بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

قرارات ضم الأراضي الفلسطينية:

وقف جزئي أم إعلان حرب؟

أراضي الضفة

منذ أيام، صادرت قوات الاحتلال الإسرائيلية مئات الدونمات شمال أريحا واعتقلت 22 فلسطينيًا، وفي الشهر الماضي صادرت أيضًا عشرات الدونمات الزراعية جنوب غرب مدينة جنين المحاصرة بتسع مستوطنات إثر مصادرة أكثر من 100 ألف دونم على مر سنوات. وقبل شهرين من مؤتمر صفقة القرن، استولى الكيان الصهيوني على 7 آلاف دونم من الضفة الغربية وضواحي القدس والتي كان من المُقرَّر منحها ضمن الصفقة للسلطة الفلسطينية.

وعلى عكس تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي حول وقفٍ مؤقت لقرار ضم مزيد من الأراضي كبدء تنفيذ بنود صفقة القرن أوائل الشهر الجاري، لم تتوقف عمليات الاستيلاء يومًا منذ الاحتلال مرورًا بالمنحى التفريطي الخطير الذي عُرِفَ باتفاقية أوسلو.

وفقًا لاتفاقية أوسلو 2، قُسِّمَت الضفة الغربية إلى 3 مناطق، بحيث تقع المنطقة “أ” المكتظة بالسكان، والتي لا تزيد عن 5% من مساحة الضفة، تحت السلطة والإدارة الفلسطينية، فيما ضمَّت المنطقة “ب” مناطق ريفية من قرى وبلدات تشهد كثافة سكانية مرتفعة وتمنح الجانب الفلسطيني الإدارة، بينما يظلُّ الإبقاء على الأمن في يد الإسرائيليين. أما المنطقة “ج”، التي تشكِّل 60% من مساحة أراضي الضفة ومن أكثر المناطق الزراعية خصوبة، فقد استبعدت تمامًا التواجد الفلسطيني وكانت أكثر المناطق التي تعرَّض فيها الوجود الفلسطيني إلى الهدم والتهجير. رسمت الاتفاقية حدود منطقتي “أ” و”ب” كاملةً بينما لم تتعرَّض لأيِّ تفاصيل بشأن المساحة الشاسعة التي احتلَّها الكيان الصهيوني برضا تام من السلطة الفلسطينية “للعيش في أمان” وفقًا لبنود الاتفاق.

في هذا السياق، اعتمد الكيان الصهيوني اتجاهين لمزيدٍ من الاستيلاء؛ إما الحفاظ على وحدة الأراضي التي تخضع لسيطرتها في مساحات جغرافية متقاربة تضمن تكتلاتٍ سكنية موحدة تتسع مع الوقت، وإما مصادرة آلاف الدونمات الجديدة التي تتميَّز بضعف الكثافة العربية بما لا يهدِّد “أمن” إسرائيل في المناطق الجديدة، وهو الاختيار الأقرب الذي نتج عنه انتشارٌ إسرائيلي واسع تتخلَّله جيوبٌ لمناطق فلسطينية ضعيفة الكثافة والأمن، وأصبحت صفقة القرن هي مرحلة مُلِحَّة لدى الجانب الإسرائيلي في توحيد كتل المستوطنات المتفرقة بإضافة مساحات مُجمَّعة جديدة تمثِّل 30% من مساحة الضفة الغربية. فيما يصبح الوجود الفلسطيني مُشتَّت تربطه الأنفاق والكباري.

استطلاعات الرأي في الداخل الإسرائيلي سجَّلت تأييدًا لقرارات الضم بنسبة 50% فقط رغم أن توسيع الاستيطان هو المشروع الرئيسي الذي عكف عليه اليمين وحزب الليكود الحاكم في المقدمة. هذا ليس تضاربًا، فما يمكن تنفيذه في الواقع بالاستيلاء “الهادئ” الذي ينفِّذه الكيان الصهيوني يوميًا منذ 25 عامًا على الأقل لا يحتاج بالتالي إلى استصدار قوانين وصدامات واسعة وصفقات تجيِّش المقاومة وتربك المعادلة الأمنية الإسرائيلية سريعًا. لذلك فالرهان على إضعاف الصفقة من الداخل الإسرائيلي هو فشل كبير.

على الجانب الآخر، هدَّدَت السلطة الفلسطينية بإسقاط اتفاقية أوسلو إذا استمرت إسرائيل في المُضي قدمًا نحو صفقة القرن، وأن المفاوضات لن تتم إلا وفقًا للمعايير الدولية، وكالعادة لم يصدر سوى شجب دائم لممارسات الاحتلال في مصادرة الأراضي. لم يوضح الرئيس محمود عباس أيضًا آلية إسقاط الاتفاقية التي سمحت بموجبها إسرائيل بتدفُّق أموال الدول المانحة له بما يشمل رواتب موظفي السلطة نفسها، وبالطبع كان يدرك تمامًا أن التفريط في تنسيقه الأمني مع إسرائيل وتسليم المقاومين قضى على أيِّ خيار مسلح كبديلٍ يحميه.

السلطة الفلسطينية أفرغت نفسها كبوق ينفعل ويستنكر المواقف الدولية حول القضية الفلسطينية لكن لا تهدد أو تمانع قضم الأراضي المستمر رغم أنه الأخطر وقاد حرفيًا إلى الوضع الحالي. لذلك فالرهان أيضًا على مدى عمق تهديدات السلطة الفلسطينية هو فشل كبير.

في المقابل، عزَّزَ جيش الكيان الصهيوني قواته العسكرية واستنفارها نظرًا للقلق من التداعيات على الصعيد الشعبي والمقاومة المسلحة، إذ أعلنت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، أن إعلان الصفقة بمثابة إعلان حرب على الشعب تتطلَّب التصدي لها بالقوة. فيما اندلعت مظاهرات شعبية ومواجهات رافضة في الضفة الغربية.

لا يمكن قراءة وقف إعلان قرار الضم، للأسباب الأمنية السياسية التي أعلنت عنها إسرائيل، بمعزل عن حركة الاحتجاج العارمة في الولايات المتحدة الأمريكية ضد جرائم الاضطهاد. إن ترامب الداعم الأول لإسرائيل والمُخطِّط للصفقة تُزَلزَل الأرض تحت أقدامه على وقع عنصرية نظامه اليميني المُتطرِّف، وفي الوقت نفسه الذي تُساق فيه التحليلات حول نجاحه في انتخابات نوفمبر القادمة، تبقى المعادلة الشعبية في أمريكا وفلسطين وفي كلِّ بقاع الأرض هي قول الفصل في وجه الاحتلال والعنصرية.