بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نصر تاريخي لحزب الحمر الاشتراكي الثورى في البرلمان النرويجي

حزب الحمر الاشتراكي الثوري - النرويج

يعتقد النرويجيون أن الحديث عن التوجهات السياسية مثل الحديث عن التوجهات الجنسية، أمر خاص لا يتم مناقشته الا في مساحات محدودة، أما أنا كشاب مصرى فقد كان حماسي لا ينقطع عن سؤال كل نرويجي أعرفه عن بماذا سيصوّت، في العمل قمت بسؤال زملائي، في النقابة، في الباص، في الشارع، كنت أنوي التحدث حول الانتخابات مع أي شخص قد يقبل سماعي، دعوت بعض الاصدقاء من أصول مهاجرة إلى العشاء كخطة سريّة لمناقشتهم في الانتخابات، أو للدقة لإقناعهم للتصويت للحزب الأحمر في الانتخابات القادمة والتي أقيمت في الثالث عشر من سبتمبر الحالي.

1- البداية
عندما وصلت النرويج منذ خمس سنوات قمت بالاشتراك في الحزب الأحمر خلال أسبوعي الأول، لم اكن اعلم الكثير عن السياسة النرويجية، لكنني أعرف جيدًا انه مع الرفاق ذلك أفضل. كان يسخر مني اصدقائي النرويجيون، لقد اخترت أفشل الأحزاب النرويجية، أنهم لا يستطيعون الحصول على مقعد يتيم في البرلمان، لقد مزّق هذا الحزب الانقسامات وقد مات اليسار الراديكالي في النرويج. بل إن أحد الأصدقاء من حزب العمال تحدّث إليّ مشفقًا قائلًا ان النرويج بلد مختلف، لدينا نظام الرفاه الاجتماعي الذي يعمل كشبكة حماية للمواطنين، ولذلك فإن الراديكالية لا مكان لها بيننا، ما الذي يريده الشيوعيون؟ تأمين صحي مجاني؟ تعليم جامعى مجاني؟ اعانة بطالة مجزية؟ بلد خالية من المشردون؟ لدينا كل ذلك وأكثر!

كان الإشفاق بيني وبين هؤلاء الأصدقاء متبادل، فمنذ أقل من شهرين قامت السفارة الملكية النرويجية في القاهرة برفض إعطائي تأشيرة لدخول النرويج على الرغم اني كنت قد تلقيت دعوة من وزارة الخارجية النرويجية للدراسة في البلد. كانت السفارة قد كتبت في أسباب الرفض أنني فقير، وليس لدي ايّة أملاك أو أشغال تربطني ببلدي الأم ولذلك فإنهم يتخوفون من أنني لن أعود لمصر مرة ثانية. لم أكن أعرف معني الامتيازات الاجتماعية وقتها ولكن كنت افهم انني استطيع رؤية ما لا يراه هؤلاء الأصدقاء. ولذلك لم تغير تلك النقاشات حماسي للحزب الأحمر الذي كان يتحدث عن مشاكل مثل مشاكلي.

2- ماكسينوس تحت القبة

بيورنار ماكسنس رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الحمر

بيورنار ماكسنس رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الحمر

جاءت نتائج أول انتخابات برلمانية احضرها في النرويج عام 2017 مخيبة لكل آمالي. فقد اعاد النرويجيون انتخاب رئيسة الوزراء ارنا سولبرج من حزب اليمين، هذا هو اسم الحزب حرفيًا، حزب اليمين، يحاول الحزب التنصل من اسمه ويترجمه في بياناته إلى حزب المحافظين ولكنه حزب يميني في النهاية، يشكل الحكومة في تحالف مع أحزاب فاشية صراحة كحزب التقدم FRP وقائدته المعادية للمهاجرين التى وصفتها نيويورك تايمز بدونالد ترامب النرويج (سيلفي ليستهاج)، ولكن اليمين النرويجي أذكى كثيرًا من نظيره الأمريكي، في الواقع لقد خسر اليسار الانتخابات لأنه بني كل استراتيجيته على حقيقة أن اليمين لن يقوم بتمرير حزمة مساعدات اقتصادية تهدف لتقليل البطالة في ظل ركود اقتصادي بسبب أسعار النفط الذي يعتمد عليه اقتصاد البلاد. ولكن قام اليمين بتمرير الحزمة بكل سلاسة، فهو يعرف ان صفوف العاطلين ستصوّت لليسار بكل تأكيد إذا لم يفعل.

