بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كل السلطة للجان المقاومة في السودان؟

مظاهرات رافضة للانقلاب العسكري في السودان

في ثورة السودان، تحشد أكثر من خمسة آلاف لجنة مقاومة التعبئة لمعارضة الجنرالات وتنظم احتياجات الناس اليومية. في هذا المقال، تتساءل آن أليكساندر عمَّا إذا كانت اللجان الشعبية تصلح كأجهزةٍ بديلة عن السلطة الرأسمالية الحالية.

سقطت “الثورة التي لا نهاية لها” في السودان من الصفحات الأولى للعديد من وسائل الإعلام العالمية في الأسابيع الأخيرة من عام 2021. مرَّت الثورة بموجاتٍ من المد والجزر، وغرقت في الغاز المسيل للدموع واعتداءات قوات الأمن. لكن الأزمة في قلب الدولة تعمَّقت. تخلَّص الجنرالات من “شركائهم” المدنيين في الحكومة الانتقالية من خلال انقلاب 25 أكتوبر، ليجدوا أنفسهم عاجزين على تهدئة الشوارع.

تفاوَضَ رئيس الوزراء المخلوع عبد الله حمدوك على إطلاق سراحه من الإقامة الجبرية من خلال الموافقة على معظم مطالب الجيش في 21 نوفمبر. وقد حظى الاتفاق بدعم الحكومات الغربية والرباعية الإقليمية المناهضة للثورة – المملكة السعودية والإمارات ومصر وإسرائيل. لكن الجماهير السودانية استنكرت الاتفاق على نطاقٍ واسع، وفي انتصار حققته الاحتجاجات، استقال حمدوك أخيرًا في 2 يناير الجاري.

ومع ذلك، فإن جماعات المعارضة المدنية المتمثِّلة في “قوى الحرية والتغيير” لم تتمكَّن حتى الآن من توجيه ضربة حاسمة للجيش –مشاركتهم في الحكومة الانتقالية والتنازلات السابقة مع الجنرالات كلَّفتهم الكثير من نفوذهم في الشوارع.

الشيء نفسه يمكن قوله عن تجمع المهنيين السودانيين. اضطلع التجمع بدورٍ مهم في انتفاضة 2019 ضد الديكتاتور عمر البشير، لكنه انقسمت إلى فصيلين، وفقد شعبيته بسبب إخفاقات الحكومة الانتقالية التي ساعد قادته في تشكيلها.

بناءٌ قاعدي
في هذه الفجوة، تتنامى قوةٌ سياسية جديدة، ألا وهي لجان المقاومة في الأحياء. تستمر اللجان في حشد مئات الآلاف في الشوارع لتحدي الانقلاب، والتعبئة لأيامٍ من الإضرابات والعصيان المدني والاحتجاجات الكبرى في الشوارع. والآن، تتمتَّع اللجان، التي نُظِّمَت من خلال “تنسيقيات” على مستوى المناطق، بآلياتٍ ديمقراطية متماسكة في تنظيم العمل الجماعي.

قطعت هذه التنظيمات القاعدية شوطًا طويلاً منذ التجمعات الأولى للناس في ديسمبر ديسمبر 2018، حين كانوا يهتفون من أجل الخبز وغاز الطهي في الشوارع. واليوم تسجِّل صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي التفاعل بعشرات الآلاف، ولديهم فِرَقٌ إعلامية ومسؤولون صحفيون خاصون بهم. تقوم شبكاتهم بجمع المعلومات حول مواقع الشرطة، ومن ثم يحدِّدون مواقع نصب المتاريس ويوجِّهون المسيرات بناء على تلك المعلومات.

وليست هذه اللجان نتاجًا لنشاطٍ ثوري في العاصمة الخرطوم فحسب. حدَّدَ تقريرٌ صادر عن مركز كارتر الأمريكي، بناءً على مسحٍ واسع النطاق أُجرِيَ في مارس 2021، وجود 5289 لجنة مقاومة في جميع أنحاء السودان. ووجد الباحثون أن اللجان كانت ظاهرةً على مستوى الأمة:

* النيل الأزرق: 338 لجنة
* جنوب وغرب كردفان: 199 لجنة
* السودان الشرقية: 705 لجنة
* دارفور العظمى: 809 لجنة
* النيل الأبيض وكردفان العظمى: 601 لجنة
* وسط السودان: 1173 لجنة
* الولاية الشمالية: 650 لجنة
* الخرطوم: 814 لجنة

تتدخَّل اللجان في الإشراف على توريد الدقيق للمخابز وتوزيع الخبز وغاز الطهي. وفي بداية جائحة كورونا، أرسلت فِرَقًا من النشطاء لنشر رسائل الصحة العامة وتوزيع أقنعة الوجه والمعقمات.

