بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ضغوط ثورية.. دروس الانتفاضة في نيجيريا

نيجيريا

بقلم: بابا آي *

لعدة أسابيع في أكتوبر 2020، خرج عشرات الآلاف إلى شوارع نيجيريا للاحتجاج على وحشية الشرطة. جاءت الاحتجاجات بعد أنباء متداولة أفادت بأن الفرقة الفيدرالية الخاصة لمكافحة السرقة (سارس) قتلت شابًا يدعى أوتشوكو في بلدة أوغيلي بمنطقة دلتا النيجر. في الواقع، تعرَّض أوتشوكو للعنف من قبل وحدة شرطية محلية وليس “سارس”، ولم يلق حتفه. ومع ذلك، فإن بركان الغضب الجماهيري قد انفجر، ولم يكن ليقتصر تلك المرة على مطلب حلِّ فرقة “سارس”، بل ليصبح، على حدِّ تعبير أحد الصحفيين، “أقرب إلى ثورة”.

بعد عدة محاولات لإخماد الاحتجاجات السلمية بالبلطجية المأجورين، حاولت الدولة في النهاية إغراقها في الدماء من أجل تفادي التحدي الكامل لسلطتها. لقد بدأ الأمر بخمسة أيام من الغضب، مدفوعةً بمزيجٍ من القوى الاجتماعية، والتي وصفتها الطبقة الحاكمة ووسائل الإعلام “بقُطَّاع الطرق”. أُضرِمَت النيران في أكثر من 200 مركز للشرطة وقُتِلَ 22 شرطيًا. وقعت 4 حالات هروب من السجن؛ حيث هدم مئات الشباب بوابات السجن وانتفض السجناء. نُهِبَت مراكز التسوُّق والشركات التي يملكها مؤيدون النظام، وأُشعِلَت النيرن فيها. وهاجَمَ عشرات الآلاف من المحتجين في عدة ولايات المخازن التي تحتفظ فيها الحكومة بالمواد الغذائية، التي كانت من المفترض أن تخفِّف من عبء الوباء على الفقراء.

يبدو الآن أن الفصل الأول من الدراما الثورية قد وصل إلى نهايته. كانت هناك بعض الجهود لإعادة إشعال جمرات الحركة؛ كالمظاهرات التي دُعِيَ لها في لاجوس وأبوجا في بداية نوفمبر. ومع ذلك، فقد قُضِيَ على هذه المظاهرات بوحشيةٍ من قبل الشرطة، التي شنَّت حملةً على المنظمين. وعلى الرغم من ذلك، فإن تدهور الظروف المعيشية وحالة الضباب السياسي وتجديد ثقة الجماهير في النضال تشير إلى تعميق الضغوط الثورية في نيجيريا.

خلفية التمرد
تُعَدُّ فرقة “سارس” هي الأكثر شهرة من بين 14 وحدة تشكِّل الشرطة الفيدرالية. تم تأسيسها عام 1992 لمكافحة الارتفاع الحاد في الجريمة، والذي تطوَّر في أعقاب فرض برنامج التكيُّف الهيكلي المدعوم من صندوق النقد الدولي في الثمانينيات. ومع ذلك، اشتهر أفراد فرقة “سارس” بالوحشية والتعذيب والقتل دون رادعٍ أكثر من جهودهم للحدِّ من الجرائم. وقد وثَّقت منظمة العفو الدولية بعض الفظائع التي ارتكبتها الفرقة في سلسلة من التقارير.

مع زيادة عمليات الاحتيال عبر الإنترنت في مطلع القرن، حوَّلَت فرقة سارس تركيزها إلى القبض على المحتالين عبر الإنترنت أكثر من اللصوص المسلحين. وصار الشباب الذين يحملون أجهزة لابتوب وهواتف آيفون حديثة في عداد المُشتَبَه بهم. كان للشكل أيضًا دورٌ في اعتقالهم، فالشعر المَجدول أو الوشم يجعل المرء أيضًا مشتبهًا به. كان على ضحاياهم دفع مبالغ طائلة لاستعادة حريتهم، وهؤلاء هم المحظوظون؛ إذ يتعرَّض آخرون للتعذيب للإدلاء بـ”اعترافات”. كانت هذه الممارسات الشنيعة متفشيةً للغاية إلى درجة أن معظم الشباب في المناطق الحضرية إما لديهم تجربة شخصية مريرة مع “سارس” وإما يعرفون شخصًا لديه.

