بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ما الذي نتعلَّمه عن الاقتصاد خلال الحظر؟

كورونا والأزمة الرأسمالية

بقلم: روماريك جودان

الجدل الدائر حول التعليق المحتمل للحظر لأسباب اقتصادية هو أسوأ طريقة للتفكير خلال هذه الفترة. إنه نقاش بين موقفين محافظين يخفي السؤال الديمقراطي الحقيقي.

منذ بضعة أيام ونحن نسمع نغمةً خافتة: من الضروري وقف الحظر على وجه السرعة لأسباب اقتصادية. في صحيفة Les Échos الفرنسية، يقول المحرر إريك لوبوشير بوضوح: “يجب على فرنسا وقف الحظر”. وقد دافع عن الفكرة العديد من الصحفيين على تويتر وفي الإذاعة والتلفزيون. الفكرة بسيطة وتستند إلى إحدى الأدوات المُفضَّلة للاقتصاديين: جدول التكاليف والأرباح.

من ناحية، هناك المتوفون من فيروس كورونا، ومن ناحية أخرى هناك التكاليف الاقتصادية لانخفاض الناتج المحلي الإجمالي والأزمة الاقتصادية التي ستليها والتي ستؤدي أيضًا إلى وفيات. تُرجِّح كفة هذه المقارنة جهة استئناف النشاط الاقتصادي. وهكذا يمكن العودة إلى الإستراتيجية الشهيرة “مناعة القطيع” والتغاضى عن الوفيات الناجمة عن فيروس كورونا حتى لا نضطر إلى تحمُّل تبعاتٍ أسوأ تسبِّبها الكارثة الاقتصادية.

طريقة التفكير هذه مميَّزة لأنها تُظهِر ما هو الاقتصاد الرأسمالي. إنها تقوم على أحد أقوى عناصر هذا النظام، حين يُسلَّط عليه الضوء يُعَدُّ أحد العناصر الأكثر هشاشة: ألا وهو التجريد. حيث أنه في هذه الحسبة المُروِّعة توضع حقيقتان مختلفتان على قدم المساواة. من ناحية، ظاهرة يخضع لها الإنسان؛ فيروس لا نملك أسلحةً ضده، على الأقل في الوقت الحالى، ويقتل الرجال والنساء بشكل مباشر، ومن ناحية أخرى، الاقتصاد السلعى، من صنيعة الإنسانية، الذي سيفرض قانونه على مَن خَلَقَه إلى درجة الاستيلاء على حياته.

نحن لسنا بصدد إنكار أن الأزمات الاقتصادية باهظة الثمن في الأرواح البشرية. تُظهِر أمثلة الماضي هذا بما فيه الكفاية. لكن ما ينساه هؤلاء المفكرون “المُتعلِّمون” هو أن هذه الأزمات ليست ظواهر خارج سيطرة الإنسان. هذه الأزمات نتاج تنظيمهم الاجتماعي ونشاطهم وخياراتهم. والأمر متروك للإنسانية للعثور على أشكالٍ أخرى من التنظيم تنقذ الأرواح وبنفس القدر تمنع أن تتسبَّب الأزمات في قتل البشر.

بعبارةٍ أخرى، ما يخفيه خطاب هؤلاء المحتجين اقتصاديًا على سياسة الحظر هو أن ضحايا الأزمة لن يكونوا ضحايا عرضيين لقرار اختيار إنقاذ الأرواح كما هو الحال اليوم، ولن يكونوا ضحايا متأخرين لقرارنا للحدِّ من جائحة فيروس كورونا. الضحايا سيكونون ضحايا التنظيم الاقتصادي القائم على التسليع، الأمر الذي يعكس بوضوح حساباتهم الدنيئة.

نحن نتفهَّم غضبهم؛ ففجأة، في غضون أسابيع قليلة، ندرك أنه يمكننا إيقاف اقتصاد السوق، وأنه يمكننا التركيز على الأساسيات: التغذية والصحة والرعاية. ومع ذلك، يا للغرابة، لا تتوقَّف الأرض عن الدوران ولا تختفي البشرية. فالوظيفة الأساسية للنظام الرأسمالي مُعطَّلة، فهو يحصد الحد الأدنى من القيمة المضافة، وهي غير كافية لتغذية دورة رأس المال. والإنسان لا يزال موجودًا.