ولكن في الوقت نفسه كانت سياسات الحزب اليميني تسير ببطء حول ازالة كل ملامح دولة الرفاه الاجتماعية، وبالطبع كانت البداية بالفئات الأضعف في المجتمع، وهنا اذكر موقفين سياسيين جمعتني بهما الظروف.

الموقف الأول هو خاص بالمنح الدراسية، ففي غالبية الدول الأوروبية هناك منحة دراسية حكومية للطلاب الأجانب المتميزين، المملكة المتحدة لديها منحة شيفنينج، أما ألمانيا فلديها منحة الداد، وفى النرويج المنحة الحكومية تسمى “الكوتة” وهي منحة تسعى لتعليم الطلاب المتميزون من دول العالم الثالث، تكسب النرويج مقابل هذه المنحة قوة ناعمة جبارة حول العالم، كما تعمل المنحة على تصفية العقول النابغة وتحضيرهم للهجرة، فعلى الرغم من أن المنحة تشترط عودة الطالب لبلده الأم إلا أنه عمليًا يمكن للطالب ببعض الجهد وقليل من الحظ الحصول على الاقامة الدائمة بعد تخرجه.

ألغت حكومة اليمين هذه المنحة تمامًا، وعلى الرغم من اعتراضات الاتحادات الطلابية واتحاد الطلاب الدوليين ISU تحديدًا (1)، إلا أن الحكومة مضت في خطتها، وفى المقابل أطلقت الحكومة منحة اخرى للطلاب من بلدان العالم الثالث تحت اسم طلاب في خطر، تسعى هذه المنحة إلى توفير تعليم عالي للنشطاء الطلابيين الذين فقدوا تعليمهم بسبب نشاطهم الحقوقي أو الطلابي، ولعلك من النظرة لم تشعر بما فعلته هذه المنحة فهي تبدو فكرة جيدة ونحتاجها للغاية في بلاد كمصر، بل إن كاتب هذه الكلمات كان من المستفيدين من هذه المنحة ولكن على الجانب الآخر فإن عدد الطلاب المقبولين لهذه المنحة بل وميزانيتها كاملة هامشية للغاية مقارنة بمنحة الكوتة، بل اعطت الحكومة الحق الكامل في اختيار الطلاب القادمين إليها بناء على ترشيحات من منظمات المجتمع المدني الشريكة حول العالم والسفارات النرويجية المختلفة. وتشدد المنحة أيضًا على اهمية عودة الطلاب بلا تقديم اي دعم من اي نوع لهم عند عودتهم حال القبض عليهم أو تعرضهم لغيرها من الانتهاكات، وأخيرًا اشترطت الحكومة عدم قبول اية طلاب بالمنحة من جمهورية الصين الشعبية أو روسيا وهو الأمر الذي لا تستطيع فعله مع منحة شفافة وعلنية كمنحة الكوتة (2).

أما الموقف الثاني فيتمثل في تعامل حكومة إرنا مع ازمة الكورونا، فقامت الحكومة بالتباطؤ الشديد في صرف إعانات اجتماعية للمتضررين من الأزمة، ثم قدمت الحكومة قانونًا اعطي رئيسة الوزراء صلاحيات ديكتاتور، وبعد تمرير القانون وقفت تخطب في البرلمان قائلة “إن هذا ليس انقلابًا ناعمًا، نحن فقط نريد مواجهة الأزمة” (3)، وقامت وقتها سولبرج بتمرير حزمة قرارات للحد من التجمعات وفرض الكمامات وغيرها، إلي أنها خالفت القرارات التي اصدرتها بنفسها لتقيم حفلة عيد ميلادها في احد المطاعم الشهيرة في اوسلو وسط تجمع عائلى، في الوقت نفسه الذي يضجر فيه النرويجيين من تأخر سداد مستحقاتهم، قامت الشرطة بتغريم سولبرج بعد تسريب صور الحفل للصحافة ولعل هذا الحدث هامشي وسط سياسات يمينية كثيرة، ولكن قربه من وقت الانتخابات جعله أحد الأحداث المحورية (4).

على كلٍّ، شهد اليسار هزيمة منكرة وتاريخية في انتخابات 2017 (5)، يكفي أن تعرف أن هذه هي أول مرة يجدد فيها الشعب النرويجي ثقته في حكومة يمينية منذ الثمانينيات، ولعل هذه النتيجة لم تكن مفاجئة للكثيرين فالانتخابات كانت وسط مدّ واسع لليمين النازي الجديد في اوروبا كلها مع وصول اعداد كبيرة من اللاجئين لأوروبا. ولكن كما علمنا التاريخ فإن كل فرصة لليمين الراديكالي هي فرصة أيضًا لليسار الراديكالي، فبالرغم من الهزيمة التاريخية لليسار فإن تلك كتبت نصرًا تاريخيًا لأحد أطراف اليسار وهو حزب الحمر الاشتراكي الثوري والذي فاز لأول مرة في تاريخه بمقعد في البرلمان.