إن همجية “سارس” وحدها لا تفسِّر انفجار السخط في أكتوبر، فهناك تاريخٌ طويل من وحشية الشرطة في نيجيريا يمتد إلى الحقبة الاستعمارية. كانت هناك أيضًا احتجاجاتٌ سابقة ضد عنف الشرطة، رغم تضاؤلها مقارنةً بحركة المطالبة بحلِّ فرقة سارس. حَشَدَ هاشتاج #EndSARS المقاومة ضد وحشية الشرطة لأول مرة عام 2016، مما أدى إلى سلسلةٍ من المظاهرات المحلية. وقد اشتدت المقاومة على خلفية تفاقم فظاظة ووحشية الحياة بالنسبة لأبناء الطبقة العاملة. ففي عام 2018، تفوَّقت نيجيريا على الهند باعتبارها الدولة التي تضم أكبر عدد من الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر في العالم -وقد ساء الوضع منذ ذلك الحين. بحلول الربع الثاني من عام 2019، كان 105 مليون نسمة من سكان البلاد البالغ عددهم 214 مليون يعيشون تحت خط الفقر، مقارنةً بـ 90 مليونًا في عام 2018.

يشكِّل البترول ثلثي عائدات نيجيريا، وبالتالي كان لتباطؤ الاقتصاد العالمي في عام 2020 تأثيرٌ شديد دَفَعَ البلاد نحو الركود الثاني خلال خمس سنوات، بعد الانكماش السابق في عام 2016. وجعلت جائحة كورونا وضع العمال أسوأ، إذ تم تسريح عشرات الآلاف من العاملين في القطاعين العام والخاص أو خُفِضَت أجورهم. ولم تدفع ثلث الولايات بعد الحد الأدنى الوطني الجديد للأجور البالغ 77 دولارًا، رغم مرور أكثر من عامٍ من تشريعه. وارتفع معدل البطالة من 23.1% في الربع الثالث من عام 2019 إلى 27.1% بنهاية الربع الثاني من عام 2020، وارتفع معدل البطالة المقنَّعة من 20.1% إلى 28.6% خلال الفترة نفسها. وقد تحمَّل الشباب العبء الأكبر لهذه التجربة المؤسفة؛ إذ بلغ عدد العاطلين عن العمل 13.9 مليونًا بحلول الربع الثاني من عام 2020.

قاوم العمال عن طريق موجة من الإضرابات، لا سيما في قطاعيّ الصحة والتعليم. بدأ ذلك بتعبئةٍ قاعدية، غالبًا ما كانت ضد البيروقراطية النقابية. انتزع الأطباء بعض التنازلات، لكن الحكومة لم تستجب لمطالب أساتذة الجامعات، الذين كانوا يحتجون منذ مارس. ولزيادة الطين بلة، رفعت الحكومة أسعار الوقود وتعريفة الكهرباء في بداية سبتمبر. وبعد الكثير من التردد، دعا مؤتمر العمال النيجيري ومؤتمر النقابات العمالية، وهما المركزان النقابيان الوطنيان في البلاد، إلى إضرابٍ عام في 28 سبتمبر للمطالبة بإلغاء هذه الزيادات. غير أن الإضراب أُعلِنَ فضه بعد 11 ساعاة فقط. وردًا على من يتهمهم بالخيانة، أوضح الأمين العام للمجلس الوطني، إيما أوجبواجا، أن النقابات ليست حركةً ثورية ولن تُستخدَم “لزعزعة الاستقرار”، وفي تأكيده على التزام النقابات بالحوار، أضاف أن أولئك الذين يشعرون بالحاجة للنضال يتعيَّن أن يمضوا قدمًا وأن يفعلوا ذلك بدون الحركة العمالية. وأيَّد الأمين العام لاتحاد النقابات العمالية، موسى لاوال، هذا الرأي قائلًا إن النقابات كانت “أكثر حكمة” ووقفت للدفاع عن “المصلحة الوطنية” ضد من هم خارجها، الذين أرادوا الاستفادة من إضرابٍ عام من أجل نضال أكثر راديكالية.