والأفضل من ذلك، بعد تحريره من التجريد السوقى، يفكر الإنسان في حياته وحياة الآخرين. ينهار جزءٌ أساسي من تفكيره: الرأسمالية ليست هى الإنسانية. عندما تتوقَّف السلعة عن خلق “الثروة”، لا يحدث شيءٌ تقريبًا. نحن بصدد إنشاء شكل من أشكال “اشتراكية الأوبئة”، كما صاغها الاقتصادي البريطاني ويليم بويتير، الرئيس السابق لمجموعة شركات سيتي جروب.

ولذا، من أجل الاستمرار في الإبقاء على أسطورة الرأسمالية المتأصِّلة في البشرية، يلجأون إلى التهديدات: كل ذلك سيُسدَّد ثمنه، وبدل المرة مائة مرة، وسيكون هناك موتى، ولا يمكن تخفيض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 30% والإفلات من العقاب. إلا أنه، فعليًا، يثبت العصر الحالي العكس ويدعونا إلى بناء منظومة يكون محورها الحياة البشرية، وليس إنتاج السلع.

يحمل لنا هذا العصر العديد من الدروس. فأولئك الذين يعتقدون أن السوق هو الوحيد الذي ينتج القيمة يجدون أنفسهم قادرين على توفير مأكلهم في مدينةٍ نظيفة، على الرغم من أن السوق لم يعد يعمل بشكلٍ مستقل. يمكنهم القيام بذلك فقط بفضل العمل اليومي للموظفين، من جامعي القمامة إلى البائعات، ومن سائقي الحافلات إلى مُقدِّمي الرعاية الصحية، ومن رجال التوصيل إلى سائقي الشاحنات. هؤلاء، أثناء تعرُّضهم للفيروس، يعرضون على الملأ الدليل على الفجوة الهائلة بين القيمة التي يمنحها السوق لهم مقابل عملهم المجرد والقيمة الاجتماعية لعملهم الملموس. تظهر حقيقة القيمة التي ينتجها السوق، والذي يمنح المستشار وزنًا نقديًا أكبر بعشر مرات من وزن بائعة المتجر أو جامع القمامة، وهذه الحقيقة هي تجريدٌ فارغٌ من المعنى، أو بالأحرى تجريدٌ يصيب الهدف الذي خُلِقَ من أجله: الربح.

بالنسبة إلى “اقتصاديينا”، كل هذا لا يُطاق بشكل كبير ويجب أن يُوضَع حدٌّ سريعٌ للحظر الذي سيجعل كلَّ ما سبق أوضح. سينتهى بنا الحال إلى تخيُّل أنه من الممكن أن ننظم أنفسنا بشكلٍ مختلف، وأن نضع أولوياتٍ أخرى في قلب المنظومة الاجتماعية، وأن نحدِّد احتياجاتنا الأساسية لبناء مجتمع الاعتدال. ولكن، في هذه الحالة، لن نحتاج بعد الآن إلى كل هذا الحشو -الناتج المحلي الإجمالي، والقدرة التنافسية، والربحية، والأرباح المُوزَّعة، والأسواق المالية- الذي يضمن خضوع عالم العمل لقيمة التبادل. قد يمكِّننا من “مقرطة” الاقتصاد.

هذا هو السبب في أنه من المُلِح المضي قدمًا في السماح بحدوث هذه الأزمة المرتقبة للقضاء على رغبتنا في وضع الحياة الملموسة في مكانة تعلو التسليع.

ولكن يجب ألا نوهم أنفسنا: أيًّا ما كانت الأفكار والآمال التي تشغلنا، خلال هذا الوقت المستقطع، بخصوص “العالم كما سيصبح”، فإن الحظر ليس بأيِّ حالٍ من الأحوال تقدُّميًا، ناهيكم عن كونه “اشتراكيًا”. وهذه هي بالضبط صعوبة الوضع.

في بداية الوباء، اختارت الحكومات الأقل حيطة (ولا سيما إيطاليا وفرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة) إجراء نفس الحسابات التي قام بها إريك لوبوشير وأصدقاؤه: لا يمكننا التضحية بالاقتصاد من أجل “إنفلونزا عنيفة”. وأصبح الهدف تطبيق مناعة القطيع: سيموت عددٌ من الناس، ولكن بسرعة. وسيكون الأثر الاقتصادي محدودًا.