ماذا نتعلم من ذلك؟ مبدأيًا التنظيم والجبهة المتحدة مهمان!

لليسار النرويجي حكايات عدّة وحقيقة فإن عدد الأحزاب اليسارية التي تنسب نفسها للماركسية اكبر من ان تحصيه هذه المساحة، خاصة إذا اضفنا الأحزاب السرية التي لا تسمع عنها إلا في جلسات الرفاق هناك، ولكن الحزبين الأبرز كانا حزب العمال الشيوعى AKP وهو حزب لينيني يغلب عليه أعضاؤه التوجه الماوي على عكس الحزب الشيوعي النرويجي NKP الذي ظل داعمًا للستالينية حتى آخر لحظة. وكلا الحزبين لم يبديا اهتمامًا بالانتخابات على الاطلاق، ولكن حزب العمال الشيوعي كان لديه حيلة لينينية في جعبته جعلته يصبح اكبر الأحزاب الاشتراكية الثورية في النرويج، “الجبهة المتحدة”.

انتخابات 1973:
تأسس حزب العمال بعد انشقاق منظمة الشباب الاشتراكي Sosialistisk Ungdomsforbund عن حزب الشعب الاشتراكي Sosialistisk Folkeparti على خلفية الخلاف بين الاتحاد السوفيتي والصين، واستطاع الحزب اجتذاب عدد لابأس به من الأكاديميين النشطاء في الحراك ضد الحرب في فيتنام وقام ببناء تحالف انتخابي واسع أو جبهة متحدة لتشارك في الانتخابات البرلمانية تحت اسم تحالف الحمر الانتخابي. لم يحصل على أصوات كافية لدخول البرلمان وقتها ولكن في عام 1991 قامت هذه الجبهة بالاستقلال عن الحزب، وقامت بإعادة التفكير حول بعض المواقف اللينينية الجامدة والتي كانت تخنق تقدم اليسار، على سبيل المثال، كان الحزب يشجع كل أعضائه على ممارسة الوظائف التي تعتمد على العمل اليدوى، وكان الحزب ما زال يرفض أي أعضاء غير فاعلين ويقوم بفصلهم. وعندما استقل الحزب الأحمر كان أقل لينينية بالمعني السطحي لهذه الكلمة أيّا ما كان معناها الحقيقي، بينما استمر التنسيق التام والكامل مع حزب العمال الشيوعي في جميع الأحداث، ومكّن هذا الحزبين من الحصول على مقعد انتخابي وحيد عام 1993 سرعان ما خسروه في 1997.

الألفية الجديدة:

تورستاين دال الرئيس السابق لحزب تحالف الحمر الانتخابي

تورستاين دال الرئيس السابق لحزب تحالف الحمر الانتخابي

مع دخول الالفية الجديدة بدأ تحالف الحمر بلفت الانظار اليه بعد انتخاب أستاذ الاقتصاد بجامعة بيرجن تورستاين دال Torstein Dahle كرئيس للحزب عام 2003، وكان قيادة دال مليئة بالمفاجآت، فقد قام بإتاحة أجزاء كبيرة من أرشيف الحزب السرية للعامة للاطلاع والمعرفة، وذلك حتى “تخرس تلك الشائعات عن الاشتراكيين الثوريين في هذا البلد” وفي مارس من العام 2007 اختتم دال رئاسته للحزب بقرار تاريخي آخر، فقد صوتت القيادة العليا لتحالف الحمر الانتخابي والقيادة العليا لحزب العمال الشيوعي بحل الحزبين لنفسيهما والاندماج تحت راية ماركسية واسعة باسم حزب الحمر (6). وهو الأمر الذي شجع مجموعات اصغر من الماركسيين بحل أنفسهم والاندماج تحت راية الحمر لعل أهمهم مجموعة الاشتراكيين الأمميين IS ذات التوجه التروتسكي.

يرى حزب الحمر نفسه حزبًا ماركسيًا ويدعو صراحة للاشتراكية الثورية، وتنص لائحة الحزب على أن الهدف الاسمي لهذا التنظيم هو “تحقيق الشيوعية كما وصفها ماركس”. ولكن لا يهتم الحزب كثيرًا بالخلافات بين أطياف الاشتراكية الثورية، بل يرسم لنفسه خطًا واضحًا بناءً على السياسات.