في العديد من المناطق، هناك تقسيمٌ رسمي بين القيادة السياسية في الحي ولجنة التغيير والخدمات. تضم هذه الهيئة النشطاء الثوريين الذين يعملون بشكلٍ خاص على تحسين تقديم الخدمات. وغالبًا ما يعكس تقسيم العمل هذا انقسامًا بين الأجيال، حيث يقود النشطاء الشباب لجنة المقاومة.

ثم هناك التثقيف السياسي وبناء التنظيم. تجتذب هذه الانشطة أجيالًا مختلفة لمناقشة الشعارات والتكتيكات والإستراتيجيات على المستوى المحلي. وفي بعض الأحيان، نمت لجان المقاومة من كياناتٍ محصورة في مجرد الاحتجاج إلى حركةٍ جماهيرية ديمقراطية. صاروا ينتخبون جمعياتٍ عمومية ولجان تنفيذية ومندوبين يمثِّلون الحي في التنسيق المحلي.

في الأشهر التي سبقت الانقلاب العسكري، مرَّت لجان المقاومة بعملية “بناء قاعدي”. في العاصمة، وفي غضارف، وبورتسودان، قام أعضاء لجان المقاومة بتجديد أو إقامة هياكل داخلية على أساس أكثر ديمقراطية من خلال عقد مجالس عمومية وانتخاب هيئات قيادية. وأُفيدَ بأن عمليةٍ مشابهة تجري في بعض النقابات وشبكات النشطاء القائمة في مواقع العمل، بما في ذلك أساتذة الجامعات والصيادلة والعاملون في وسائل الإعلام.

وفقًا للناشط خالد الشيخ، أطلقت لجان المقاومة في حي “خرطوم بحري” حملة بناء قاعدي بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 21 سبتمبر 2021. وأعلنت اللجان في بلدة أم ضوا بان، وهي بلدةٌ صغيرة تقع على بعد 40 كيلومترًا جنوب الخرطوم، أن عمليات البناء القاعدي هي سبيل مقاومة التغوُّل العسكري في البلاد.

تقدم الصور المنشور مع لتقرير خالد لمحةً عن نطاق المناقشات التي جرت في الأسابيع القليلة الأولى من شهر أكتوبر. شبان وشابات، في الخطوط الأمامية للاحتجاجات، يجتمعون في حلقة نقاش. نساء في منتصف العمر بأغطية رأسهن الملونة ينخرطن في نقاشٍ جاد مع عمال يرتدون زيَّ العمل وصنادل بلاستيكية تحت سقف من الصفيح لورشة عمل أو مرآب في صورٍ أخرى.

في غضون أسابيع قليلة من الانقلاب، قفزت لجان المقاومة قفزةً أخرى إلى الأمام، معلنةً أنها تجهِّز أول برنامج سياسي لها. وتظهر الملامح العامة لهذا البرنامج في حديثٍ إعلامي صادر عن شبكة عين في 8 ديسمبر مع المتحدث الرسمي باسم تنسيق لجان المقاومة في الخرطوم، سامي محمد عبد الحليم. بحسب عبد الحليم، سيتناول البرنامج “الاقتصاد وإصلاح الجهاز العسكري والأمني ​​والحدود الوطنية والعلاقات الخارجية والأحوال المعيشية”.

ينخرط الآلاف في جميع أنحاء البلاد في نقاشات حول تلك الموضوعات، مستفيدين من مساحة الحرية التي خلقوها بتحديهم للنظام العسكري في الشوارع. وتزداد الأسئلة حول دور الدولة في الحياة اليومية إلحاحًا بشكلٍ كبير في أحياء الطبقة العاملة والأحياء الفقيرة.

أخبرني نشطاءٌ سودانيون أن المقترحات الخاصة باستخدام برنامج لجان المقاومة من أجل طرح مطالب أكثر راديكالية للعدالة الاقتصادية والاجتماعية تجني تأييدًا في الأحياء الفقيرة، بينما تميل الأحياء الأغنى إلى طرح التساؤلات حول الإصلاح السياسي. أصبح شعار “كل السلطة والثروة للشعب” شعارًا شعبيًا في الاحتجاجات، لكن هناك ضغطًا متواصلًا لإسقاط الجزء الثاني منه والتركيز في المقابل على الجزء الأول.