بينما انتقت النقابات العمالية معاركها، شنَّ حزب المؤتمر التقدمي الحاكم حربًا شاملة ضد حقوق الإنسان والفقراء. اتخذت صحيفة The Punch، وهي صحيفة يومية كبرى، موقفًا ضد ما أسمته “فوضى” النظام في ديسمبر 2019، وأعلنت أنها ستصفه من الآن فصاعدًا الرئيس محمد بخاري بـ”اللواء”، وهو منصب رئيس أحد المجالس العسكرية الوحشية التي حكمت الجمهورية في الثمانينيات. أصبح حزب المؤتمر الشعبي العام أول حزب معارض يفوز بالانتخابات الفيدرالية في عام 2015، وأصبح اللواء بخاري (المتقاعد) رئيسًا للبلاد. ويُعَدُّ حزب المؤتمر التقدمي، الذي ينتمي إليه بخاري، اندماجًا بين خمسة أحزاب برجوازية إقليمية كانت قد اتَّحدَت معًا بعد إضرابٍ عام واحتجاجاتٍ جماهيرية هزَّت حزب الشعب الديمقراطي الحاكم في عام 2012. وفي ظلِّ غياب بديل يساري لحزب الشعب الديمقراطي، الذي حكم البلاد منذ عودة الحكم المدني في عام 1999، استغلَّ حزب المؤتمر التقدمي موجات الانتفاضة عام 2012، واعدًا بالتغيير.

نجح حزب المؤتمر التقدمي بقيادة بخاري في التمسُّك بالسلطة في الانتخابات العامة التي جرت في فبراير ومارس 2019، والتي شابها العنف وشراء الأصوات. ومع ذلك، ولأول مرة هذا القرن ظهر تشكيلٌ يساري راديكالي على ورقة الاقتراع، وهو مؤتمر التحرُّك الإفريقي. تشكَّل هذا الحزب اليساري الإصلاحي في منتصف عام 2018، وجاء في المرتبة العاشرة من بين أكثر من 70 حزبًا ترشَّح في الانتخابات، وفاز بما يقرب من 34 ألف صوت (0.12%) لمرشحه في الانتخابات الرئاسية. إنه حزبٌ يمنح الأولوية للتعبئة الجماهيرية خارج البرلمان، وأصبح أكثر راديكالية بعد الانتخابات، إذ نظَّم سلسلةً من الحملات ضد عدم انتظام الإمداد بالطاقة ومن أجل الحقوق الديمقراطية. كان للحزب دورٌ محوري في تشكيل “الائتلاف من أجل الثورة” جنبًا إلى جنب مع منظماتٍ اشتراكية، مثل رابطة العمال والشباب الاشتراكيين، واتحاد منظمة العمال غير الرسميين. كانت هذه هي المرة الأولى منذ فترة طويلة التي تشهد فيها نيجيريا تشكيل يساري يتمتَّع بقاعدةٍ جماهيرية تُذكَر.

في 5 أغسطس 2019، أطلق “الائتلاف من أجل الثورة” حملة “الثورة الآن”. في ذلك اليوم، بحث خمسة ملايين شخص في البلاد عن كلمة “ثورة” على الإنترنت. ومنذ ذلك الحين، نظم الائتلاف سلسلةً من “أيام الغضب” على الصعيد الوطني. كان آخرها في الأول من أكتوبر، الذكرى الستين لاستقلال نيجيريا. شكَّل الائتلاف من أجل الثورة وحلفاؤه القسم الرئيسي من اليسار، ولم يكن من قبيل الصدفة أن يحتلَّ الائتلاف مكانه حين اندلعت الاحتجاجات الأخيرة.

ثلاثة عشر يومًا هزَّت نيجيريا
في 3 أكتوبر، انتشر مقطع الفيديو الذي يُظهِر أوتشوكو غارقًا في دمائه كالنار في الهشيم. بحلول اليوم التالي، صدرت دعواتٌ عبر الإنترنت للاحتجاج على مستوى البلاد من قِبَلِ موسيقيين بارزين، وأومويلي ساور، رئيس مؤتمر التحرُّك الإفريقي. اندلعت الانتفاضة في 8 أكتوبر في العاصمة أبوجا، والمدينة التجارية الرئيسية لاجوس. وبعد ذلك، انتشرت إلى حوالي 12 ولاية من ولايات البلاد الـ36، وواصلت الانتشار حتى اجتاحت أكثر من 20 ولاية. احتلَّ ما لا يقل عن ألفيّ شخص مدخل مجلس النواب في منطقة ألاوسا بولاية لاجوس. وظلَّ المئات يبيتون هناك حتى 20 أكتوبر. وبحلول اليوم التالي، استولى الآلاف أيضًا على بوابة “ليكي تول بلازا” الرئيسية. وصارت مدينتان في ضواحي لاجوس مركزين نائيَّين للثورة. أصبح مركز المدينة في أبوجا نقطة التقاء، كما كان الحال في أماكن أخرى.

