بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ماذا بعد هزيمة بيرني ساندرز؟

بيرني ساندرز

بدت فرصة التحدي الاشتراكي الجذري للمؤسسة الأمريكية قاب قوسين أو أدنى، لكن آلة الحزب الديمقراطي بدأت في العمل ضد هذا التحدي بمجرد أن أصبح ساندرز يحقِّق نجاحاتٍ في حملته.

للأسف لن يصل اشتراكيٌّ إلى البيت الأبيض، لكن لفترةٍ من الوقت كان من المُمتِع أن نرى مؤسسة الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة والإعلام الأمريكي في حالةٍ من الذعر والارتباك. تصدَّرَت نسخة بيرني ساندرز من الاشتراكية الديمقراطية لبعض الوقت استطلاعات الرأي واكتسحت انتخابات الولايات التمهيدية. وأمضت نخبة الحزب الديمقراطي ستة أشهر في البحث عن مرشحٍ يُلحِق الهزيمة بساندرز، وفي النهاية اتحدوا حول ترشيح جو بايدن.

إن السرعة التي اندفع بها الديمقراطيون (من أمثال المرشحين المنبوذين بيت بوتجيج، ومايكل بلومبرج وإيمي كلوبوشار، إلى السيناتور جيم كليبورن) بكلِّ ثقلهم خلف نائب الرئيس السابق في الانتخابات التمهيدية لولاية كارولينا الجنوبية، ويوم الثلاثاء الكبير، لم تُشِر فقط إلى قوة جهاز الحزب الديمقراطي فحسب، بل أيضًا إلى خوفهم من ترشيح ساندرز.

جو بايدن ومؤسسة الحزب الديمقراطي
على أيَّةِ حال، سوف يستعد بايدن لمواجهة ترامب في نوفمبر، إن لم يعرقل الوباء المنتشر حاليًا هذا الأمر. هناك أكثر من سببٍ يوضح لماذا يُعَدُّ هذا الأمر برمته بمثابة كارثة. إن بايدن هو مرشحٌ يؤيد بشدة المؤسسة الأمريكية، ويمثِّل استمرارًا لنفس السياسات التي أدَّت لهزيمة هيلاري كلينتون أمام ترامب في عام 2016. وهو فقط مُمَثِّلٌ للزُمرة التي تدير الحزب الديمقراطي -أولئك الذين لا يتفقون فحسب مع الوضع النيوليبرالي الراهن الذي ولَّد اللامساواة المتنامية في المجتمع الأمريكي اليوم، بل هم مجموعةٌ مِمَّن هندسوا هذا الوضع بالأساس. وهناك قطاعٌ من الديمقراطيين ووسائل الإعلام يرى أن هذا أمرٌ جيد، باعتباره علامةً على قدرة بايدن على توحيد جميع أطراف الحزب.

لكن التغلُّب على ترامب في نوفمبر لا يعتمد على كسب آلة الحزب الديمقراطي، وهو الأمر الذي اصطدمت به هيلاري كلينتون قبل أربع سنوات. يكمن الطريق إلى النصر في كسب الناخبين الذين انتقلوا من أوباما إلى ترامب أو ظلوا في منازلهم ولم يرغبوا في التصويت لهيلاري. وهذا يتطلَّب رؤيةً جريئة وجذرية وحملةً حيوية. وتأكيدات بايدن السلبية بأن عقد صفقة خضراء جديدة “أمرٌ مستحيل”، وأن الرعاية الصحية للجميع إنما هي “أحلام يقظة”، وأنه يعمل من أجل “النتائج لا الثورة”، كلُّ ذلك قد يفسح المجال أمام أربع سنوات أخرى من حكم ترامب.