“بيننا اختلافات كثيرة، ولكن يؤمن كلا الحزبين بنفس البرنامج المرحلى، البرنامج الذي يحتاجه الشعب النرويجي بشدّة ولكن أيًا من الأحزاب السياسية البرلمانية لم يدعو إليه أبدًا” – من المؤتمر الصحفي للإعلان عن حل الحزبين وانشاء حزب الحمر في 2007.

3- وماذا يفعل اشتراكي ثورى وحيد وسط جحافل البرجوازية البرلمانية؟
نقفز الآن إلى الأمام قليلًا لنعود إلى الانتخابات التي تحدثنا عنها، والتي اكتسح فيها اليمين وحاز على تجديد الثقة، استبسل حزب الحمر خلال تلك الانتخابات، كنت أرى المتطوعين يعملون لساعات طويلة في الشوارع وفى ليل النرويج القارص، وحدثت المعجزة، لقد فاز حزب الحمر بمقعد واحد في البرلمان، سيذهب هذا المقعد إلى بيورنار ماكسنس Bjørnar Moxnes الرئيس السابق لمنظمة شباب حزب الحمر، ومن الجدير بالذكر هنا أنه كان على رأس قائمة الحزب الوطنية، أي أنه كان أقصى أولويات الحمر هو إدخال أحد الشباب للبرلمان بدلًا من عشرات أساتذة الجامعات الاعضاء (شجع حزب العمال والحمر منتسبيه إلى الاشتغال بالتعليم خاصة التعليم الجامعة خلال التسعينيات بعدما كان يشجعهم على العمل اليدوي كما ذكرنا سابقًا) ولمع نجم ماكسنس لأول مرة بعد نجاحه في الوصول للمجلس المحلى لمدينة أوسلو، وهناك خاض صولات وجولات اكسبته لقب السياسى الأعلى صوتًا في أوسلو، انتهت ولاية ماكسنس نهاية حزينة حيث قامت بلدية أوسلو باتهامه بتسريب بيانات حكومية حساسة قد تم ائتمانه على سريتها، وتم القبض عليه والتحقيق معه من قبل الشرطة النرويجية، ولكن لم يكسبه ذلك إلا زيادة في شعبيته، فقد تحول القبض عليه إلى فضيحة لأن تلك التقارير السريّة التي قام بتسريبها كانت فقط لتبرئة بعض العمال من أعضاء نقابة الممرضين الذين قام مشغليهم باتهامهم بالقتل والاعتداء على المرضى على عكس الحقيقة التي كشف عنها التسريب (7). وبهذا أصبح جاهزًا للمراهنة على أحد مقاعد البرلمان عن أوسلو. ومقاعد البرلمان محصّنة للغاية، حتى أنه لا توجد اية طريقة دستورية أو قانونية لإسقاط عضوية البرلمان النرويجي، الأمر الذي جعل أحد أعضاء البرلمان يستكمل فترته البرلمانية حتى الشهر الفائت على الرغم من نشر مراهقات عن شهادات تتهمه بالتحرش بالقاصرات من أعضاء حزبه (8). هذا هو ما يريده ماكسنيس للفترة القادمة، الاستمرار في فضح البرجوازية مع حصانة برلمانية.