جادَلَ نشطاء الائتلاف من أجل الثورة منذ البداية بأن وحشية الشرطة متأصلة في النظام الرأسمالي الاستغلالي وأثاروا مطالب أكثر راديكالية، مثل إسقاط النظام. لقد واجهوا هجماتٍ من الجناح الليبرالي للحركة، الذي ابتزَّ الائتلاف بدعوى أنه يريد “سرقة” الحركة الجماهيرية من أجل تنفيذ أجندته “الثورة الآن”. كان هذا أحد سببين رئيسيَّين للإصرار على أن تكون الحركة “بلا قيادة”، إلى جانب عدم الرغبة في تمكين القادة الذين من الممكن أن يقدِّموا تنازلات كما فعلت البيروقراطية النقابية. أدى الجدال حول المدى الذي يجب أن تتصاعد إليه مطالب الحركة إلى انسحاب الليبراليين من وسط ألاوسا بولاية لاجوس في غضون 72 ساعة. ومن ثم تولَّى نشطاء الائتلاف من أجل الثورة تنسيق الحركة، تمامًا كما فعلوا في مدينتيّ إيكورودو وباداجري النائيتين. وبشكلٍ عام، كان نشطاء الائتلاف أنشط في تقديم القيادة داخل مناطق الطبقة العاملة. لكن الجناح الليبرالي للحركة، الذي ضمَّ مشاهير وائتلافًا نسويًا من اثنتي عشرة “امرأة استثنائية”، كان أنشط على تويتر، وسيطر على السردية المُتداوَلة على الإنترنت. لعب الجناح الليبرالي أيضًا دورًا محوريًا في جمع التبرُّعات؛ إذ جَمَعَ التحالف النسوي على وجه الخصوص أكثر من مائتيّ ألف دولار بحلول الوقت الذي قُمِعَت فيه الحركة. واستُخدِمَت هذه الأموال للمساعدة القانونية والإغاثة الطبية للمتظاهرين، وكذلك لتوفير الطعام. وكان الكثير من الناس الآخرين، بما في ذلك روَّاد المطاعم في مدنٍ مختلفة، يدعمون الحركة بالطعام والشراب.

في غضون أيام، أدرك النظام أنه يواجه انتفاضة. كان المزاج في الشوارع حماسي، حتى أنه كان أشبه بالاحتفال في العديد من الأماكن؛ حيث غنَّى الموسيقيون المشهورون. كان العمال الشباب والمهنيون والحرفيون وغيرهم يشعرون بالقوة التي حازوها بين أيديهم من خلال هبَّتهم الجماعية وهم يهتفون بمطلب الحلِّ الفوري لفرقة سارس. في 11 أكتوبر، أقرَّت الحكومة ما بدا أنه تنازلٌ، إذ أعلنت حظر فرقة سارس، وحثَّت المتظاهرين على العودة إلى ديارهم. ولكن لا يلدغ المرء من جحر مرتين، فقد أصدرت الحكومة هذا القرار ثلاث مرات في السنوات الأربع الماضية. استمرَّت الاحتجاجات في اليوم التالي، وردَّت الدولة بالغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والهراوات واعتقال المتظاهرين، خاصةً في أبوجا. ومع ذلك، أعاد المحتجون توحيد صفوفهم، وفي تحدٍ للدولة قدَّموا مجموعةً من المطالب تتكوَّن من خمس نقاط، وأطلقوا على هذه المطالب اسم “5 من أجل 5″، مما يعني أنه يجب تنفيذ المطالب الخمس: إطلاق سراح جميع المتظاهرين المعتقلين، وإنصاف جميع ضحايا وحشية الشرطة المتوفين وتعويض أسرهم، وتكوين هيئة مستقلة للإشراف على التحقيق في جميع التقارير المتعلقة بسوء سلوك الشرطة، والتقييم النفسي وإعادة تدريب جميع الضباط من “سارس”، وزيادة مرتبات الشرطة.