وإذا فاز بايدن بالرئاسة، فسجله يشير إلى أن حكومته ستنحاز إلى النخبة على حساب الأمريكيين من الطبقة العاملة. وسواء من خلال الدور الذي اضطلع به كأحد مهندسي قانون مكافحة الجريمة عام 1994، الذي زجَّ بأعدادٍ هائلة من الأمريكيين في السجون، أو دعمه لحرب العراق وقانون مكافحة الإرهاب، فقد دَعَمَ بايدن باستمرار مصالح الشركات الأمريكية الكبرى على حساب مصالح معظم الناس. لذلك ربما يدور السؤال الأكبر حول مصير الدعم الذي مُنِحَ لنوعٍ مختلفٍ من السياسات التي ساعد ساندرز في توليدها. يشير هذا إلى مدى التعطُّش للتغيير الحقيقي في أمريكا. ولنتذكَّر هنا أن الرعاية الصحية، والصفقة الخضراء الجديدة، وإلغاء رسوم الدراسة الجامعية، كلُّ ذلك لم يكن إلا أفكارًا هامشية قبل أربع سنوات فقط عندما ترشَّح ساندرز ضد كلينتون.

احتواء محاولات التغيير
ساعد ساندرز، السيناتور البالغ من العمر 78 عامًا من ولاية فيرمونت، على تعميم مثل هذه الأفكار خاصةً بين الشباب، وخلال ذلك ساهم في تحطيم الإجماع السائد في قمة السياسات الأمريكية. وينعكس هذا جزئيًا في شعبية بعض الساسة اليساريين، مثل ألكساندريا أوكاسيو كورتيز وإلهان عمر.

وعلى الأرض، شهدنا إحياءً للتنظيم والأفكار الاشتراكية، المستوحاة جزئيًا من اسم الاشتراكي الديمقراطي الذي تبنَّاه ساندرز. على سبيل المثال، ذكرت الاستطلاعات أن الأغلبية الذين صوَّتوا في الانتخابات التمهيدية بولاية تكساس كانت لديهم نظرةٌ إيجابية للاشتراكية على حساب الرأسمالية. وقد انعكس هذا في استطلاعاتٍ مماثلة خلال السنوات الأخيرة، وخاصةً بين الشباب.

إلى جانب ذلك، شهد تنظيم الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا تزايدًا في عدد الأعضاء، وبالرغم من تركيز معظم نشاطاته الأخيرة على حشد الأصوات من أجل ساندرز، فقد شارك في العديد من الإضرابات المحلية، بالإضافة إلى مشاركته في الحركات المناهضة للعنصرية وتغيُّر المناخ. إذن لدينا يسار راديكالي بالتوازي مع مستوى منخفض -لكن متزايد الأهمية- في النضال. فما مصير ذلك بعد أن تأكَّد خروج ساندرز من السباق؟

على الرغم من كونه سيناتورًا مستقلًا ظلَّ على مقربةٍ من الحزب الديمقراطي على مدار معظم حياته السياسية، أوضح ساندرز أنه سيقف خلف المرشح النهائي حتى لو كان ذلك يعني إسقاط الولاء لمؤسسة الحزب الديمقراطي، فقد فعل ذلك مع هيلاري كلينتون عام 2016 وسيفعل ذلك مرةً أخرى مع بايدن الآن.

لن يمثِّل فوز بايدن بالرئاسة حلًّا يُذكَر للملايين المؤمنين بدعوة ساندرز للتغيير الجذري والأفكار الاشتراكية. وليس هناك أملٌ في أن يدفع بايدن حملته الرئاسية إلى اليسار، ليس فقط بسبب سجله التاريخي وسياسته ولكن أيضًا بسبب الحقيقة القاسية أنه، وفقًا للتكهُّنات، في طريقه للفوز بنصرٍ حاسم ولا يحتاج إلى مغازلة اليسار من أجل الفوز بأصوات أنصار ساندرز.

لطالما عمل الديمقراطيون جاهدين من أجل احتواء الحركات التي تطالب بتغييرٍ جذري من أسفل. في الستينيات، كانت الحركات الجماهيرية من أجل الحقوق المدنية وحقوق المرأة وتحرير المثليين محتشدةً خلف الحملات الرئاسية التي كانت تحاول تغيير سياسات الحزب الديمقراطي. وبالمثل في الثمانينيات، انتهت الآمال المُعلَّقة على حملات جيسي جاكسون بدعم المزيد من المرشحين اليمينيين في سبيل الضغط من أجل الوقوف في طريق المرشح الجمهوري آنذاك إلى البيت الأبيض.