“على الأقل لقد دخل حزبكم البرلمان، لقد أصبحتم حزبًا حقيقيًا لأول مرة الآن”، هكذا قال صديقي من حزب العمال ممازحًا في محاولة للتخفيف عني بعد الاعلان عن نتائج انتخابات 2017. رددت ساخرًا، أجل ، لدينا سيطرة الآن على نصف بالمئة من البرلمان النرويجي، ماذا سيفعل النصف بالمئة؟ ماذا سيفعل ماكسنس المسكين أمام 168 عضو في البرلمان النرويجي لا يختلفون كثيرًا عن بعضهم البعض، ولحسن الحظ لم اقل يومًا تحليلًا اكثر غباءًا من هذا! وتمر الأيام ويثبت ماكسنس أن نصف بالمئة كافية لاسقاط الحكومة اليمينية بأكملها، أجل لقد أوشك ماكسنس بمفرده على إسقاط الحكومة اليمينية واهداء رئاسة الوزراء لحزب العمال اليسارى وسأذكر القصة تفصيلاً في الفقرة القادمة، وهي قصة هامشية مقابل ما فعله ماكسنس في البرلمان، كان ماكسنس هو حلقة الوصل بينى وكثير من المهاجرين وبين البرلمان النرويجي، إذا قمت بمشاهدة جلسات البرلمان الكندى أو الإنجليزي ستجد أن الجلسات مسليّة للغاية، يتبادل الطرفان السخرية اللاذعة وسط تصفيق اعضاء البرلمان بحرارة، أما في النرويج ففي عام 1905 عندما حصلت النرويج على استقلالها من المملكة السويدية كان هناك حزبًا يسمّي بحزب الاتحاد، يهدف هذا الحزب إلى عودة الاتحاد مع السويد مرة آخرى، بينما صوت الشعب النرويجي في استفتاء عام بأغلبية ساحقة على الانفصال، بطبيعة الحال كان يُنظر لاعضاء حزب الاتحاد كخونة في البرلمان النرويجي ولم يتيح الأعضاء لحزب الاتحاد الفرصة للحديث فكلما تحدث ممثلهم امتلأت القاعة بالصخب، وهنا قرر البرلمان نظام الكلمة وتوزيع الأدوار، وبسبب هذا النظام فإن جلسات البرلمان النرويجي مملة للغاية، قد تشاهد كلمة احد الاعضاء وتنتظر سماع الرد عليها من الجهة الأخرى لساعات من المداخلات من نفس الحزب حتى يأتي دور المعارضة وهكذا.

وعلى الرغم من أنه يحق لأي شخص في العالم حضور كل جلسات البرلمان النرويجي كمراقب (عدا ملك النرويج بالطبع الذي يعدّ دخوله البرلمان بلا موافقة الاغلبية جريمة دستورية) إلا اننا لم نكن لنتابع هذه الجلسات المملة التي عادة ما تناقش قوانين هامشية مثل “جوازات سفر الأحصنة غير الأوروبية” أو ” حقوق الذئاب البرية السويدية التي تقطع الحدود إلى النرويج لتفترس بعض الحيوانات المدجنّة” وكلا المثالين قضايا شاهدت بنفسي مناقشتها المملة بين النواب.

أما إذا كانت تتابع ماكسنس عبر مواقع التواصل الاجتماعي فستعرف انه وسط هذه المناقشات المملة قد صوتت الاغلبية البرلمانية على رفض ايقاف تصدير الأسلحة النرويجية للسعودية بعد ثبات استخدام هذه الاسلحة في الحرب على اليمن، كنت ستعرف أيضًا ان حزب العمال “اليسارى” قد رفض أيضًا ايقاف التصدير للسعودية بل واعطي النظام السعودي الحاكم الكثير من الشرعية غير المستحقة في كلمته. كنت ستعرف أيضًا كل ما يهمك ويخصك في الانتخابات البرلمانية، مدمجًا معه موقف حزب الحمر الشيوعي والذي هو موقف ثابت بلا أي درجة من الميوعة السياسية، بينما يتردد حزب العمال في التصويت ضد السعودية يتحدث الحمر عن قتل النظام السعودي للمدنيين.

ولكن إذا كان ما جذبك هو النظام السعودي فإن صفحة ماكسنس تتحدث عن كل شئ، عن التغير المناخي المنتظر، وعن الرأسمالية وعن حق النرويجيين في تأمين صحي يشمل علاج الاسنان، وحق الاطفال في وجبات مدرسية صحية، ولا ينسي الحريات الشخصية وقضاياها بالطبع.

ما فعله ماكسنس كان مزيجًا من فضح السياسيين النرويجيين وتناقضهم على مدار أربعة سنوات كاملة، مع تقديم البديل جنبًا إلى جنب مع الفضيحة، ومنذ دخوله للبرلمان لم تتراجع شعبية الحمر أبدًا بل إن كل استطلاعًا للرأي كان يظهر ان الحزب الأحمر هو أكثر الأحزاب اجتذابًا لأنصار جدد في البرلمان، وبالطبع تمت ترجمة هؤلاء الانصار في عضويات واشتراكات جديدة، وافتتاح فروع جغرافية اكثر للحزب.. الخ. وكانت هذه هي النواة الشبابية التى فعلت كل ما بوسعها لضمان إعادة انتخاب ماكسنس في 13 سبتمبر 2021، ولكن كانت النتائج مفاجئة للجميع، خاصة للحزب الأحمر.

