بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثورة ليست لحظة

متظاهرات في الخرطوم يحملن تحية من الثورة السودانية للثورة اللبنانية

قد لا أجد وصفًا لعام 2019 أكثر دقة من “عام عودة الجماهير لتصدر المشهد”.. من الإضرابات العامة في الإكوادور وكولومبيا وتشيلي، مرورًا بالمواجهات الدامية في شوارع باريس للسترات الصفراء والنقابات العمالية، إلى ثورات السودان والجزائر ولبنان والعراق، ومظاهرات إيران ضد الغلاء، حتى التحركات الحاشدة في أستراليا ودول العالم في شرقه وغربه ضد سياسات التغير المناخي وضد سياسات التقشف.. يجلس العالم على صفيح ساخن بانفجارات اجتماعية مدوية كل بضعة أيام في بلد ما.

ولكن الصورة ليس وردية، فمع تلك الانفجارات الاجتماعية تأتي أيضًا الهزائم والمخاوف. فنشهد صعود اليمين المتطرف والفاشية في أوروبا وخارجها، والقمع الوحشي الذي تمارسه الطبقات الحاكمة عندما تشعر بالتهديد الوجودي مثلما رأينا في مجزرة اعتصام القيادة العامة بالسودان، والقتل الممنهج للثوار العراقيين في الساحات وفي منازلهم، والاعتقالات الواسعة للنشطاء والصحفيين بالجزائر عقب الانتخابات، وتستمر القنابل في السقوط على المدنيين الأبرياء في اليمن وسوريا، ويسقط اللاجئون برصاص الأمن ويتعرضون للتعذيب على حدود أوروبا، وتستمر الولايات المتحدة في هندسة الانقلابات اليمينية في أمريكا اللاتينية.

بين المحلي والإقليمي والدولي: لا تأتي الثورة فرادى
من الصعب رؤية ثورة تشتعل (أو حراك اجتماعي جذري) في بلد ما بينما المنطقة المحيطة واحة هدوء وفي إطار نظام عالمي مستقر. اشتعال ثورة/حراك جذري يحدث ضمن موجات حراك إقليمية وعالمية، تأخذ دوراتها من صعود وهبوط للصراع الاجتماعي السياسي.

الثورات والحراكات في تلك الموجات – حتى ولو على المستوى التنظيمي غير متصلة ببعضها البعض في أغلب الأحيان – انتصاراتها تشد من أزر بعضها البعض وتُلهِم المترددين والمشككين على المشاركة، كما إن هزائمها تصيب الجميع بالإحباط. وتلك الوحدة لا نشهدها فقط على مستوى الثوار والنشطاء، بل نجدها أيضا في صفوف الطبقات الحاكمة على مستوى العالم التي تسارع في أي بلد أو منطقة لوأد الحراك الثوري بالقوة أو بالحيلة لمنع انتشاره.

يُعتبر الحراك الحالي الذي بدأ في هز أرجاء الكوكب العام الماضي الموجة الثورية الثالثة خلال العقدين الماضيين.

الموجة الأولى بدأت في أواخر التسعينيات بالانفجارات الاجتماعية في جنوب شرق آسيا (هل تتذكرون انهيار أسطورة النمور الآسيوية؟) بإضرابات عاتية في كوريا الجنوبية والإطاحة بسوهارتو في إندونيسيا عام 1998 وتحركات مماثلة في دول الجوار، مصحوبة بمظاهرات سياتل 1999 الحاشدة المناهضة لمنظمة التجارة العالمية وصعود حركة مناهضة الرأسمالية والعولمة في أوروبا وأمريكا الشمالية، وسلسلة من الثورات أو الحراكات الجماهيرية الحاشدة في أمريكا اللاتينية بدأت بثورة في الإكوادور عام 2000 وبعدها أزمة الأرجنتين في ظل تصاعد مد يساري في دول الجوار عُرف بـ”المد القرمزي – Pink Tide”. وفي منطقتنا، فجرت الانتفاضة الفلسطينية في سبتمبر 2000 والحرب على العراق في 2003 حراكًا جماهيريًا قويًا في مصر ودول المنطقة، سرعان ما تحول من حراك تضامني مناهض للحرب إلى حراك سياسي اجتماعي ضد ديكتاتوريات المنطقة.

أما الموجة الثانية فدشنت عام 2011، وكانت من أبرز محطاتها ثورات تونس ومصر والبحرين وسوريا واليمن وليبيا، وانتشار حركات “احتلال الميادين” المناهضة للرأسمالية في أوروبا وأمريكا الشمالية مصحوبة بإضرابات عامة وصحوة نقابية.

البعض يربط بين الموجة الثانية وما نشهده في الوقت الحالي، ويرفع شعارات مثل “الثورة مستمرة” أو “لن تموت الثورة أبدًا”، ولكن في رأيي الموجة الثانية تم احتوائها أو قمعها أو إفراغها من مضمونها بحلول 2013 – 2014 في مصر ومعظم أرجاء المنطقة بل والعالم، ولا يمكن فهم صعود اليمين المتطرف العالمي في معزل عن فهمنا لهزيمة الموجة الثانية عالميًا. ولكن الهزيمة لا تعني أيضا أن التجربة ذهبت هباءً، فهناك خبرة تراكمت في الوعي الجمعي للشعوب.