كان هذا الخيار هو الذي دفع السلطات الإيطالية إلى تأخير اتخاذ إجراءات في لومباردي، على الرغم مما أظهرته التحقيقات التي أجرتها صحيفة Il Fatto Quotidiano الإيطالية، لخوف أصحاب العمل المحليين من خسارة الأسواق. وهذا أيضًا هو ما يفسر في فرنسا الكذب حول نقص الأقنعة. فالاعتراف به على الملأ كان سيضطرهم إلى الإطاحة بالاقتصاد لصالح الطوارئ الصحية. وبالإضافة إلى ذلك، في الحالة الفرنسية، هناك اتجاه الأجندات الأيديولوجية والسلطة السياسية لفرض إصلاح منظومة المعاشات بطريقةٍ فجَّة والإبقاء على الانتخابات البلدية بأيِّ ثمن.

تخلَّت جميع هذه السلطات، بما في ذلك أكثر الحكومات اقتناعًا مثل الحكومات البريطانية أو الأمريكية، عن هذه الإستراتيجية لأنها واجهت، سياسيًا، تنبيهاتٍ مُتكرِّرة من مُقدِّمي الرعاية الصحية والباحثين. إذ لم يعد من الممكن تحمُّل مسئولية أعدادٍ هائلة من الوفيات في المستشفيات المُكتظَّة. وكان قد فات الأوان لتفاديها. مثل هذه الصورة كانت ستكون كارثية وستقودنا إلى اتهام النظام الرأسمالي بالتغذِّي على أرواح البشر لمصلحته. ففي الوقت الذي تُناقَش خلاله قضية عدم المساواة وتغيُّر المناخ بشكلٍ جاد وعلاقتهما بالنموذج الاقتصادي، كان التأثير ليكون مُدمِّراً. لذلك قرَّروا “التضحية” مؤقتًا بالاقتصاد.

كانوا قد عزموا أمرهم إلى حدٍّ ما. ففي فرنسا، سعوا للحفاظ على نشاطٍ غير ضروري “لتقليل الأثر”، ولكن أيضًا في المقام الأول لمواصلة الحفاظ على التحكُّم في الاقتصاد قدر الإمكان. نتذكَّر الضغوط التي مارستها وزيرة العمل الفرنسية، مورييل بينيكود، على قطاع البناء والتشييد بحيث يستأنف العمل بالمواقع. يجب ألا ننسى أبدًا أن الحظر الفرنسي، مثلما في بلدانٍ أخرى، هو حظرٌ محدود، حيث يتعيَّن على 40% من العمال استمرار تواجدهم في مواقع العمل، على الرغم من المخاطر. ويجب أن نتذكَّر مرةً أخرى أن الحكومات، التي اتَّبَعَت نفس الإستراتيجية في البداية كإيطاليا أو إسبانيا، اضطرَّت إلى تخفيض النشاط الاقتصادي إلى الحدِّ الأدنى نتيجة لفشل تلك الإستراتيجية وتسارع الوباء.

لكن لا تنخدعوا؛ هذا مجرد تأجيل. كلَّما كانت هذه الأزمة “المصطنعة سياسياً” أكثر شدة، جعلوا الشعوب يدفعون الثمن، من أجل “إعادة البناء”، وضمان “الوظائف”، وجذب المستثمرين. باختصار: إعادة تشغيل النظام. سوف يطلبون من الشعب، كما بدأ وزير الاقتصاد الفرنسي، برونو لومير، القيام بـ”جهود”. سيفعلون كلَّ شيءٍ لضمان أن يؤدي الحظر إلى تحميل البشر كلفة وقسوة الأزمة الاقتصادية. سيقومون ببساطة بـ”تجميد” النظام الاقتصادي والتأكُّد من عدم تغييره خلال هذا الوقت المستقطع. وبمجرد إعادة تشغيله، سيعطي اقتصاد السوق أسوأ ما لديه. ستُطلَق آلياته الخاصة. وسيتعيَّن علينا أن نقبله كقانون إلهي.