4- ماكسنس يسقط حكومة اليمين بمفرده

سيلفي ليستهاج رئيسة حزب التقدم اليميني والوزيرة السابقة - فليكر

سيلفي ليستهاج رئيسة حزب التقدم اليميني والوزيرة السابقة – فليكر

ولكن لعل أبرز انتصارات ماكسنس داخل البرلمان خلال الاربعة سنوات الاخيرة كانت نجاحه (بمفرده) في إبعاد رئيسة حزب FRP العنصري من الوزارة وقد كانت وزيرة للهجرة والاندماج، وأوشك خلال هذه المعركة على إسقاط الحكومة بأكملها (9).

سيلفي ليستهاج رئيسة حزب FRP هي معادية للمهاجرين، من اشهر اقتباستها “لا يمكن ان تكون نرويجيًا اذا لم تكن تأكل لحم الخنزير”، وتعمل ليستهاج بنفس استراتيجية دونالد ترامب في الشعبوية ولفت الاضواء الى تصريحاتها، وفي مارس 2018 وخلال إحدى خطبها الشعبوية كانت ليستهاج تتحدث عن حزب العمال ودفاعه عن اللاجئين فقالت “إن حزب العمال يريد أن يجلب الإرهابيين إلى النرويج” ولعلك تظن أنه تصريح عادي للغاية إذا لم تكن تعرف شيئًا عن تاريخ العمليات الإرهابية في النرويج. ولكن لمن يعرف، فإن تاريخ الأعمال الإرهابية في النرويج يتلخص في حدث واحد عام 2011، تُعرف الحادثة بحادثة جزيرة اوتويا أو حادثة بريفك، وهي حادثة مثيرة للاهتمام، فإذا قفز في ذهنك اسم داعش أو القاعدة أو غيرها عند سماعك عن حادثة إرهابية بشمال اوروبا فأنت مخطئ، الحادثة كانت من تنفيذ النازي بريفك، الذي يتصادف أنه كان قياديًا بارزًا في حزب ليستهاج، ولكن ماذا فعل بريفك الارهابي هذا؟ حسنًا لقد قام بشراء اسلحة ثم توجه إلى المخيم الصيفي لأطفال حزب العمال والمنعقد في جزيرة اوتويا في أطراف أوسلو، وهناك قام بقتل 85 مراهق من المنتمين لحزب العمال اليسارى.

لا اعتقد انني يجب ان ازيد عن هذا الوصف السطحي للحادثة لتفهم مدي بجاحة ووقاحة وانعدام إنسانية ليستهاج، ليستهاج الذي خرّج حزبها الارهابى الوحيد في تاريخ النرويج تتهم ضحايا هذا الإرهابي بالإرهاب! ولكن الوقاحة كانت أشّد من جانب حزب العمال الذى اكتفى بإدانة تصريحات ليستهاج.

صور لمجموعة من ضحايا حادث جزيرة أوتويا  - بى بى سي

صور لمجموعة من ضحايا حادث جزيرة أوتويا – بى بى سي

ما الذي يفعله ماكسنيس؟ يقوم بطلب التصويت على سحب الثقة من الحكومة، لديه واحد صوت من أصل 169 صوتًا، أظن أن رئيسة الوزراء استقبلت النبأ بالسخرية قبل ان ينقلب السحر على الساحر، قاد ماكسنيس حملة اعلامية شرسة ضد اليمين الفاشي، مستدعيًا الحادث المأساوى مرة، والاحتلال النازي للنرويج مرة أخرى، بالطبع حزب العمال يشعر بالحرج الشديد الآن، ماكسنيس من الحمر هو من يتصدر للدفاع عن الحزب صاحب الأكثرية العددية في البرلمان في اكثر حادثة مأساوية في تاريخ النرويج، لحفظ ماء الوجه قرر حزب العمال انه عند التصويت سيصوت بسحب الثقة وبالطبع تبعه الحزب الاشتراكي SV والخضر ولكن حتى الآن ليست اغلبية، وهنا تأتي عبقرية الحملة الاعلامية التى شنّها ماكسنس، لقد استطاع استمالة الجمهور المحافظ الخاص بالحزب المسيحي والذي قررت هيئته البرلمانية انها ستصوت بسحب الثقة إذا لم تعتذر ليستهاج.

قدمت ليستهاج اعتذارين متتابعين في البرلمان بعدها وفى كل مرة تتحدث لا تقوم بالاعتذار بل بالتبرير لنفسها ومرة آخرى لولا وجود ماكسنيس لكان الاعتذار قد تم قبوله ولكنه كان يصعّد بعد كل اعتذار تبريري ليقرر الحزب المسيحي في النهاية قرارًا نهائيًا انه سينقلب على تحالفه البرلماني ويصوت بسحب الثقة من الحكومة.

