جذور مشكلة ايرلندا الشمالية
تعود أصول المسألة الأيرلندية إلى القرن الثاني عشر حينما أسفرت محاولات الإقطاعيين الإنجليز للسيطرة على أيرلندا عن احتلال جزء صغير من الساحل الشرقي، وفي ظل التنافس المحموم على المستعمرات بين الدول الأوروبية في القرن السادس عشر انطلقت إنجلترا لاحتلال أيرلندا كلها كمستعمرة تمدها بالحبوب والغلال، وبعد انتصارها حرصت إنجلترا على زرع مستوطنين بروتستانت في شمال أيرلندا وفرض الكنيسة الإنجيلية البروتستانتية على شعب أيرلندا الكاثوليكي لتثبيت دعائم الاستعمار.
بالرغم من منحها مزايا لملاك الأراضي البروتستانت، كانت البرجوازية الإنجليزية الصاعدة حريصة على عدم تحول أيرلندا إلى منافس اقتصادي، فمع بداية الثورة الصناعية فرضت تعريفات جمركية باهظة على الصادرات الأيرلندية لإنجلترا ومنع الأيرلنديين من تصدير منتجاتهم لأي سوق آخر.
وقفت تلك الإجراءات كعقبة في طريق تطور أيرلندا الاقتصادي والاجتماعي، فقد كانت هناك طبقة برجوازية أيرلندية ببلفاست (معظمها بروتستانت) تريد أن تصعد إلى السطح ولكن الاستعمار الإنجليزي يخنقها، رأت تلك الطبقة مصلحتها في أن تستقل أيرلندا بعيداً عن التاج البريطاني لإتاحة الفرصة النمو للرأسمالية الأيرلندية الصاعدة، ومن هنا ولدت حركة “الأيرلنديين المتحدين” عام 1791 مستلهمة نجاح الثورة الأمريكية والفرنسية وشملت الحركة بروتستانت وكاثوليك معا للمطالبة بجمهورية مستقلة عن بريطانيا.
قمعت بريطانيا الحركة تماما عام 1798 وحرصت بعدها على إدماج اقتصاد بلفاست وباقي المدن الشمالية بالاقتصاد البريطاني، وترك الجنوب على تخلفه يئن من الإقطاع.
أدى هذا التحول في البنية الاقتصادية التحتية إلى تحول في البناء الفوقي للمجتمع الأيرلندي، فانقسمت الطبقة الحاكمة الأيرلندية على نفسها فرأت الطبقة الحاكمة بالشمال (معظمها بروتستانت) مصالحها مرتبطة عضويا باتحادها مع بريطانيا، في حين رأت البرجوازية الجنوبية ضرورة الاستقلال الجمهوري عن بريطانيا لتنمية أيرلندا، وهنا بدأ الصراع بين الأيديولوجية “الاتحادية” و”الجمهورية”.
شهدت أيرلندا مجاعة في عام 1845 بسبب فساد محصول البطاطس الذي يعتمد عليه الفلاحون ورفض ملاك الأراضي إمداد الفلاحين بالحبوب والغلال التي كانت تملأ خزائنهم واستمروا في التصدير حتى لا تتأثر أرباحهم، كانت النتيجة موت 2 مليون فلاح وهجرة مليون آخر.
شهد القرن التاسع عشر انتفاضات فلاحية وبوادر حركات نضالية عمالية، لكن نقطة التحول جاءت عام 1907 حينما قاد النقابي الكاثوليكي جيمس لاركين عمال الموانئ والنقل بأيرلندا في إضراب عام ومظاهرات حاشدة انضمت إليها قوات البوليس نفسها، تبع ذلك نمو كبير في عضوية النقابات العمالية وانتشار الإضرابات، وفي عام 1916 قاد الاشتراكي الثوري جيمس كونولي مئات من عمال دبلن في انتفاضة مسلحة ضد الاحتلال، ولكن الانتفاضة قمعت وأعدم كونولي.
على عكس الحركة الاشتراكية، حاولت الحركة الجمهورية منذ البداية طمس معالم الصراع الطبقي الأيرلندي ودعت العمال “للانتظار” حتى تستقل أيرلندا، ثم كشف قادة الجيش الجمهوري الأيرلندي عن وجههم البرجوازي القبيح حينما أوقفوا حملتهم ضد الاحتلال عام 1921 ووقعوا اتفاقية مع بريطانيا تقسم بمقتضاها أيرلندا ويبقى الشمال تحت سيطرة البريطانيين ويستقلون هم بالجنوب لتطويره وتنميته رأسماليا بعيدا عن الهيمنة البريطانية، وحرص الاتحاديون في الشمال على أن يضموا المناطق ذات الأغلبية البروتستانتية والغنية بالصناعات المتطورة.