الثورة ليست لحظة
الثورة ليست وليدة لحظة ولا تحدث فجأة من عدم. الثورة عملية معقدة تمر بمراحل وتسبق انفجارها سنواتٌ من التراكم والزخم المتصاعد والمعارك الصغيرة وموجات حراك تعلو وتهبط. في مصر على سبيل المثال، لم تكن ثورة يناير 2011 إلا ذروة عملية تراكمية بدأت باندلاع الانتفاضة الفلسطينية في 2000.

بلدان الموجة الثورية الحالية أيضًا مروا بسنوات من التراكم الاجتماعي والسياسي. البعض فوجئ باندلاع الثورة السودانية في ديسمبر 2018 ولم تَخلُ تعليقات بعض المحللين والناشطين العرب من العنصرية واتهامات للسودانيين بـ”الكسل” و”أين كانوا وقت اندلاع الربيع العربي في 2011؟” ولكنها تعليقات تنم عن الجهل إذ شهد السودان إضرابات وموجات من التظاهرات العارمة في السنوات السابقة في 2011 و2012، وانتفاضة في سبتمبر 2013.. حتى وصلت العملية الثورية للنضج الكافي لما شهدناه في الموجة الحالية.

الإرادوية 
من كل حين لآخر أجد تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو القوى السياسية المصرية للاتحاد وإطلاق دعوة للنزول للشوارع على غرار 25 يناير 2011. ورغم انتشار تلك الدعوات تأتي الاستجابة في الشارع ضعيفة أو منعدمة تمامًا وتساهم في تكريس حالة الإحباط العامة.

مشكلة تلك الدعوات هي مرض سياسي يسمى “الإرادوية”، وهو الاعتقاد الخاطئ بأن يكفي أن تكون هناك أقلية في المجتمع متمتعة بإرادة صلبة لتحقيق هدف ما فيحدث بغض النظر عن الظروف الموضوعية والذاتية. في ذهنية البعض يكفي أن تطلق التنظيمات السياسية دعوة للنزول فتعود الحالة الثورية من جديد، وكأن ثورة يناير 2011 حدثت بسبب فيسبوك إيفنت ولم يسبقها عقد كامل من الصراعات والنضالات المتصاعدة حتى وصلنا للحظة الثورية.

للأسف أمامنا في مصر بعد هزيمة الثورة على يد الانقلاب العسكري في 2013 وقتٌ ليس قصيرًا لاستعادة الزخم والتعافي الثوري. فبعد سلسلة من المجازر والتصفيات الجسدية على يد العسكر، دُمِّرت كل التنظيمات والنقابات المستقلة والكيانات السياسية أو تم احتوائها، ويرزح ما يزيد عن 60 ألف معتقل في سجون النظام. تكلفة الهزيمة فادحة، ورغم فقدان السيسي شعبيته مقارنةً ببداية عهده، لا تزال ثقة الجماهير في التغيير ومواجهته ضعيفة، ولن يغير الوضع دعوات للتظاهر والثورة على الإنترنت في الوقت الحالي.

مصر.. لا مكان لليأس
الموجة الثورية الثالثة وإن كانت لن تنتقل لمصر بتأثير الدومينو على غرار 2011 لاختلاف الظرف الموضوعي والذاتي، ولكنها ستلعب دورًا في الإسراع من عملية التعافي الثوري في مصر وبث الأمل بأن المقاومة لا تزال ممكنة.

يتابع المصريون على الإنترنت والفضائيات أخبار السودان والجزائر والعراق ولبنان، وباقي أنحاء العالم. وبالرغم من تخبط المشاعر بين الإحباط والسخرية نجد أيضًا حنينًا جارفًا ليناير وأملًا خجولًا أن نلحق بركاب فرصة التغيير مرة أخرى.

عدم إمكانية حدوث ثورة شاملة في مصر في أي وقت قريب ليس على الإطلاق دعوة لليأس والإحباط، بل العكس، هي دعوة للعمل الثوري الدؤوب المتحلي بالواقعية والمدرك للظروف الموضوعية والذاتية الحالية.

على الأرض، رغم ضعف الصراع الطبقي بشكل عام، لا تزال هناك بعض التحركات العمالية المحدودة وتحركات اجتماعية متفرقة تتعلق بقضايا الإسكان والتهجير القسري تستحق اهتمام من تبقى خارج السجون في الدوائر السياسية المعارضة بمصر حسب قدراتها التنظيمية المحدودة حاليًا أيضًا.

وما لا يقل أهمية عن ذلك هو التركيز على العمل المشترك في جبهات مع أي قوى أو أفراد تنتمي لمعسكر يناير، بمبادرات سياسية ذات سقف مطالب منخفض في الوقت الحالي، لا يطرح بالضرورة إسقاط النظام العسكري فورًا، بل يركز على إطلاق سراح المعتقلين السياسيين من مختلف التيارات السياسية ويشمل ذلك معتقلي التيار الإسلامي، ووقف الاعتقالات والتصفيات التي تقوم بها أجهزة الأمن والجيش، وفتح المجال السياسي العام بأي انفراجة ممكنة.