هناك عرّف في السياسة النرويجية، اذا قام البرلمان باقالة احد الوزراء تسقط الوزارة باكملها، لأنه ببساطة سيعني عدم ثقة البرلمان في اختيارات رئيس الوزراء.

قبل جلسة التصويت بساعات قامت ليستهاج بالاستقالة من موقعها الوزارى لتعود عضوة عادية في البرلمان وتظل الحكومة ولكن ينتصر ماكسنس في معركة خاضها تقريبًا بمفرده. عرفت بالاستقالة خلال تسوقى من المحل العربى الذي قام العاملين فيه بتوزيع الشربات بهذه المناسبة. ولعل هذه كانت المحطة الابرز التي غيرت اصوات الكثير من المهاجرين لدعم الحمر، فقد ادركوا أن هناك من يدافع عنهم باستماتة، وهو بالمناسبة ليس حزب العمال.

5- من سينتخب المسلم المحافظ؟ يا ليت قومي يتعلمون!

صورة من موقع المسلمون ينتخبون الذي انشأه الحزب المسيحي النرويجي للدعاية له خلال الانتخابات

صورة من موقع المسلمون ينتخبون الذي انشأه الحزب المسيحي النرويجي للدعاية له خلال الانتخابات

كانت نتائج استطلاعات الرأي الاولية مطمئنة فقد ازدادت شعبية الحمر أضعافًا، ولكن كان لدي هاجس يقلقني للغاية، يأتي هذا الهاجس من الدعاية التي تطاردني على فيسبوك بصفتي مسلم مقيم بالنرويج، كانت كل الاعلانات تقريبًا حصرية عن الحزب المسيحي الديمقراطي الذي قام بانشاء حملة مبتكرة لاجتذاب المسلمين، كانت فكرة الحملة بسيطة، نحن لسنا حزب التقدم العنصرى (على الرغم من تحالفهم شبه التاريخي معهم) ولكن نحن أقرب الأحزاب للإسلام، والإسلام لدي الحزب المسيحي مقابل للمحافظة الدينية تقريبًا، اعتمدت الدعاية على مقارنات بسيطة بين أحزاب اليسار كالعمال والحمر وبين برنامج الحزب المسيحي، على سبيل المثال، يدافع الحزب المسيحي عن وجود غرفة صلاة في كل مدرسة بينما يدافع الحمر عن محو الدين عن الدولة، يدافع الحزب المسيحي عن احترام المقدسات الدينية بينما يري العمال أن الرسوم الكارتونية حرية رأي وتعبير، يشجع الحزب المسيحي التزام المرأة بالملابس المحتشمة وهكذا، وفيديوهات لشيوخ وائمة يدعمون الحزب المسيحي وهلم جرا، ويبدو أنه على الرغم من (او ربما بسبب) نشأتي الإسلامية قد اصابني الإسلاموفوبيا، قلت في نفسي، لقد ضاعت الانتخابات مرة أخرى حيث يشكل المسلمون كتلة تصويتية مهمة خلف اليسار وخاصة الحمر بعد حادثة إقالة سيلفي ليستهاج.

ولكن على ماذا ركزت دعاية حزب الحمر إذًا؟ ركزت على ما يحتاجه المهاجرين فعلاً وهي اشياء بعيدة عن ملابس النساء ومسجد داخل كل مؤسسة حكومية. ركزت على ادانة العنصرية بكل اشكالها وصورها، وعلى توفير تأمين صحي مجانًا للأسنان (توفر النرويج تأمينًا صحيًا على الاسنان حتى سن 18 عامًا، مما يعني أن المهاجرين القادمين إليها من دول لا تقدم رعاية صحية للأسنان في الصغر سيظلون عالقين مع فواتير طبية باهظة الثمن لبقية حياتهم بينما قام نظرائهم النرويجيون بمعالجة أسنانهم الدائمة خلال فترة تغطية التأمين الصحي. ولذلك فإن التأمين الصحي على الأسنان هي قضية انعدام مساواة ليس إلا. ولم تنس الدعاية أن تخاطب اليسار الأخضر أيضًا بخطابات حول تسبب الرأسمالية في تدمير الطبيعة.

