بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإمبريالية الأمريكية والرأسمالية والاحتجاجات الكوبية

احتجاجات كوبا - يوليو 2021

شهدت شوارع كوبا احتجاجات في الأسابيع الأخيرة. دفع الفقر وتأثير جائحة كورونا الكثيرين إلى توجيه غضبهم نحو الحكومة الكوبية، بينما احتشد آخرون للدفاع عنها.

يزودنا تاريخ كوبا بدروسٍ مهمة للغاية. إنه يوضح الطبيعة الوحشية لتدخل الولايات المتحدة وكيف يمكن هزيمتها. تجسِّد كوبا مثالًا ملهمًا على قدرة الشعوب على النضال ضد الإمبريالية ومن أجل التحرر الوطني. لكنها ليست نموذجًا للاشتراكية.

كانت إسبانيا أول قوة إمبريالية استولت على الأرض التي صارت كوبا لاحقًا في أواخر القرن الرابع عشر. السكان الأصليون، شعب “سيبوني تاينو”، الذين عاشوا هناك هجَّهرهم المستعمرون واستعبدوهم.

تصارعت الولايات المتحدة وإسبانيا على كوبا طوال القرن التاسع عشر حتى عام 1898 عندما أُجبِرَت إسبانيا على التخلي عن الجزيرة. وأعلنت كوبا استقلالها عام 1902، لكنها ظلت تحت السيطرة الفعلية للولايات المتحدة من خلال “تعديل بلات”. مَنَحَ أحد بنود هذا التعديل الولايات المتحدة قاعدة التعذيب سيئة الصيت غوانتانامو في الجزيرة. ومنذ ذلك الحين، كان للولايات المتحدة دورٌ كبير في إدارة كوبا، إذ كانت تختار رؤساءها بالفعل وترسل قواتٍ لسحق أي مقاومة.

أدى ذلك إلى فترة من عدم الاستقرار السياسي. استغل الضابط العسكري فولجينسيو باتيستا الموقف وتولَّى السلطة وأصبح رئيسًا للبلاد من عام 1940 إلى عام 1944. وفي مواجهة الهزيمة الانتخابية في عام 1952، دبر باتيستا انقلابًا عسكريًا ونصَّب نفسه ديكتاتورًا مدعومًا من الولايات المتحدة. عمل باتيستا مع الولايات المتحدة والمافيا وأقسام من رأس المال المحلي لإنشاء نظام فاسد كان مرتعًا للأثرياء ورعبًا للناس العاديين. عارضت قطاعاتٌ كبيرة من الطبقة العاملة والفلاحين وحتى بعض الرأسماليين حكم باتيستا. لقد دمر حياة الناس العاديين، لكنه أعاق أيضًا نمو قطاع الأعمال المملوكة محليًا.

اعتمد باتيستا، الذي افتقر إلى القاعدة الاجتماعية، على الشرطة والجيش لسحق المعارضة. لكن هذا وحده لم يكن كافيًا لمقاومة القوى المتجمعة ضده. في يوليو 1953، اجتمعت مجموعةٌ صغيرة من الثوار من العناصر الأكثر راديكالية في الحزب الأرثوذكسي اليساري الشعبوي، وبقيادة فيدل كاسترو، هاجموا ثكنات مونكادا التابعة للجيش. سُجِنَ كاسترو بسبب الهجوم، وذهب لاحقًا إلى المكسيك. عند عودته إلى كوبا، أنشأ حركة 26 يوليو إلى جانب شقيقه راؤول وإرنستو تشي جيفارا. اتحد جيفارا وكاسترو في اعتقادهما بأن حرب العصابات المسلحة من قبل الثوار يمكن أن تشعل ثورةً اجتماعية. كان ينظر إلى نضال العمال والفلاحين على أنه مفيد، لكنه ليس مركزيًا.

قادت العديد من الجماعات الكفاح المسلح ضد قوات باتيستا طوال الفترة المتبقية من الخمسينيات من القرن الماضي، وكان الكفاح المسلح بلا شك بطوليًا. وبين عامي 1957 و1958، فَقَدَ ما يقرب من ألفيّ مقاتل من المقاومة حياتهم في ضواحي المدن. أدى القمع ضد المتمردين إلى قلب المزيد من السكان ضد الديكتاتورية والتماهي مع المقاومة. تراجع دعم باتيستا، إذ رفضت أقسام كبيرة من جيشه محاربة المتمردين، وبحلول عام 1958 انهارت دولة باتيستا.

في يوم رأس السنة الجديدة من 1959، تنازل باتيستا عن رئاسته وأعلن كاسترو انتصار الثورة. أصبح كاسترو رئيسًا للوزراء في فبراير من ذلك العام. منحت الثورة قوةً للملايين الذين يحاربون الإمبريالية في جميع أنحاء العالم. كان هناك دعم شعبي للمتمردين من الطبقة العاملة، لكن لم يكن يُنظر إلى مشاركة العمال على أنها آلية لتغيير المجتمع الكوبي.

كانت هناك محاولة إضراب عام في عام 1958، لكنه فشل. وفي العام التالي، في استعراضٍ لما يمكن أن يحققه النضال العمالي، لعبت الإضرابات المُنظَّمة بعناية دورًا حيويًا في حماية الثورة. الطريقة التي أدت للفوز بالثورة أرست الأساس لنوع المجتمع الذي ستصبح عليه كوبا، لقد كان مجتمعًا تقرِّر فيه مجموعةٌ في القمة ما هو الأفضل للكثيرين. لقد أرادوا التغيير للجماهير، لكنهم تخلوا عن فكرة ماركس بأن تحرر الطبقة العاملة يجب أن يكون من فعل الطبقة العاملة ذاتها.