وفي محاولة لاستعادة السيطرة على الوضع، استدعت لجنةٌ رئاسية، تشكَّلَت على عجالة للبتِّ في موضوع إصلاحات الشرطة، “كلَّ من يهمه الأمر” في 13 أكتوبر. وشمل ذلك الاستدعاء الهيئات الرأسمالية الخيرية والمنظمات غير الحكومية الدولية مثل مؤسسة “ماك آرثر”، وشبكة “مؤسسات المجتمع المنفتح”، فضلًا عن المنظمات غير الحكومية المحلية. وانضم إليهم بعض الشخصيات الليبرالية داخل الحركة، “التي لا قيادة لها”، مثل الموسيقار الشعبي فولارين “فالز” فالانا. ووافق المفتش العام للشرطة، الذي نظَّم الاجتماع بالاشتراك مع اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، على مطالب “5 من أجل 5”. ومع ذلك، أعلن بعد ساعاتٍ قليلة أن فرقة سارس قد حلَّت محلها وحدة أسلحة وتكتيكات خاصة. إنهما وجهان لعملةٍ واحدة، وهذا الاستبدال زاد ببساطة من تصميم المتظاهرين على مواصلة النضال. أصبحت المطالب الأكثر جذرية من حلِّ فرقة سارس تتمتَّع بصدى شعبي، بما في ذلك الدعوات لخفض رواتب الموظفين العموميين بدلًا من زيادتها و إنهاء الظلم.

في هذه المرحلة، أصبحت الدولة أكثر قمعيةً ومكرًا، فقد هاجم البلطجية المستأجرين من الدولة المتظاهرين في عدة مواقع. وفي أبوجا، أُضرِمَت النيران في العشرات من سيارات المتظاهرين. وفُبرِكَت سردياتٌ إثنية إقليمية تقدِّم حركة المطالبة بحلِّ “سارس” كمشروعٍ جنوبي يهدف إلى إطاحة رئيس جاء من شمال البلاد. كان هناك اهتمامٌ خاص لوقف انتشار المظاهرات إلى الولايات الشمالية، حيث لم يكن المتظاهرون بنفس الأعداد.

بحلول اليوم الثاني عشر، قُتِلَ أكثر من عشرة متظاهرين في أجزاءٍ مختلفة من البلاد. ومن بين هؤلاء، كان هناك اثنان من نشطاء الائتلاف من أجل الثورة؛ قُتِلا في ولاية أوسون على يد بلطجية الحزب الحاكم في حضور حاكم الولاية. هاجم الشباب الغاضب موكب الحاكم أثناء مغادرته. وفي ولاية إيدو الغربية الوسطى، اقتُحِمَ سجنان وأُطلِقَ سراح السجناء منهما. وفي لاجوس، أُحرِقَ مركز شرطة رئيسي يشتهر بالتعذيب. وطُورِدَ ضباط الشرطة في عدة أجزاء من الولاية. بدأ نداء “بخاري يجب أن يرحل”، الذي أطلقه نشطاء “الثورة الآن”، يتردَّد داخل المظاهرات. كانت الانتفاضة تتخلَّى عن “شبه الثورية” وتبدأ في رفع شعار “الثورة” على رايتها.

حمام الدم وآثاره
أغرقت الدولة الثورة الوليدة في الدماء في 20 أكتوبر. كانت ولاية لاجوس مركز المذبحة. حوالي الظهيرة، أعلن حاكم ولاية لاجوس، باباجيد سانو أولو، حظر تجوُّلٍ لمدة 24 ساعة. كان من المُقرَّر أن يدخل حيز التنفيذ بحلول الساعة الرابعة مسًاء، ولكن تغيَّر ذلك لاحقًا إلى التاسعة مساءً. ولكن بحلول الساعة الرابعة والنصف مساءً، قام فرقةٌ مشتركة من الجنود والشرطة بتفقُّد الوضع في ألاوسا. ولكن سرعان ما لاحَظَ نشطاء الائتلاف من أجل الثورة الأمر وبدأوا بتنسيق انسحاب منظم للمتظاهرين قبل العودة المتوقعة لقوات الأمن في السابعة مساءً.