بعد حرب أهلية استمرت ثلاث أعوام بالجنوب بين مؤيدي ومعارضي الاتفاقية استقر الوضع وسيطر على الحكومة حزب “فينوفويل” بقيادة ديفليرا -الذي كان في الأصل معارضا للاتفاقية- واتبع الحزب سياسة يمينية تعمل على جذب الاستثمارات الأجنبية مستغلة رخص الأيدي العاملة الأيرلندية، واعتمد على سياسة “الشراكة الاجتماعية” في مواجهة العمال أي محاولة إسكاتهم عن طريق اتفاقيات مع البيروقراطية النقابية التي بدورها ستعمل على تحجيم نشاط العمال السياسي، وتدخلت الكنيسة في التعليم وشئون الحكم واتخذت العديد من المواقف الرجعية مثل وقوفها ضد حق طلاق المرأة وحق الإجهاض.
وفي الشمال مارست الطبقة الحاكمة الاتحادية أشد أنواع القمع والتمييز العنصري ضد الأقلية الكاثوليكية، فيعيش الكاثوليك في مناطق منعزلة “جيتو” عن البروتستانت محرومة من المرافق والخدمات العامة، ومورس التمييز ضدهم في الوظائف والتعليم، واستخدمت الحكومة “البرتقالية” -كما اصطلح على تسمية الحكومة الاتحادية- الجيش البريطاني والبوليس والقوات الخاصة لإنزال أشد أنواع العذاب بالكاثوليك فكانت الاعتقالات الجماعية ومهاجمة المناطق السكنية والاغتيال والتعذيب روتين يومي يقوم به الاتحاديون بالإضافة إلى تكوين كل حزب اتحادي لميليشيا مسلحة تقوم بأعمال عنف طائفي ضد الكاثوليك بمباركة وحماية الحكومة البرتقالية.
كان عام 1968 نقطة تحول، فقد قامت بأيرلندا الشمالية حركة الحقوق المدنية على غرار حركة الحقوق المدنية للسود بأمريكا مطالبة بالمساواة بين البروتستانت والكاثوليك، اتسمت الحركة منذ بدايتها بطابع سلمي وأخذت شكل مسيرات جماعية سلمية في مدينتي ديري وبلفاست ولكن جاء رد الفعل “الاتحادي” عنيفا، فهاجمت قوات البوليس والقوات الخاصة والميليشيات الاتحادية تلك المسيرات وأعملوا فيها الضرب والقتل وحاصروا واقتحموا المناطق الكاثوليكية.
بعدها تدفقت إمدادات من الجيش البريطاني إلى أيرلندا الشمالية عام 1969 بحجة حماية الكاثوليك!، بالطبع كانت الإمدادات لحماية المصالح “الاتحادية” فقد حاصر الجيش البريطاني المناطق الكاثوليكية وفتح النار على المتظاهرين العزل وتم اعتقال مئات من الكاثوليك بدون محاكمة وعذبوا.
وهنا بدأت الجماهير تبحث عن بديل سياسي يحميها من العنف الاتحادي -البريطاني، ومرة أخرى ظهر الجيش الجمهوري الأيرلندي على الساحة، فبعد أن كان جماعة مهمشة، تدفق المئات من الشباب الكاثوليك للتطوع بصفوفه، وعلى عكس الاتحاديين الذين يهوون القتل الطائفي بدون تمييز ركز الجيش الجمهوري هجماته على الجنود البريطانيين والبوليس وأعضاء الميليشيات الاتحادية ونظم فرق لحماية المناطق الكاثوليكية ولكن أحيانا لجأ إلى وضع قنابل وعربات مفخخة في مناطق سكنية بروتستانتية أو في لندن، وأشتد سعار القتال بين الجمهوريين والاتحاديين.
إن خطأ حركة الحقوق المدنية الفادح في أيرلندا -وفي أمريكا أيضا- هو أنها لم تهدف إلى “الإطاحة” بالنظام الرأسمالي المتسبب في اضطهاد الكاثوليك بل “الاندماج” فيه، فتكون النتيجة هي تنازل الطبقة الحاكمة عن بعض الإصلاحات مؤدية إلى صعود وتكوين طبقة وسطى كاثوليكية من مهنيين ومديرين ورجال أعمال صغار، إن تلك الطبقة الوسطى -والتي سيطرت على الحركة الجمهورية – ليست من مصلحتها الإطاحة بالنظام الرأسمالي لأنها مستفيدة منه بالرغم من استمرارية تعرضها للاضطهاد، وإن كان يقل كثيرا عن الاضطهاد الذي يتعرض له العمال، إنها تسعى لتوحيد أيرلندا ولكن أولويتها الأولى تأكيد قيادتها “للجماعة” الكاثوليكية وإبراز هويتها، وفي نفس تحتاج تلك الطبقة الوسطى للعمال كاحتياطي سياسي لحماية مصالحهم والحفاظ على مكاسبهم في مواجهة البرجوازية الاتحادية.
إن المشكلة الرئيسية للكفاح المسلح هو أنه أسلوب نخبوي واستبدالي في العمل السياسي، فحينما تتحول حركة شعبية مثل الحقوق المدنية إلى حركة كفاح مسلح يؤدي ذلك إلى أن تحل النخبة المكونة من خلايا سرية مسلحة محل الجماهير التي يقتصر دورها على التأييد المعنوي أو المادي للنخبة.