الدعوة إلى “إعادة تكوين” رأس المال
ستكون آثار هذه “الاستعادة” الحتمية لرأس المال جسيمة. فكما خضع لويس الثامن عشر عام 1815 لروح العصر من خلال “منح” الميثاق الدستوري، ومَهَّدَ في الوقت نفسه لردة اجتماعية شديدة، ستعطي الرأسمالية من خلال الدولة الأبوية المعسولة بعض الضمانات، مع بعض الجرعات السيادية. لكن “الحركة الحقيقية” ستكون في اتجاه تدمير الحقوق الاجتماعية الهشَّة ومستويات المعيشة الأكثر هشاشة، بحجة الحفاظ عليها من خلال السعي إلى “التقشف” و”الإصلاحات الهيكلية”.

لا يدعو محافظ بنك فرنسا، فرانسوا فيليروي دي جالهاو، ورئيس جمعية Medef (جمعية أصحاب الشركات الفرنسية)، جيوفرو رو دي بيزيو، إلى الإنهاء السريع للحظر. لكنهما يحذران من أنه سيتعين “القيام بجهود لتخفيض الدين” وأنه من الضروري “التفكير في مسألة وقت العمل”. إنها فرصه. “أزمة جيدة” هي في النهاية أفضل طريقة لاستعادة الانضباط في صفوف العمل. ولن تكون هذه الازمة استثناء.

لنكن واضحين: هذا لا يعني أن هذه الأزمة صُنِعَت بتصميمٍ مكيافيلي. فكما قلنا: كانت الضغوط السياسية هي التي أدت إلى التخلي عن إستراتيجية مناعة القطيع في مواجهة الفيروس. ولكن استغلال الفرصة هو المنطق الداخلي للنظام الرأسمالي: يجب أن يتبع تدمير القيمة السوقية استعادة القيمة. والدليل على ذلك هو إرادة هذه الحكومات في الحفاظ على استمرار الاقتصاد كما كان من قبل.

ماذا نتعلَّم من كل هذا؟ أن الاقتصاد هو غالبًا أسوأ طريقة للتفكير في الحظر. في حالة تمديد الحظر من عدمه، ستكون الأزمة شديدة إذا استمررنا في التفكير بمنطق مجتمع تهيمن عليه السلع. سوف تتسبَّب هذه الطريقة في وقوع ضحايا وستكون قاسيةً على القطاعات الأضعف من الناس. والمحصلة النهائية، خلف الجدل الزائف بين أنصار الحظر وأنصار فك الحظر “الاقتصادي”، هي نفسها في الواقع.

لكن دعونا نكرر ذلك مرة أخرى: الاقتصاد هو فقط ما نقوم به بشكل جماعي وهو بالضبط ما يظهره الحظر بشكل واضح. وبالتالي، يبدو من الواضح أن الاحتمال الحتمى لحدوث “الأزمة” هو فقط ثمرة إهمالنا لهذا الميدان، ورفضنا للتفكير بشكل جماعي مختلف في الاقتصاد و”وضعه في مكانه”، كما يقول الفيلسوف الكندي آلان دونو.

وهذا يعني أيضًا أن الجدل الاقتصادي يخفي نقاشًا آخر أكثر جدية حول العواقب الإنسانية الملموسة للحظر. من السهل تعليق التجريد الاقتصادي. لكن تعليق الحياة الاجتماعية للإنسان، وهو حيوان اجتماعي بامتياز، أمر آخر. هو بالفعل تقليل نطاق هذه الحياة، وبالتالي شل حركة الإنسان؛ أي إعاقته، والسيطرة عليه، وإخضاعه.

إن اختزال المجال الاجتماعي إلى نطاقٍ عائلي ضيق، وتقليص مساحة المعيشة في منزلٍ مُتكيِّف بشكل أو بآخر مع الحياة الدائمة بداخله، وحصر الوقت في وقتٍ فردي وليس جماعي، وتفتيت المواقف والخبرات والأفراح والمعاناة، كل هذا له عواقب شخصية وجماعية. وهذه العواقب أخطر طالما استمر الحظر وكلَّما نزل المرء على السلم الاجتماعي.