كان المسلم يشاهد نفسه في إعلانات الحزب المسيحي الديمقراطي ككائن غرائبي كل ما يهمّه هو الصلاة وملابس النساء، وكانت الاعلانات في الحقيقة تفرض نفس الصور النمطية التي يعاني معها المسلمون في كل يوم، أما في دعاية حزب الحمر ظهر المسلمون كبشر من لحم ودم، في الاعلان الذي نشره حزب الحمر حول الحق في رعاية صحية مجانية للأسنان يظهر طبيب الأسنان د. محمد هاشم الحسين ليتحدث من موقعه كخبير وطبيب اسنان، يقول أنه كطبيب أسنان يرى بشكل يومي كيف يقوم بعض الناس بخلع اسنانهم بلا أي داعي طبي بل فقط لأنهم لا يستطيعون تحمل كلفة العلاج الصحيح، لا يوجد أي ما يشير إلى هوية الطبيب في الفيديو غير اسمه، انه طبيب اسنان وخبير يتصادف انه مسلم، يتحدث عن مشكلة حقيقية يشعر بها كل شخص. هذا هو الفارق الذي شعر به المسلمون والذي حسم تصويتهم.

المصوتون للحمر منذ انتخابات 2009 - هيئة الاذاعة الوطنية النرويجية NRK

المصوتون للحمر منذ انتخابات 2009 – هيئة الاذاعة الوطنية النرويجية NRK

لم تُنشر بعد احصائيات دقيقة، ولكن استطلاعات الرأي تشير إلى أن المهاجرين مالوا اكثر من أي وقت مضى نحو اليسار الراديكالي في تصويتهم، أما ماكسنيس؟ لقد احتفظ بمقعده ولكنه هذه المرة رئيسًا لكتلة الحمر البرلمانية التي تتكون من ثمانية أعضاء، 700% زيادة عن الانتخابات الماضية، مع اكتساح اليسار لنتائج الانتخابات. أما حزب التقدم العنصرى فقد خسر ستة مقاعد كاملة.

6- لننسى أقواس القزح الآن

سحر آيدار، السياسية النرويجية تركية الأصل وعضوة البرلمان عن حزب الحمر - ويكيميديا

سحر آيدار، السياسية النرويجية تركية الأصل وعضوة البرلمان عن حزب الحمر – ويكيميديا

إن مسيرة الحمر في هذه الانتخابات هي ملحمة حقيقية، وعلى الرغم من تفهمي من خيبة أمل بعض الرفاق الذين كانوا يطمعون في مقاعد أكثر، ولكن لم يصل وقت الامتحان بعد، لدينا الآن أغلبية يسارية لن تستطيع تشكيل الحكومة بدون مشاركة الحمر، هل سيشارك الحمر في السلطة؟ لا اعتقد، ولكن الإبقاء على موقعهم المعارض النشط للحكومة سيكون أصعب كثيرًا ولكن لديهم هذه المرة أوراق تفاوضية اكثر وقوة تأثير اكبر على قرارات الحكومة، وستحمل الأيام والأربع سنوات القادمة العديد من الاختبارات الصعبة والحساسة للحزب، وفقط نأمل أن يتمكن الرفاق من استكمال مسيرتهم.

7- لماذا لا يتعلم يسار الوسط؟
ملاحظة على الهامش، في الانتخابات السابقة خسر حزب العمال القدرة على تشكيل الحكومة على الرغم من حصوله على أكثرية الأصوات، ولكن أحزاب اليسار لم تحصل على عدد كافٍ من المقاعد لدعمه وهذه المرة خسر حزب العمال في الحقيقة أحد مقاعده ولكن الأحزاب على يساره كانت أقوى ولذلك فسيشكل الحكومة خلال الأسابيع القادمة. فهل يتعلم يسار الوسط لمرة أن الأحزاب على يساره ليست أعداءه؟

هوامش:
(1) http://isu-norway.no/wp-content/uploads/2015/11/Quota-Scheme-Overview1.pdf
(2) https://www.regjeringen.no/no/aktuelt/svar_student/id2605536/
(3) https://blogs.prio.org/2020/03/erna-solberg-as-dictator/
(4) https://www.nrk.no/norge/erna-solberg-og-familien-brot-smittereglene_-_-beklager-1.15422762
(5) https://www.nrk.no/valg/2017/resultat/
(6) https://roedt.no/
(7) https://radikalportal.no/2015/10/12/lindebergsaken-hva-na-for-sykehjemsetaten-i-oslo/
(8) https://exepose.com/2018/02/15/endless-sex-scandals-in-norwegian-politics-can-the-people-in-power-be-trusted/
(9) https://exepose.com/2018/02/15/endless-sex-scandals-in-norwegian-politics-can-the-people-in-power-be-trusted/