بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

إيران.. الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين

تعكس نتائج الانتخابات الأخيرة في إيران وفوز المحافظين، بعد أزمة لازالت مستمرة نتيجة لإلغاء ترشيح آلاف الإصلاحيين، صعوبة استمرار ازدواجية السلطة لفترة طويلة. فعلى الرغم من سيطرة الإصلاحيين على البرلمان ورئاسة الجمهورية منذ عام 1997، إلا أن الأزمة الأخيرة كشفت أن المحافظين بقيادة على خامئني لا زالوا يتمتعون بسلطات راسخة تستطيع أن تقف أمام محاولات الإصلاحيين للانفراد بالسلطة. ويبدو أن كل من الإصلاحيين والمحافظين يقفون في موقف صعب.

فمع انحسار فرصة انتشار الثورة الإسلامية، يعاني المحافظون من افتقاد موقفهم الأصولي إلى الواقعية. فعقب اندلاع الثورة الإسلامية في عام 1979، راهنت السلطة على انتشار الثورة، خاصة وأن ذلك بدا واقعيًا لفترة، حينما تصاعدت الحركات الإسلامية في عدة دول ذات ثقل، مثل الجزائر ومصر والسودان وأفغانستان. لكن تراجع احتمال انتصار حركات الإسلام السياسي أدى إلى زعزعة الأساس الذي استمد منه المحافظون نفوذهم، وأصبح الخطاب الأصولي الذي يلقيه آيات الله، وما يترتب عليه من حصار وعزلة وإهمال للأزمات الاجتماعية التي يعاني منها الجماهير، غير مبرر بالمرة. ومما زاد الأمر سوءًا أن القوات الأمريكية أصبحت تقف الآن على الحدود، ومن ثم فقد أصبح التمادي في الخطاب الأصولي يهدد بمواجهة مباشرة لا يريدها أي طرف الآن. ومن هنا يبدو أن الأزمة التي فجرها المحافظون بمنع آلاف المرشحين المنتمين إلى التيار الإصلاحي من الترشيح، عكست الإحساس العميق لدى التيار المحافظ الذي شعر بتآكل سلطته.

أما الإصلاحيون فليسوا في موقف أفضل، لأن الدعاوي الإصلاحية التي أطلقها خاتمي لم ترتبط بقضايا اجتماعية. وذلك على الرغم من الميل الجماهيري للاتجاه الإصلاحي، الذي عبرت عنه الاحتجاجات الجماهيرية في مناسبات مختلفة. فبعد سبع سنوات من رئاسة خاتمي وسيطرة الإصلاحيين على البرلمان، لم يطرأ أي تحسن على معيشة الفقراء. وقد كانت المأساة التي تسبب بها زلزال مدينة بم وراح ضحيته أكثر من 40 ألف شخص مؤشرًا مهمًا على إهمال الإصلاحيين للقضايا الاجتماعية. كذلك فإن الاحتلال الأمريكي لأفغانستان ثم العراق، والتهديد الذي يواجهه حزب الله من جانب إسرائيل، أدى إلى وضع الإصلاحيين في موقف شديد الحرج، وسهل اتهام المحافظين لهم بالعمالة، وبالتالي منعهم من الترشيح والاستحواذ على البرلمان.

لكن من الأهمية هنا محاولة فهم محتوى دعاوي الإصلاحيين للانفتاح على العالم. الواقع أن هذه الدعوة تعبر عن رغبة البرجوازية الإيرانية في الاندماج في السوق العالمي، والاستفادة من التبادل والمشاركة. ويتضمن ذلك مزيد من الإفقار للقطاعات الأوسع من الشعب الإيراني، عبر تطبيق سياسات تحرير الاقتصاد. لكن هذا النهج يترتب عليه فقدان الاتجاه الإصلاحي للمصداقية في دعوته إلى التنوير والديمقراطية، لأن فرض قوانين السوق الحر يتطلب القمع لمواجهة المقاومة المحتملة لآثارها الاجتماعية السلبية. في الوقت نفسه، يجد الاتجاه الإصلاحي نفسه مضطرًا إلى تقديم تنازلات خارجية ليس من السهل إقناع الجماهير بقبولها.

غير أن المحافظين، من جانبهم، ليسوا أكثر حرصًا على المصالح الجماهيرية. وإنما نظرًا لأنهم يمثلون مصالح تجار البازار والملاك العقاريين ورجال الدين والقضاء، فهم يشعرون بتهديد لمصالحهم الاقتصادية ووضعهم الاجتماعي، بكسر احتكارات التجار وإحلال البيروقراط والتكنوقراط محل القضاة.
رغم حدة الأزمة الأخيرة بين المحافظين والإصلاحيين، فإن الانتصار الذي حققه المحافظين غالبًا ما سيكون إيذانًا بأزمة أكبر. ذلك أن هذا الانتصار سيعيد أجواء المواجهة مع أمريكا، ويزيد من عزلة إيران مما سيؤثر سلبًا على الأوضاع الاقتصادية، ويزيد من تدهور الأوضاع المعيشية للفقراء. وعندئذ سيجد النظام نفسه مضطرًا إلى التنازل أمام “الشيطان الأكبر”، مما يفقده آخر مشروعية لديه. أما الإصلاحيون، فهم في جميع الأحوال مضطرون لإثبات حسن النوايا أمام أمريكا والغرب، بالدفاع عن الاندماج في الاقتصاد العالمي، وما سيعقبه من إجراءات اقتصادية واجتماعية قد تؤدي إلى بروز صراعات اجتماعية أكثر عمقًا.