هناك أيضًا اتصالٌ مفقود بالحركة الثورية في مواقع العمل. لا يبدو أن اللجان القائمة في الأحياء تتضمَّن مندوبين من مواقع العمل بشكلٍ رسميٍّ في هياكلها. في المقابل، تعمل اللجان بالتوازي مع النقابات المستقلة ولجان المقاومة في مواقع العمل، التي تتحرَّك أيضًا ضد الجيش.

وبشكلٍ عام، كانت التعبئة في مواقع العمل أضعف خلال موجة الاحتجاجات منذ أكتوبر 2021 مِمَّا كانت عليه في 2019. وقد يعكس ذلك الاختيارات السياسية بين كيانات النشاط الكبرى. وقد تركَّزَت الاحتجاجات في المظاهرات والعصيان المدني، لا في الإضرابات العامة، التي أثبتت فاعليةً قويةً للغاية في 2019.

من المُحتَمَل أيضًا أن يكون القمع ضد النشطاء في مواقع العمل، في المراحل الأولى من الانقلاب، قد أدَّى إلى خسائر فادحة. على سبيل المثال، اعتقل الجيش المئات من النشطاء في لجنة المعلِّمين السودانيين، وغيرهم من العاملين في وزارة التعليم، في إحدى حملات القمع في نوفمبر الماضي.

لكن هناك دلائل ظهرت مؤخَّرًا تدل على أن النضالات الاقتصادية والسياسية تتسارع مرةً أخرى في مواقع العمل. وأعلن العاملون بالمحاكم إضرابًا لمدة أربعة أيام بدءًا من 2 يناير، رافعين مجموعةٍ من المطالب التي تضمَّنَت أجورًا أعلى وبدلات غلاء معيشة.

ووفقًا لصفحة التحالف السوداني لاستعادة النقابات على فيسبوك، سجَّلَت لجان الإضراب في كلِّ ولاية تقريبًا مشاركةً من 60 إلى 100%. وتُظهِر صور الاجتماعات العامة أن أغلبية المضربين من النساء العاملات من الشرائح الأفقر.

العاملون في البنوك بنوا هم أيضًا حركةً كبرى شملت العديد من مواقع العمل، مطالبين بالتحوُّل الديمقراطي. ولا يكتسب ذلك أهميته فقط من الاضطرابات المُحتَمَلة التي قد يتسبَّب فيها، فالتحالف الحاكم القديم بين الحركة الإسلامية والجيش كان يتجذَّر بالأساس في صعود طبقةٍ جديدةٍ من الرأسماليين في الثمانينيات، أولئك الذين اغتنوا من توسُّع القطاع المالي.

يشير التنامي غير المتكافئ للحركة الثورية بين الأحياء ومواقع العمل إلى طريقٍ صعب. وسيظلُّ الوقت في صالح الجنرالات والسلطة، إلا إذا نهضت أشكالٌ جديدةٌ من التنظيمات الثورية، أشكالٌ تكرِّس القوة الإستراتيجية لدى العمال لتعطيل الإنتاج والتوزيع والخدمات، وتوجِّهها صوب قلب الدولة.

ولابد أن تكون هذه القوة هي قوة الناس العاديين الواعين سياسيًا والذين يدركون قوتهم هذه، والذين يديرون البلد بأسره من خلال عملهم. لابد ألَّا تكون هذه القوة مجرد أداةٍ في يد الساسة “المدنيين”، الذين يستخدمونها للتفاوض من أجل عودتهم إلى أروقة السلطة. ولابد أن تنهض هذه القوة بنفسها عبر جهدها الخاص من أجل الظفر بالتغيير.

السلطة المزدوجة؟
من شأن كلِّ ذلك أن يطرح تساؤلاتٍ حول “السلطة المزدوجة” -وهي فكرةٌ تعود إلى الثورة الروسية. في فبراير 1917، أطاحت الثورة ديكتاتورية القيصر القديمة، وجلبت إلى السلطة حكومةً انتقالية من ليبراليين واشتراكيين “معتدلين” كانوا يهدفون إلى تحويل روسيا إلى ديمقراطية برلمانية ودولة رأسمالية حديثة.

لكن في الوقت نفسه، كانت الطبقة العاملة قد شيَّدَت تنظيماتها الديمقراطية الخاصة -مجالس العمال، المعروفة باسم “السوفييتات”- في مجرى النضال نفسه.