هذه العواقب تتعرَّض باستمرار للإنكار والتقليل من شأنها. يتظاهرون بإخفائها وراء البديل التكنولوجي والذي نشعر مع ذلك بمحدوديته مع استمرار الحظر. يجري الرد بالقمع والاستنكار الأخلاقي على أولئك الذين يثقل عليهم الحبس، مما يعني إنكار الموضوع. ويُسدَّد الاتهام بالأنانية والتهويل أولئك الذين يشعرون بالقلق بشأن حالة الحريات العامة. على الرغم من أننا نعلم أنه خلال هذه اللحظات تسنُّ السلطات أسلحتها ضد هذه الحريات.

لإبقاء الناس في أماكنهم، يبعثون إليهم إما برسائل وأغاني مشاهير مرتاحين في مساكنهم الوثيرة، وإما عصا الشرطة والقاضي السعداء بـ”تقديم المثل”. يطلبون من الناس مواصلة مشاهدة العرض بشكل سلبي، دون تحرُّك، ودون تفكير. لكن أليس هذا نقيضًا للحياة الإنسانية؟

هذه الاستجابة الأخلاقية إشكالية للغاية. في صمت الحظر، تزداد حدة التوترات الاجتماعية والانشقاقات داخل المجتمع. يلوم الجميع جيرانهم على أفعالهم، وتزداد الاتهامات، وتتوالى الأحكام القضائية. تضعف أسس المجتمع الديمقراطي تحت تأثير مناخ الشك والقلق والخوف. وتصدير الإحساس بالذنب هو الخطوة الأولى نحو المطالبة بالانضباط الذي سيُعزَّز خلال الأزمة الاقتصادية. وهذا ما يجب أن نتحدَّث عنه.

إن الاستخفاف بالقضايا النفسية والسياسية والاجتماعية للحظر لصالح المبالغة في تقدير القضية الاقتصادية لهو أمرٌ ذو دلالة. من ناحية، يجعلون الأمر يبدو كنزوةٍ لأطفالٍ مُدلَّلين يجب أن يبقوا في بيوتهم ويمكنهم تحقيق ذلك بسهولة إذا أرادوا. ومن ناحية أخرى، يوجد سؤالٌ جدي حول الموازنة بين إيجابيات الحظر وسلبياته. لكن الواقع هو عكس ذلك تمامًا.

وهنا يكمن النقاش الذي يستحق أن يُخاض: بين الاستحالة الاجتماعية للحبس وضرورته الطبية. ويجب أن تكون مسؤولية قادتنا ألا يصبح الاقتصاد مشكلة حاليًا أو مستقبلًا. فهذه الأزمة إن علمتنا شيئًا وحيدًا فهو أنه من الآن فصاعدًا يجب أن تكون حماية الحياة في صلب السياسات العامة. لذا فإن على الاقتصاد الخضوع للإنسان، وليس العكس. ولذلك ينبغي للنقاش حول الحظر أن يجري بشكلٍ آخر.

يجب أن يكون النقاش حول كيفية تقليل العواقب الملموسة للحظر. وخلال هذا النقاش، يجب مواجهة الضرورة الصحية مع الضرورات الواقعية الأخرى لإيجاد الحلول أو لقبول القيود المؤقتة. هذا الحوار، مثل النقاش حول سياسة بديلة للصحة، يمكن أن يجري فقط إذا لم تتولَّاه وحدها دولةٌ تستخدم الحظر لإخفاء عيوبها وأخطائها، دون التطرُّق لأيِّ موضوع آخر. لأنه في منطق القوة -بدون قوة مجتمعية مضادة، تعد سياسة الحظر نعمة لهم: فهي تسمح بتعليق النقاش باسم “الحرب ضد الفيروس”، مع التأكيد على استئناف الحرب الاجتماعية بعد انتهاء الأزمة الصحية.

هذا هو السبب في أنه لا ينبغي أن يكون الحظر تعليقًا لحياة المجتمع والمتطلبات الديمقراطية. بل على العكس، يجب أن يكون هو الوقت الذي يُحدِّد فيه المجتمع أولوياته وينجح في إيجاد حلول للخروج من الأزمة وتجنُّب العقوبة التي يعدنا بها النيوليبراليون. إن الديمقراطية الاجتماعية، في قلب الأزمة الصحية، هي التي يحتاجها هذا العالم أكثر من أيِّ وقتٍ مضى.

– المقال مترجم عن صحيفة Media Part الفرنسية.