بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عشر سنوات على ثورة تونس

ثورة تونس

عشر سنوات مضت على اندلاع الثورة التونسية. في هذا المقال نتناول كيف أسقطت تلك الثورة ديكتاتورًا وشجعت على المزيد من المعارك وهزت العالم.

قد تبدو الثورات وكأنها تأتي من العدم، كتلك التي بدأت في تونس قبل عقد من الزمن وغيرت العالم. لقد مرت عشر سنوات هذا الأسبوع منذ أن صب بائع الفاكهة محمد بوعزيزي (26 عامًا) البنزين على نفسه على أعتاب مكتب الحاكم في مسقط رأسه سيدي بوزيد، وصرخ قائلًا: “كيف تتوقع مني أن أكسب لقمة العيش”، ثم أشعل النار في نفسه.

كان هذا على خلفية قيام أفراد الأمن التونسي بشتم وضرب بوعزيزي، ثم مصادرة عربته في وقتٍ سابق من اليوم نفسه. ولأنه لم يملك المال لرشوة رجال الأمن، ذهب إلى مكتب الحاكم للمطالبة باستردادها. ولكن بعد أن تم تجاهله أشعل النار في نفسه.

نشأ بوعزيزي في أسرةٍ فقيرة بمنطقة تعاني التهميش، ومثل الكثير من الناس في مثل عمره، كافح ليكسب لقمة العيش لإعالة أسرته المكونة من ثمانية أفراد.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتعرَّض فيها لمضايقات من قبل أفراد الأمن، وقالت شقيقته ليلى للصحفيين: “ما نوع القمع الذي تتخيله ليجعل شاب أن يفعل ذلك”.

وأضافت: “في سيدي بوزيد، يتعرَّض كل من ليس لديه واسطة ولا أموال ليدفع الرشاوى للإذلال والإهانة ولا يُسمَح لهم بالعيش”.

كان لتصرف بوعزيزي صدى لدى أولئك الذين واجهوا نفس النوع من الفقر والبطالة. وكان أيضًا بمثابة صدمة لشرائح أوسع من المجتمع بما في ذلك قطاعات من الطبقة المتوسطة.

في نفس هذا اليوم – 17 ديسمبر – كان اليوم الأول للثورة في تونس. تحوَّل الحشد الذي تجمَّع في سيدي بوزيد إلى نوع من الاحتجاج، الذي نادرًا ما كانت تشهده المدينة، ومن ثم انتشرت احتجاجاتٌ مماثلة في مدن أخرى، والتي كانت تعاني من مستوى بطالة أعلى من المعدل الوطني البالغ 13%.

كما صرح الاشتراكي التونسي جوهر باني، لصحيفة لعامل الاشتراكي البريطانية، فإن “التوزيع غير العادل للثروة كان دافعًا مهمًا للثورة في تونس”. فالمدن التي لا يجد فيها الناس وظائف، كانت من القضايا التي دفعت الثورة إلى الأمام.

القمع
وأضاف باني: “لقد بدأت الثورة من المناطق المُهمَّشة البعيدة عن العاصمة، التي يوجد فيها افتقارٌ أكبر للفرص ثم انتقلت إلى المدن والعاصمة”. وفي الواقع، كانت المظاهرات ضد البطالة في منطقة قفصة بتونس عام 2008 قد قدَّمَت لمحةً عمَّا يدور في البلاد وما يحمله المستقبل.

كان العاملون في مناجم الفوسفات في المنطقة مصدر الدخل الوحيد لأسرهم بأكملها. لذلك عندما تظاهر العاطلون عن العمل، أضرب عمال مناجم الفوسفات عن العمل معهم. لقد تحوَّلت إلى انتفاضة صغيرة، لكنها لم تتجاوز مدينة “قفصة” وقُمِعَت في نهاية المطاف.

انتشرت احتجاجات عام 2010، وسرعان ما استهدفت النظام. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن البطالة كانت مرتبطةً بشكلٍ واضح بالفساد الحكومي.

السبب الآخر هو قمع الدولة، إذ عملت ديكتاتورية بن علي، التي استمرت 23 عامًا، على الإبقاء على انخفاض الأجور وظروف العمل السيئة بمساعدة القمع الوحشي من قبل الأمن.