عرَّفَ القائد الثوري فلاديمير لينين هذا الوضع بـ”السلطة المزدوجة”، حيث تكون هناك “حكومتان قائمتان بالفعل”. ودار جداله الرئيسي حول أن مجالس العمال والجنود قد أسَّسَت بالفعل مركزًا بديلًا عن الحكومة الانتقالية الليبرالية. في أبريل 1917، أطلق لينين شعار “الخبز، الأرض، السلام”، وجادَلَ بأن ذلك الشعار لا يمكن تلبيته إلا بأن تكون “كلُّ السلطة السوفييتات”.

أما ليون تروتسكي، الذي كان أول مَن لَمَسَ الدور الثوري للسوفييتات في ثورة 1905، فقد أوضَحَ هذا المفهوم. لقد جادَلَ بأن السلطة المزدوجة هي مظهرٌ من مظاهر الثورات الاجتماعية -الثورات التي تغيِّر النظام الاجتماعي وليس التشكيلة السياسية فحسب. يؤدِّي تدمير التوازن الاجتماعي بين الطبقات، في خضم الثورة، إلى انقسامٍ في البُنى الفوقية للدولة، ويخلق الظروف من أجل نهوض حكومتين متنازعتين.

تميَّزَت الثورة الروسية بشكلٍ من السلطة المزدوجة كانت فيه الطبقة الرأسمالية ضعيفةً للغاية لتوطيد انتصارها على الطبقة الحاكمة القديمة. وكانت جهودها لتأسيس جمهورية ديمقراطية رأسمالية مُهدَّدة بنهوض قوةٍ ثالثة، وهي حكومة بديلة جنينية من مجالس العمال. وهذه المجالس أشارت إلى الطريق نحو قفزةٍ من الثورة الديمقراطية إلى الثورة الاشتراكية.

لكن تروتسكي حذَّرَ من أن مرحلة السلطة المزدوجة في الثورات هي مرحلةٌ مؤقَّتة وغير مستقرة. وبما أنها تتضمَّن تناحراتٍ بين الطبقات المتنازعة، فلا يمكن أن تُحل إلا بحربٍ أهلية.

تتسم اللحظة الراهنة في العملية الثورية في السودان بأزمةٍ سياسيةٍ حادة، ابتلعت الجيش وخصومه المدنيين أيضًا. شهد ذلك القطاع من الطبقة الحاكمة السودانية، الذي وَضَعَ آماله على استعادة الحكم العسكري، تعطُّلًا لخططه لأكثر من ستة أشهر تحت وطأة التعبئة الجماهيرية.

ولقد انكشف ضعف القطاع الأصغر من الطبقة الحاكمة السودانية، التي تدعم “التحوُّل الديمقراطي”، في الانقلاب. أطاح الجنرالات بسهولةٍ بممثِّلي الحكومة الانتقالية، وفقدوا تأثيرهم على الشارع.

أما الحركات السياسية للطبقة الوسطى، فهي عالقةٌ في نسخةٍ من المعضلة نفسها. تدعم هذه الحركات النضال من أجل دولةٍ “مدنية”، يعود فيها الجيش إلى “مكانه الصحيح” في الثكنات ويترك الحكومة للخبراء والتكنوقراط. وهذه الشرائح ليست قويةً بما يكفي للهيمنة على الحركة الجماهيرية في الشارع. إنهم بحاجةٍ إلى تضحيات الفقراء والطبقة العاملة على المتاريس، لكنهم لم يجدوا بعد طريقًا لتقديم أيِّ شيءٍ في المقابل.

ولقد انكشف أيضًا خواء إستراتيجيتهم إثر الفشل المتتابع للحكومة الانتقالية في تقويض أو حتى الحدِّ من السلطة الاقتصادية للجنرالات.

لطالما تفاخَرَ الجنرال محمد “حمدتي” حمدان، قائد القوات شبه العسكرية والذي صار نائبًا للرئيس، بقدرته على إنقاذ البنك المركزي من ضائقته المالية. وفي الوقت نفسه، ارتفع التضخُّم خلال السنة الماضية حين خفَّضَت الحكومة الانتقالية قيمة العملة وبدأت في رفع الدعم على السلع الأساسية والوقود، تماشيًا مع تقاليد السوق الحرَّة. وأصبحت تكلفة واردات الغذاء، التي تشكِّل جزءًا رئيسيًا من الاستهلاك الأكبر لسكَّان المدن، خارج السيطرة.

