرنسي، كما لو كان التعليم الخاص خيارًا متاحًا. فالأقلية المسلمة في فرنسا هي من أفقر الطبقات الاجتماعية، سكان ضواحي المدن الذين تم فصلهم عن المجتمع بالفعل من قبل. تطرح السلطات الفرنسية قضية استيعاب تلك الأقلية داخل المجتمع الفرنسي عن طريق المدرسة العلمانية كأداة للاندماج، لكن يتم ذلك بشروط السلطات وعلى طريقتها. مثلاً عندما تعالج ظاهرة الحجاب في المدارس تفترض أن كل محجبة أجبرت على ارتداء الحجاب، وبالتالي تقدم السلطات نفسها بموقفها المهاجم للحجاب كأنها صاحبة الموقف التحرري، وتسمح لنفسها بطرد المحجبة في حين أنها نست بل وتناست أن بطردها التلميذة المحجبة من المدرسة تعاقب المجني عليه وليس الجاني على حد تحليلها.

إذا تأملنا الاتهامات المذكورة وجوهرها: أن صورة المحجبة صورة غريبة ليست فرنسية (حقيقية). وأنها مسئولة عن آثام (الاغتصاب) في المجتمع، وبالتالي الحل هو فصلها عن المجموع. سنجد في الحقيقة أننا أمام حالة كلاسيكية للاضطهاد المصري.

إن عدد المحجبات في المدارس الفرنسية لا يتعدى الألفين من أصل 2.5 مليون طالبة في المدارس الحكومية أي أقل من محجبة لكل ألف طالبة. بينما كثفت وسائل الإعلام حملتها الدعائية الشرسة في الأشهر السابقة على اقتراح القانون وصورت للرأي العام أن المشكلة لم تعد محتملة. أي مشكلة يتحدثون عنها؟!! وأي تهديد للدولة الفرنسية سوف يأتيها من أقلية فقيرة تبحث عن هوية وكرامة في تميزها؟!! إن هذه الاتهامات لا يمكن فهمها إلا في ظل ما يجري الآن على صعيد السياسة الداخلية الفرنسية، وكذلك الخارجية الماثلة لأمريكا. بالإضافة إلى التاريخ الاستعماري لفرنسا وعلاقتها بمن تسميهم مهاجرين، وهم أبناء الجيل الثاني أو الثالث من العرب الفرنسيين.

الهجوم على الأقليات كان ولازال المفتاح السحري لحل الأزمات الاجتماعية، وحين يشتد الصراع الاجتماعي تسعى الطبقات الحاكمة إلى جرفه بعيدًا عن مجراه، هذا بالتحديد إلى ما تفعله الحكومة الفرنسية حاليًا. في الصيف الماضي توفي 15 ألف مسن فرنسي معظمهم في دور المسنين بسبب موجة الحر الشديدة نتيجة لتقليص الإنفاق العام. كما تم تمرير قانون زيادة سنوات العمل قبل الحصول على المعاش بعد إضراب عام في العام الماضي. بالإضافة إلى العديد من الإضرابات التي قام بها المدرسين وعمال المترو وغيرهم بسبب هجوم الحكومة على الفقراء.هذه الأزمة الاجتماعية هي التي تفسر لنا قضية منع الحجاب في المدارس الفرنسية. فالقضية فرصة لحرف الصراع وتحويل مساره إلى الهجوم على الأقليات، وكأنهم هم المسئولون عن الإطاحة بالضمانات والخدمات الاجتماعية في فرنسا!! وليست سياسات اليمين الفرنسي والعولمة الرأسمالية.