قال جوهر: “يمكن ربط كل شيء بالديكتاتورية، فالديكتاتورية حافظت على مصالح الأقلية. والناس الذين يعانون القمع هم الفقراء. عندما يقاتلون رجال الأمن يعرفون أنهم يحاربون نفس النظام الذي يقمعهم منذ سنوات”. ومع استمرار الاحتجاجات، اشتدَّ قمع الأمن إلى حدِّ القتل.

المقاومة
في سلسلة من المجازر، أطلق قناصة النظام المسلحون النار على مظاهراتٍ في مدينتي القصرين وتالة بوسط تونس.

لكن القمع حفَّزَ المزيد من الحركة، وامتدَّت المظاهرات إلى المدن الكبرى والمدارس والكليات والجامعات. وبدأ المتظاهرون بالمطالبة بإسقاط بن علي.

دفعت الانتفاضة بشكلٍ حاسم أكبر اتحاد نقابي في تونس، وهو “الاتحاد العام التونسي للشغل”، إلى التحرُّك. ومثل قادة النقابات في كل مكان، رأى المسؤولون عن الاتحاد العام التونسي للشغل دورهم كوسيطٍ بين أعضائهم والطبقة الحاكمة في تونس.

كان قادة الاتحاد العام التونسي للشغل قريبين جدًا من نظام بن علي، الذي اعتمد عليهم لاحتواء مقاومة العمال. لكن مع انتشار الثورة، خَضَعَ الاتحاد العام التونسي للشغل لضغوطٍ من أعضائه، وانضم الكثيرون بالفعل إلى الاحتجاجات وشرعوا في تنظيم الإضرابات بأنفسهم.

دعا الاتحاد العام للشغل إلى إضرابٍ عام يوم 14 يناير. وفي اليوم السابق للإضراب، ألقى بن علي خطابًا يائسًا قدَّم فيه تنازلات، وقوبل ذلك بغضبٍ في الشارع. وفي يوم الإضراب، أعلن حالة الطوارئ، وبالرغم من تحوُّل الجيش ضده واعتقاله لبعض أفراد عائلته، فرَّ بن علي إلى السعودية.

لم تنته الانتفاضة عند هذا الحد، إذ أعلن رئيس الوزراء محمد الغنوشي أنه سيتولَّى منصب الرئيس المؤقت. لكن التونسيين أرادوا تغيير النظام بأكمله.

خرجت العديد من الاحتجاجات الضخمة إلى الشوارع. ورغم أن قادة الاتحاد العام للشغل دعموا الحكومة الجديدة، استمر أعضاؤه في الإضراب في العديد من المدن في أنحاء البلاد. وبحلول 27 فبراير، طردوا الغنوشي وحكومته أيضًا.

تردَّدت أصداء الثورة في جميع أنحاء العالم. لقد حطَّمَت الأفكار التي استخدمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها لتبرير حروبهم وتدخُّلهم في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لقد ادعوا أن العرب والمسلمين محافظون للغاية، لذا فإن “الديمقراطية” لا يمكن أن تأتي إلا من خلال الغزو، والتقدُّم من خلال السوق الحرة.

لكن تلك الثورات من أجل “الديمقراطية الحقيقية” هدَّدَت الدكتاتوريين الذين اعتمدوا عليهم للتعاون مع القوة الأمريكية. وما حدث في تونس ألهم ثوراتٍ وانتفاضاتٍ في دولٍ عربية أخرى. فبعد أيام قليلة من سقوط بن علي، بدأت الثورة المصرية بمظاهرات ضخمة في 25 يناير. وهتف المتظاهرون “ثورة في تونس.. ثورة في مصر”. لقد ألهمت الناس في بلدانٍ أخرى أيضًا.

أصبح عام 2011 عام احتجاجاتٍ وانتفاضاتٍ ضد التقشف وسياسات السوق الحرة نفسها التي أشعلت الثورة التونسية. كان هناك شعورٌ بأن المقاومة ممكنة ويمكن أن تنتصر. فكانت الثورة في تونس هي البداية لتلك الاحتجاجات.

بالنسبة للاشتراكيين، كان هذا دليلًا على أن الثورة يمكن أن تصبح حقيقة، وليس تاريخًا بائدًا أو نظريةً مجردة، وأنه كان هناك بديل للقيود البرلمان المُحبِطة والأحزاب العمالية التي كانت مرآةً لليمين. أظهر ذلك العام أن الثورة ممكنة، ويمكنها تغيير العالم.

* المقال بقلم نِك كلارك – صحيفة العامل الاشتراكي البريطانية