المركز والأطراف
يجادل مجدي الجزولي وإدوارد توماس بأن الأزمة الاجتماعية، التي هي كامنةٌ في نسيج المجتمع السوداني عبر التاريخ الحديث للبلاد، تخفي في طيَّاتها الأزمة السياسية الراهنة. ويشهد ذلك على انقسامٍ بين “المركز” -وادي النيل حول الخرطوم وأراضيه الزراعية الخصبة- و”الأطراف”. وهذه الأطراف تتضمَّن السهول في الغرب والجنوب، التي تدعم تربية الماشية، والغنية بالموارد، مثل النفط في الجنوب والذهب في شمال دارفور. وهذا الانقسام يأخذ شكل سياسات النهب من قِبَلِ “المركز” تجاه “الأطراف”.

في الجيل الأول بعد الاستقلال، ولَّدَت هذه الآلية حركات تمرُّدٍ مسلَّحة في الأطراف. وأجبرت أكبر هذه الحركات وأنجحها على تأسيس دولةٍ مستقلة في جنوب السودان في 2011.

أنشأ الديكتاتور السابق عمر البشير ميليشياتٍ قوية -مثل الجنجويد المتمركزة في دارفور، والتي تحوَّلَت لاحقًا إلى قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي. وهذه القوات هي التي تشرف على استخراج الموارد، وتعمل بمثابة ثقلٍ سياسي وعسكري مضاد لحركات المعارضة المتمركزة في المدن. كان حميدتي أحد أعمدة المجلس العسكري الانتقالي، الذي حلَّ محلَّ البشير في أبريل 2019.

عمل المجلس العسكري الانتقالي على استمالة بعضٍ من حركات التمرُّد المسلَّحة المتبقية عبر اتفاقية جوبا للسلام، التي مهَّدَت الطريق لانضمام هذه الحركات في الحكومة الانتقالية.

لم يمنح المجلس العسكري الانتقالي القائد الدارفوري المتمرِّد جبريل إبراهيم منصبًا وزاريًا فحسب، بل منحه دورًا رئيسيًا في إنفاذ “الانضباط المالي” على جماهير الخرطوم وأم درمان، من خلال الهجوم على الدعم باعتباره وزيرًا للمالية. وكان إبراهيم ومني مناوي، وهو قيادي متمرِّد سابقٌ أيضًا، مُحرِّضَين أساسيَّيَن على اعتصامٍ يطالب باستعادة الحكم العسكري في البلاد قبل انقلاب 25 أكتوبر.

يجادل الجزولي وتوماس بأن الثوار في المدن عليهم أن يتجاهلوا كيف حُشِدَت الميليشيات الريفية في الجيش. لكن الخبز يُنتَج في المدن من القمح المُستورَد، وهذا القمح يُدفَع ثمنه من خلال صادرات الماشية والذهب من الأطراف. وهكذا تصبح مسألة السلام، وإمدادات الخبز، ومَن يتحكَّم في الأرض ومواردها، ذات ارتباطٍ وثيقٍ بالأمر.

هل بإمكان لجان المقاومة أن تقدِّم بديلًا عن التاريخ الطويل من النهب والسلب من جانب المركز للأطراف في السودان؟ على المستوى السياسي، هناك أملٌ أن تتمكَّن اللجان من ذلك. وقد ساعَدَ استمرار قوات حميدتي شبه العسكرية في الإرهاب والقتل في دارفور وفي المدن الرئيسية على السواء في خلق إحساسٍ بالوحدة. وقد بُعِثَ الشعار المناهض للعنصرية -“كل البلد دارفور”- من جديد مؤخَّرًا، بعدما اعتدت القوات الحكومية على النساء واغتصبتهنَّ خلال مظاهراتٍ أمام القصر الجمهوري.

أما بناء تحالف سياسي مستقر بين فقراء المدن والريف، فسوف يفرض تحدياتٍ أكبر. وأحد شروط تأسيس مثل هذا التحالف هو بالتأكيد أن تبني الحركة الثورية في المدن أشكالًا من التنظيم الذاتي. ولابد أن يتجاوز ذلك العتبة من فرض المطالب على مَن هم في السلطة إلى تنفيذ تلك المطالب تحت سلطة الحركة الثورية نفسها.

لكن هل سيفتح ذلك الباب أمام إمداد المدن بالغذاء دون تجويع الريف؟ وكيف يمكن أن تُقلَب تلك الآلية التي تنتج في الوقت الراهن أرباحًا للمستثمرين الخليجيين ومحاسيبهم السودانيين من خلال الواردات الزراعية والتعدينية على يد مثل هذه السلطة الديمقراطية الثورية لتلبية احتياجات الناس العاديين؟

هنا بالتحديد سيتحوَّل التطوُّر المحدود للحركة الثورية في مواقع العمل إلى نقطة ضعفٍ قاتلة. تُنظَّم لجان المقاومة في شكلها الحالي على أساسٍ جغرافي، وهذا يحدُّ من قدرتها على التأثير المباشر في ما يحدث خارج مناطقهم.