في السنوات الأولى التي أعقبت الثورة، عرف كاسترو والحزب الشيوعي المشكل حديثًا أنه يجب إجراء إصلاحات لإرضاء الجماهير. أُجرِيَت تحسينات حقيقية في الرعاية الصحية والتعليم وأصبحت أقسام كبيرة من الصناعة في يد الدولة.

لكن هذه الإصلاحات لم تفِد العمال فحسب، بل أُجرِيَت أيضًا للضغط من أجل تحول صناعي أسرع لإبقاء الاقتصاد الكوبي قائمًا على قدميه. كان بناء الاقتصاد الكوبي ضروريًا خاصة بعد أن فرضت الولايات المتحدة حظرًا على الصادرات من كوبا في أعقاب أزمة الصواريخ الكوبية في عام 1962. وقد كان لذلك آثارٌ خطيرة في بلد يعتمد بشدة على الواردات.

لعقود من الزمان، أرهبت الولايات المتحدة كوبا، وصعَّدت الغزوات ورعت الاغتيالات والهجمات الإرهابية لزعزعة استقرار الحكومة الكوبية. كانت إحدى أبرز المحاولات “غزو خليج الخنازير” عام 1961. حاول المتمردون اليمينيون المدعومون من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تدشين هجوم على الجزيرة.

بعد ذلك، أعلنت الحكومة الكوبية أن ثورتها اشتراكية. تحالفت كوبا مع روسيا. ومن خلال تداول السكر مقابل الوقود، تمكَّنت البلاد من الحفاظ على اقتصادها على قيد الحياة. نظرت الحكومة الكوبية بشكل متزايد إلى روسيا كمثال على كيفية تنظيم المجتمع. كان نموذج رأسمالية الدولة الذي كان قائمًا في أوروبا الشرقية والصين يعني أن وسائل التراكم وُضِعَت في يد الدولة وبيروقراطيتها، وليس في أيدي الرأسماليين. سمح ذلك لهذه الدول بمواصلة التنافس مع الدول المنافسة في السوق العالمية.

كان هذا هو النموذج الذي اتخذته كوبا، ليس فقط كوسيلة لمحاكاة حلفائها، ولكن أيضًا كرد فعل على الوضع الراكد للاقتصاد. لا يمكن بناء الاشتراكية في بلد واحد في روسيا، ومن المؤكد أنه لا يمكن في بلد صغير مثل كوبا. للبقاء على قيد الحياة، حدَّدت الحكومة الكوبية أهدافًا اقتصادية متفائلة. ولكن لتحقيق هذه الأهداف، أُخضِعَ العمال لضغطٍ شديد. وأدى السعي المستمر لتحقيق النمو إلى بؤسٍ في أوساط الجماهير. ومثل البلدان الرأسمالية الأخرى، اتسم المجتمع الكوبي بالقمع وسحق المعارضة. كان نضال العمال يُهاجَم على الدوام، وأُجرِيَ تقسيم الأراضي الزراعية دون إشراك الفلاحين أو عمال المزارع، وأصبحت النقابات العمالية تحت سيطرة الدولة، وما زُعم أنه مبادئ للديمقراطية الشعبية أصبح أسلوبًا لنقل الأوامر من الأعلى.

لم تكن فترة ما بعد الثورة عيدًا للمظلومين. عانى مجتمع الميم من اضطهادٍ وحشي، بما في ذلك سجن وطرد عشرات الآلاف من المثليين والمثليات بداية من عام 1980. وأدى انهيار الاتحاد السوفييتي من عام 1988 إلى عام 1991 إلى نقص الغذاء في كوبا.

ومع ذلك، نجا النظام وبدأ في البحث عن طريقة أخرى للحفاظ على اقتصاده، إذ وجد الحل في الانفتاح التدريجي على الشركات الخاصة.

بحلول بداية الألفينيات، كان هناك 405 مشروعًا مشتركًا واتفاقية شراكة مع شركات كبرى في الجزيرة، معظمها في مجال السياحة. وفي عام 2011، أُجرِيَت إصلاحاتٌ اقتصادية تسمح للشركات بالعمل بدون إدارة حكومية. وفي فبراير من العام نفسه، أعلن وزير العمل الكوبي أن كل الدولة الكوبية تقريبًا ستفتح أبوابها للأعمال التجارية. لم يؤد ذلك إلى أي تحسن في حياة الناس العاديين، بل خلق أشكالًا جديدة من الصراع الطبقي.

في لحظة ما بدا الأمر كما لو أن الولايات المتحدة قد تغير موقفها. قال الرئيس السابق باراك أوباما إنه يتحرك لتطبيع العلاقات مع كوبا، لكن لم يحدث أي تغيير جوهري. فرض خليفته دونالد ترامب 240 إجراءً لجعل العقوبات أكثر صرامة، وكل هذه الإجراءات لا تزال سارية في عهد جو بايدن.

وبالطبع، فإن الاحتجاجات هذا الشهر هي رد فعل على نقص الغذاء الناجم جزئيًا عن العقوبات الأمريكية التي تهدف إلى تجويع كوبا. لكنها أيضًا نتاج العيش في مجتمعٍ يستغل عماله، رغم تسميته بالشيوعي، ويسمح لطبقة حاكمة بالانتعاش بينما يعيش الكثيرون في فقر.

نحن دائمًا مع كوبا ضد الإمبريالية الأمريكية. ولكن بشكل حاسم نحن أيضًا مع التحرر الذاتي للعمال، والحق في الاحتجاج والتنظيم، والحق في النضال من أجل اشتراكية حقيقية ضد الحكومة.

* المقال بقلم صوفي سكواير – صحيفة العامل الاشتراكي البريطانية