كما اعتمد الجيش الجمهوري الأيرلندي على الجالية الأيرلندية بأمريكا كوسيلة ضغط على الحكومة الأمريكية وكمصدر للتمويل، ولكن اعتماده على الرأسمالية الأيرلندية -الأمريكية أدى إلى الابتعاد تماما عن النضال العمالي وتدمير الدولة الرأسمالية “البرتقالية” حتى لا يفزع الرأسماليين الأيرلنديين الأمريكان، وقد نفي جيري آدامز زعيم الشين فين -الجناح السياسي للجيش الجمهوري الأيرلندي- مرارا تهمة “الماركسية”.
لجميع هذه الأسباب وجد الجمهوريون أن طريق كفاحهم المسلح مسدود النهاية، وهنا قررت البرجوازية الكاثوليكية/الجمهورية والبروتستانتية/الاتحادية الدخول في مفاوضات للوصول إلى تسوية لتهدئة الأوضاع بأيرلندا الشمالية لجذب الاستثمارات الأجنبية وتحويل أيرلندا إلى “نمر اقتصادي”.
إن الاتفاقية التي توصلت إليها الأحزاب الاتحادية والجمهورية بمباركة حكومتي بريطانيا وأيرلندا تمثل كارثة لكادحي أيرلندا الشمالية، فالاتفاقية تنص على إنشاء برلمان لأيرلندا الشمالية وخلق هيئة برلمانية شمالية جنوبية، ولكن ستكون تلك الهيئة استشارية فقط ولا تملك أي سلطة تنفيذية ولن تكون الطريق نحو أيرلندا موحدة كما يزعم آدامز، بل إن بمؤدى الاتفاقية ستحذف جمهورية أيرلندا فقرة بدستورها تدعو للمطالبة بالشمال، أما البرلمان فسيتم انتخاب أعضاءه على أساس كونهم (اتحاديين-جمهوريين-غير) مما يعني تكريس الطائفية وليس إزالتها، في المقابل “وعدت” بريطانيا بإصلاح البوليس وتخفيف التواجد العسكري البريطاني وليس إزالته.
البديل الثوري
كان يسود الاعتقاد في اليسار البريطاني والأيرلندي أن الطبقة العاملة البروتستانتية قد كونت “أرستقراطية عمالية” متمتعة بمزايا ومستفيدة من الوضع القائم، وبالتالي لا يمكن بناء حركة اشتراكية إلا في الطبقة العاملة الكاثوليكية لطرد الإمبريالية البريطانية وتوحيد الشمال والجنوب.
هذا الافتراض خاطئ وأدى إلى عواقب وخيمة، فهو يتجاهل أن تقسيم صفوف الطبقة العاملة يؤدي في النهاية إلى خسارة جميع العمال، إن الأفكار الطائفية التي تقسم العمال وتقنعهم بأن “الرأسمالي” جزء من “الجماعة” يجعلهم عرضة لمزيد من الاستغلال، كما أن الأرستقراطية العمالية لا يمكن تحقيقها إلا في اقتصاد مغلق ومنفصل عن الآخر، مثل حالة الاقتصاد الصهيوني والفلسطيني، فالعامل الصهيوني له مصلحة مادية في استعباد الفلسطيني على عكس حالة أيرلندا الشمالية حيث يتواجد البروتستانت والكاثوليك في مواقع عمل واحدة.
وإذا كان العمال البروتستانت متمتعين بمزايا نسبية مقارنة بالكاثوليك فإن هذا الوضع انتهى مع دخول الرأسمالية العالمية في أزمتها العنيفة في أواخر السبعينات، إن ظروف البروتستانت تزداد سوءاً وقد انزاحت من أمام أعين الكثير منهم أوهام الولاء لملكة بريطانيا.
إن فشل “الاتحادية” و”الجمهورية” في تحقيق آمال العمال البروتستانت والكاثوليك يترك فراغا على الساحة السياسية يجب على اليسار الثوري أن يملأه وبالفعل فإن منظمات اليسار الثوري تكسب أرضية جديدة كل يوم بأيرلندا.
على الثوار الاشتراكيين أن يكون موقفهم واضحا، إننا نؤيد حق الجيش الجمهوري الأيرلندي في الدفاع عن الكاثوليك ومهاجمة الجيش البريطاني والبوليس الاتحادي ولكننا نرفض بشدة حوادث القتل الطائفي التي تورط فيها، كما نتحفظ على أسلوب الكفاح المسلح لأنه نخبوي واستبدالي ولن يؤدي إلى طرد الإمبريالية البريطانية، ما نريده هو حركة تضم العمال الكاثوليك والبروتستانت معاً، فهذه الحركة هي الوحيدة القادرة على طرد الإمبريالية وتوحيد الشمال والجنوب في جمهورية عمالية.