يمكن للجان الأكثر جذريةً أن تحاول تشكيل الحركة الأوسع من خلال المطالب التي ترفعها، أو من خلال قوة الاحتجاجات التي تنظِّمها. لكن، على عكس مجالس العمال، لا يمكنهم اتِّخاذ قراراتٍ مباشرة لتعطيل أو زيادة الإنتاج أو تقديم الخدمات. إن قدرة العمال على التعطيل أو البناء في الوقت نفسه تجعل من الضروري عليهم أن يتولوا زمام الأمور في المواجهة مع الدولة.

يبدو أن الكثير من جوانب ثورة السودان لديها قواسم مشتركة عِدَّة مع المعضلة التي تناولها كارل ماركس في 1850، أكثر مِمَّا مع أبريل 1917. خان الليبراليون المطالب الجذرية في موجة ثورات 1848. وفي خطابٍ إلى أعضاء العصبة الشيوعية، أوضح ماركس إستراتيجيةً أقرَّت الحاجة إلى عمليةٍ من “التطوُّر الثوري الممتد”، يبني فيه العمال منظماتهم الطبقية المستقلة وينشئون شكلًا من السلطة المزدوجة، لا أن “يصفِّقون” احتفالًا بانتصار الرأسماليين الليبراليين على النظام القديم.

ربما تبدو مثل هذه المقارنة سابقة لأوانها، في وقتٍ لا يزال فيه الليبراليون السودانيون خارج القصر الرئاسي. في الحقيقة، لم تتحقَّق آمال ماركس في فترةٍ طويلةٍ من الديمقراطية الجمهورية. ولم تتحقَّق كذلك أولويته بأن يبني اليسار الثوري في هذه الفترة “حزبًا منظَّمًا مستقلًا” للطبقة العاملة. لكنه كان واضحًا في أن على العمال والفقراء ألَّا يعتمدوا على الرأسماليين الليبراليين في إرساء الحقوق الديمقراطية من أجل أن يبنوا تنظيماتهم الطبقية ويفرضوا مصالحهم الطبقية. في المقابل، كان العمال بحاجةٍ إلى انتزاع حقوقهم عنوةً ويدافعون عنها بالقوة إذا لزم الأمر.

سوف يستغرق وضع الأسس لمثل هذه القوة المستقلة والمتماسكة الكثير من الوقت -والسؤال الآن هو كيف يمكن اكتساب مثل هذه القوة؟ هذا في الوقت الذي يتصاعد فيه القمع، وتصبح فيه الرموز القيادية للجان المقاومة هدفًا للقمع.

الثورة الدائمة
تتوافر في السودان ثلاثة محاور جادَلَ ماركس بأن “الثورة الدائمة” يمكن أن تتطوَّر حولهم. يكمن المحور الأول في التعبئة ضد النظام القائم وبناء أشكالٍ بديلة لسلطةٍ حكومية.

كما أُشيرَ من قبل، فإن بدايات هذه العملية بدأت في الظهور بالفعل في السودان. تتطوَّر لجان المقاومة من كونها منظِّمةً للاحتجاجات لتصبح طرفًا سياسيًا في الساحة. وتنظر إليهم الأحزاب السياسية القائمة باعتبارهم حلفاءً مُحتَمَلين، وهم يطوِّرون مطالبهم ومواقفهم بشأن قضايا أبعد بكثيرٍ عن منطلقاتهم الرئيسية.

لم تتطوَّر هذه العملية بعد لتمثِّل تدخُّلًا واعيًا لتصبح حكومةً بديلة، لكن البذور التي يمكن أن يتطوَّر منها هذا التدخُّل قد زُرِعَت بالفعل.

هذه ليست عمليةً تتطوَّر في خطٍّ مستقيم، بل حركةً من التقدُّم والتراجع. لقد تطوَّرَت لجان المقاومة في مكانتها وفي ثقتها السياسية لأنها أصبحت قيادةً للحركة في الشوارع ضد الانقلاب العسكري. وتقديم خدماتٍ “بديلة” في الضواحي المحلية -في انفصالٍ عن المواجهة مع الدولة من خلال حركةٍ جماهيريةٍ جماعية- لم يكن ليجعلها تصبح ما هي عليه اليوم.

أما المحور الثاني من الثورة الدائمة، فيكمن في الأبعاد “السياسية” و”الاقتصادية” للنضال الثوري.