القصد هنا ليست إعطاء درس في التاريخ، لكن التطورات على أرض الواقع في السنوات القليلة الماضية -أكبر عدد من الإضرابات منذ عام 1986، وانتشار الأفكار الاشتراكية، وتنامي التنظيمات التي تتبنَّاها- تمثل أهم تحوُّل يشهده اليسار الأمريكي منذ عقود. وهناك فرصةٌ حقيقية للبناء على ذلك وتجاوز المسار المعتاد للذوبان في الدورة الانتخابية للحزب الديمقراطي. لكن هذا يعني إعطاء هذه الأمور الأولوية على الأفق الانتخابي.

من المثير للاهتمام أن تنظيم الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا يتَّبِع سياسة “موطئ قدم بالداخل وموطئ قدم بالخارج” في نهجه إزاء الديمقراطيين. وغالبًا ما يعني هذا، من الناحية العملية، تقديم مرشحين يساريين من داخل الحزب الديمقراطي، وقد أدَّى هذا إلى عمليةٍ كبرى لكسب الأصوات لصالح ساندرز في الانتخابات التمهيدية. لكن من الناحية التاريخية، لطالما نَظَرَ الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا إلى تنظيمهم باعتباره خطوةً نحو بناء حزب لليساريين من الحزب الديمقراطي. وقد صوََّتَ المؤتمر الأخير للتنظيم بعدم تأييد مرشحين آخرين إن لم يفز ساندرز بالترشُّح لانتخابات الرئاسة.

اليسار الراديكالي والمستقبل
طَرَحَ مؤسِّس مجلة “جاكوبين” الأمريكية، بهسكار سانكارا، في كتابه الأخير “البيان الاشتراكي”، أن ما تحتاجه الولايات المتحدة هو حزب اشتراكي ديمقراطي على غرار حزب العمال في بريطانيا. يمثِّل المنعطف الحالي فرصةً للانفصال بشكل نهائي عن الحزب الديمقراطي، وهو السؤال الذي طارَدَ اليسار الأمريكي لعقودٍ من الزمن. أما الدعوات لبناء حزبٍ على غرار حزب العمال البريطاني فهي دعواتٌ جديرة بالفعل، لكن يجب الانتباه إلى التحذيرات التي تخبرنا بها تجربة جيريمي كوربين في بريطانيا.

إن زعيمًا يساريًا لحزبٍ ذي جذور اشتراكية ديمقراطية ليس ضمانةً للنجاح الانتخابي، علاوة على أن فرصة كير ستارمر لأن يكون زعيمًا مستقبليًا لحزب العمال البريطاني تُظهِر أن المكاسب يمكن أن تنقلب بسرعةٍ بعد الهزيمة الانتخابية. وغياب النضال في المجتمع البريطاني لهو أمرٌ مركزيٌّ في هذا الشأن.

إن مشروع بناء اليسار الراديكالي في الولايات المتحدة هو مشروعٌ مُلِحّ، وقد مهَّدَت السنوات الأربع الماضية أرضًا خصبة لذلك. وستحمل انتخابات نوفمبر ضغوطًا هائلة على أولئك الذين يريدون أن يشهدوا نهايةً للرئيس الأكثر عنصرية ورجعية في العصر الحديث، لكي يدعموا جو بايدن. والسؤال هو ما إذا كانت الحركة الاشتراكية المتنامية في أمريكا قادرةً على الوقوف في وجه هذه الضغوط، والإشارة إلى طريقٍ جديد، والانفصال عن نظام الحزبين المؤيِّدَين للرأسمالية.

ربما لم تكن الحركات الاجتماعية الناشئة، إضافةً إلى التنامي المحدود في عدد الإضرابات، كافيةً لدفع موجةٍ من النضال قويةً إلى درجة أن تشق طريق ساندرز نحو البيت الأبيض. لكن جذور هذه الحركات هي التي تفتح الباب أمام فرصٍ مهمة لبناء تنظيمٍ اشتراكيٍّ جديد.

– هذا المقال مترجم عن مجلة سوشياليست ريفيو البريطانية