عُطِّلَت كاميرات المراقبة في محيط بوابة ليكي تول، وأُطفِئت الأضواء الكاشفة، وتقدَّم الجنود بحلول الساعة السابعة إلا ربع مساءً. كان هدفهم الواضح هو القتل من أجل بثِّ الرعب في نفوس أعضاء الحركة. أُشعِلَت النيران عند المدخلَين وعند نقاط الخروج، ثم بدأوا في إطلاق النار. التُقِطَ هذا بالكاميرات وانتقل إلى وسائل التواصل الاجتماعي. واتَّصَلَ المتظاهرون بسيارات الإسعاف، لكن الجنود منعوا دخولها.

أثارت هذه الأحداث الغضب في الأيام التالية حيث أُضرِمَت النيران في أقسام الشرطة والسجون والعديد من المباني الحكومية. أُحرِقَت محطة التلفزيون ومكاتب الصحف الخاصة بأحمد تينوبو، حاكم ولاية لاجوس السابق وزعيم حزب المؤتمر التقدمي. واستولى المتظاهرون على علاجات كوفيد-19 من المستودعات الحكومية، في حين أصبحت الحشود أقل في بعض الولايات مِمَّا كانت عليه خلال الاحتجاجات السلمية السابقة. امتد هذا الأمر إلى الشمال؛ حيث تمكنت الشرطة في وقت سابق من وقف المظاهرات. واعتُقِلَ ما لا يقل عن 500 شخص فيما بعد بتهمة “النهب”، معظمهم من الذين اعتُقِلوا خلال عمليات تفتيش المنازل، وتهمتهم أخذ علاجات الكورونا التي مُنِعَت عنهم من قِبَلِ السلطات. وفرضت اللجنة الوطنية للبث، التي يرأسها أحد أنصار حزب المؤتمر التقدمي، غرامةً على ثلاث محطات تلفزيونية بسبب تغطيتها للاحتجاجات. ولم يسلم المنظمون والمتطوعون الذين تم تحديد هويتهم أثناء مشاركتهم في الاحتجاجات. تم تجميد حساباتٍ مصرفية لـ 20 شخصًا، وصدرت للمطارات قوائم “منع من السفر”، والتي ظهرت عندما صودِرَ جواز سفر محامية -كانت قد قدَّمت خدمات قانونية مجانية- في مطار لاجوس الدولي أثناء محاولتها السفر إلى جزر المالديف لقضاء عطلة. اعتُقِلَ نشطاء الائتلاف من أجل الثورة في مُجمَّع الجمعية الوطنية في أبوجا لرسمهم جرافيتي على الجدران، واعتُقِلَ آخر في لاجوس بعد تعقُّبه من خلال رقم هاتفه المذكور في المنشورات.

على الرغم من أن العصا القمعية هي الإستراتيجية الرئيسية للنظام، يستخدم هذا النظام الجزرة أيضًا عن طريق لجان التحقيق القضائية لبحث الانتهاكات التي ارتكبتها “سارس”، ولقد كُشِفَ حجم هذه الانتهاكات من قبل تلك اللجان.

سيكون من المستحيل على النظام أن يخمد شرارة التمرُّد مرة أخرى. فمن ناحية، ستنفذ الحكومة مزيدًا من الإجراءات المناهضة للفقراء فيما يتعلق بالشروط المرتبطة بقرض الصندوق النقد الدولي والذي تلقته في مارس بقيمة 3.4 مليار دولار. ومن ناحيةٍ أخرى، كانت انتفاضة أكتوبر لحظةً حاسمة جدَّدَت روح النضال بين الفقراء. لن تكون البيروقراطية النقابية قادرةً على كبح جماح العمال المنظمين، القوة الاجتماعية المفقودة هذه المرة، مع اشتداد الضغوط الثورية في أوساط القواعد النقابية وفي الشوارع. ومن المُرجَّح أن يؤدي هذا إلى نسخةٍ مُصغَّرة مِمَّا حدث في عام 2012. ففي ذلك الوقت، اضطرَّت البيروقراطية النقابية إلى الدعوة على وجه السرعة إلى إضرابٍ عام، عندما قال مسؤولون نقابيون على مستوى الدولة إنهم “سيُرجَمون” إذا عادوا إلى ولاياتهم دون عزمٍ ملموس على النضال.

ولكن السؤال هو ما مدى استعداد اليسار الثوري لإشعال الثورة؟!

* المقال مُترجَم من مجلة الاشتراكية الأممية البريطانية.
** بابا آي: عضوٌ قيادي في رابطة العمال والشباب الاشتراكيين في نيجيريا، وعضوٌ مشارك في “الائتلاف من أجل الثورة”.