يظهر المخطَّط الجنيني لهذه العملية في الثورة السودانية، وقد أدرَكَت بعض التيارات في الحركة الثورية بشكلٍ غريزي الحاجة إلى تعميق هذا المخطَّط الجنيني. وقد عجَّلَت الإضرابات، التي عزَّزَت القوة الاقتصادية للعمال في قطاعاتٍ خدمية وإنتاجية رئيسية من أجل أهدافٍ سياسية، مثل الإضرابات العامة في مايو ويونيو 2019، من هذه العملية.

وكما حذَّرَت الاشتراكية الثورية روزا لكسمبورج، فإن توقُّع أن يكون هناك مسارًا ثابتًا من المطالب الاقتصادية إلى السياسية لهو توقُّعٌ ساذج. كلُّ خطوةً للأمام في النضال السياسي تؤدِّي إلى موجةٍ جديدةٍ من النضالات “الاقتصادية”. ودائمًا ما يكون هناك ميلٌ لرؤية انتعاش المطالب من أجل تحسيناتٍ في الأجور وظروف العمل في قلب الثورة باعتبارها حرفًا لهذه الثورة.

في الواقع، فإن نفس زخم التقدُّم والتراجع بين النضالات الاقتصادية والسياسية يمكن أن يدفع الثورة إلى الأمام. لكن هذا مشروطٌ ببناء منظماتٍ يمكنها العمل عبر هاتين المساحتين من العملية الثورية وتهدف إلى الدمج بينهما.

لكن حتى بصرف النظر عن اللحظات التي يمكن فيها إدراك حالة السلطة المزدوجة، من الممكن تطوير وتعميم خبرات النضال التي تصبُّ في هذا الهدف. على سبيل المثال، فإن الإصرار على بناء أشكالٍ من التنظيم الديمقراطي أثناء الإضرابات، مِمَّا يعني أن ممثِّلي النقابات مسؤولون دائمًا أمام جمهور المضربين، لهو إحدى طرق القيام بذلك.

وجزءٌ من التحديد أمام أيِّ قيادةٍ ثورية هو ما يمكن إنجازه بواسطة هذه المنظمات القائمة بالفعل -بالأخص تلك التي يبنيها الناس العاديون بأنفسهم خلال نضالاتهم- وأين ومتى يمكن القطع معها وبناء منظمات جديدة.

يبدو أن لجان المقاومة واللجان التي تنسِّق إضرابات العاملين في المحاكم متجذِّرتين في مساحتين مختلفتين. إحداهما تركِّز على النضال السياسي ضد الجيش، بينما ترفع الأخرى مطالب سياسية من أجل أجورٍ أفضل. غير أن إضرابًا يشلُّ العمل في المحاكم عبر البلد بأسره من شأنه أن يسدِّد ضربةً سياسيةً ثقيلة لآمال الجنرالات في استعادة الاستقرار.

في نوفمبر الماضي، كانت الاقتراحات تُتداوَل على فيسبوك بتوسيع التنسيقيات عبر الخرطوم، لتشمل ممثِّلين من النقابات ومندوبين من لجان المقاومة. لعلَّ كيانًا كهذا، بالأخص إذا تألَّفَ من مندوبين من مواقع العمل المضربة، سيكون قادرًا على استخدام مجموعة متنوِّعة بشدة من التكتيكات والإستراتيجيات. من شأنه أن يسرِّع من التبادل بين المطالب الاقتصادية والسياسية، وتداول الأفكار وتدوير الناس بين المنظمات الثورية في مواقع العمل والأحياء.

أما المحور الثالث، فهو التطوُّر اللامتكافئ بين المركز والأطراف في المجتمع الرأسمالي.

لعلَّ مجادلة تروتسكي بأن الثورة الدائمة جعلت “التأخُّر” السياسي والثقافي لروسيا، بالمعايير الرأسمالية، في صالح الثوريين، لهي ذات صلةٍ وثيقةٍ بشكلٍ خاص بالسودان اليوم. مهَّدَ التطوُّر اللامتكافئ الطريق لتركيز عمال المصانع -بقوةٍ اجتماعية لا تتناسب مع عددهم- في بلدٍ ذي أغلبية فلاحية. أما الطبقة الحاكمة، فهي تعتمد على توليفةٍ من المؤسَّسات الدينية والسياسية التي تعود للقرون الوسطى، مع عناصر من الدولة الاستبدادية الحديثة.

أدَّى ذلك إلى مزيجٍ قابل للاشتعال، مُدشِّنًا ثورةً قفزت من النضال من أجل ديمقراطية رأسمالية إلى النضال من أجل الاشتراكية في غضون أشهرٍ معدودة.

في سياق السودان، هناك العديد من الطرق التي قد تبدأ بها حركةٌ عكسية عبر مركز وأطراف الرأسمالية في التطوُّر.

ومن الواضح أن هناك ارتباطًا بين الأبعاد الإقليمية والدولية للثورة. تبدو القوى الإقليمية الأربعة -السعودية والإمارات ومصر وإسرائيل- مرتابةً إزاء التحديات من أسفل. وبناء وتعميق التحالفات العملية مع الحركات التي تعارض حكَّام هذه البلدان هو طريقٍ يتعلَّق بالمحور الثالث.

ومع ذلك، فإن الأمر الأكثر راهنيةً هو تطوير التنسيق والتضامن الثوري داخل السودان، عبر الانقسام بين “المركز” و”الأطراف”، على قضايا السلام والخبز والأرض. في هذه المرحلة، نتحدَّث عن بناء الحركة أكثر من اكتساح عناصر السلطة. لكن مطالب الحركة الجماهيرية وإعلاناتها على الأقل تشير إلى قفزةٍ في هذا الاتجاه.

عبر كلِّ المحاور الثلاثة، فإن توطيد سلطة مضادة بديلة عن الدولة القائمة ستوفِّر مفتاحًا لأبواب الثكنات. سيفتح ذلك الإمكانية لانقسام الكيانات المسلَّحة التي تقع في القلب من الدولة السودانية على أسسٍ طبقية. سيقلب ذلك الجنود ضد قادتهم. سوف يغيِّر حساباتهم بشأن مخاطر التمرُّد من أجل شيءٍ معزول قد يفكِّر فيه الشجعان فحسب، إلى اختيارٍ واعٍ للأغلبية. كيف يمكن لفكرة السلطة المضادة الشعبية أن تكتسب زخمًا، إن لم يكن أحدٌ قادرًا على رؤية ما وراء جدران الثكنات؟

يرجع حزب اليسار التاريخي في السودان، الحزب الشيوعي السوداني، إلى عقودٍ عديدة من النضال ضد الأنظمة الاستبدادية، وقد خسر قادةً مهمين قضوا حياتهم على المشانق خلال ذلك.

غير أنه، وفقًا لشاهد عيان على المفاوضات بشأن تشكيل الحكومة الانتقالية، أصرَّ ممثِّل الحزب الشيوعي على الجنرالات بأن يحتفظوا بوزارتيّ الدفاع والداخلية. وقد جادَلَ بأن الجنرالات سيكونون الأفضل في التعامل مع مثل هذه “المسائل العسكرية”.

ليست السلطة المزدوجة، كما ذكر تروتسكي، “دستورية، بل حقيقةً ثورية”. إنها لا تتطلَّب أزمةً وشللًا في القوى القديمة فحسب، بل أيضًا نموًا وتطوُّرًا لقوى جديدة.

إذا كانت الخبرات التاريخية تتماشى مع ذلك بأيِّ شكل، فهذا يعني أكثر من مجرد نهوض أشكال جنينية من المجال العمالية لتدمج النضال ضد الجنرالات ودولتهم مع النضال ضد الطبقة الرأسمالية الأوسع. ورغم أن ذلك سيكون مهمًا للغاية، فإنه سيتطلَّب أيضًا تأسيس حزبٍ ثوري يقرُّ بالحاجة إلى تحطيم الدولة القائمة وينظِّم عملية إسقاطها. وكما طَرَحَ ماركس في 1850، فإن صيحة النضال يجب أن تكون “الثورة الدائمة”.

كانت هناك لحظاتٌ في التاريخ تطلَّبَت قفزةً إلى المجهول. لحظاتٌ تكون هناك حاجةٌ فيها لطرح سؤالٍ من أجل اختبار أيِّ الإجابات ممكنة حقًّا. السلام، الخبز، الأرض، كل السلطة للجان المقاومة؟ هل يمكن للنساء والرجال على المتاريس في السودان أن يبنوا سلطةً شعبية مضادة للدولة وغيلانها؟ هل بإمكانها فتح الباب أمام تأسيس “سلطة من نفس طراز كوميونة باريس”، مثلما طَرَحَ لينين في 1917؟ إذا لم يبدأوا في توجيه هذه الأسئلة لأنفسهم، لن نعرف الإجابة.

* هذا الموضوع بقلم آن أليكساندر – صحيفة العامل الاشتراكي البريطانية