بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لا للحرب على أوكرانيا: الأوكرانيون هم من يقررون مصيرهم

حرب روسيا على أوكرانيا

استيقظ العالم صباح الخميس على حربٍ شاملة شنَّتها روسيا على أوكرانيا. وبينما كانت التوتُّرات تتصاعد على مدار الأشهر الماضية، تُعَدُّ هذه الحرب تصعيدًا حادًا وربما تكون الحدث الأعنف منذ قصف الناتو ليوغوسلافيا السابقة، وهي أيضًا الغزو البري الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية. تأتي هذه الحرب كجزءٍ من الصراع الإمبريالي بين كتلتين جيوسياسيتين، روسيا والناتو، وقد وضعت أوكرانيا بين مطرقةٍ وسندان.

توقَّع أغلب اليسار تطوُّرًا أبطأ، وإلحاقًا مُحتَمَلًا لدوينتسك ولوهانسك، أشبه بضمِّ القرم في العام 2014. هذه مناطق ناطقة بالروسية في معظمها، في شرقيّ وجنوبيّ أوكرانيا، ولها صلاتٌ اقتصادية وثقافية وثيقة بالجارة الشرقية -روسيا. لكنها أيضًا مناطق ذات أهميةٍ اقتصادية وإستراتيجية كبرى بالنسبة لروسيا، حيث يمثِّل إقليم القرم موطئ قدم البحرية الروسية في البحر الأسود، وتمثِّل دونيتسك ولوهانسك (اللتان أحيانًا ما يُطلَق عليهما سويًا “دونباس”) منطقةً لاستخراج الفحم المُستخدَم في الصناعة، ويُنظَر إلى علاقتها المُعمَّقة مع روسيا خلال العقد الماضي باعتبارها تهديدًا على السيادة الأوكرانية وتوغُّلًا في أوروبا الأوسع.

ضمَّت روسيا القرم خلال الصراع الكبير السابق في المنطقة في العام 2014، لكن دونيتسك ولوهانسك كانتا منطقةً رمادية، على مدار ما يقرب من عقدٍ كامل، كدولتين منفصلتين بدعمٍ وتدخُّلٍ روسي، وأدارهما انفصاليون مدعومون من روسيا. وفي الأسبوع الماضي، اعترف بوتين بالفعل باستقلال دونيتسك ولوهانسك، لكنه سارع بالكارثة إلى حدٍّ كبير بقصف الكثير من المواقع عبر أرجاء أوكرانيا، بما في ذلك العاصمة والمدن الغربية.

يتَّسع الدمار الذي يتسبَّب فيه الغزو الروسي على نحوٍ كارثي، وكلفته البشرية سوف تزداد سوءًا في الأيام المقبلة، إذا لم يجر التوصُّل إلى وقفٍ لإطلاق النار، أو حتى ذلك الحين. أفاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بوقوع 137 قتيلًا في اليوم الأول للحرب، علاوة على إصابة أكثر من 300 آخرين. وفي العاصمة الأوكرانية كييف، أفزعت القذائف الروسية المدينة، مما تسبَّب في إغلاقٍ للطرق وزحامٍ مروري بينما حاول المدنيون الهروب. وفي خاركيف، تحوَّلَت محطات مترو الأنفاق إلى ملاجئٍ من القصف. وفي لفيف، في أقصى غرب البلاد، انطلقت صافرات الإنذار لأول مرةٍ منذ الحرب العالمية الثانية. وتتدفَّق الآن موجةٌ جديدةٌ من اللاجئين إلى بولندا والدول المجاورة غرب أوكرانيا.

العدوان الروسي
ادَّعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في تبريره للغزو في خطابه المشؤوم صباح الخميس الماضي، وقوع إبادة جماعية أوكرانية بحقِّ المجتمعات الناطقة بالروسية، وتمادى للتأكيد على أن أوكرانيا هي المعتدي الذي يريد أن يغزو المناطق الروسية -وهو أمرٌ مستحيلٌ ببساطة بالنظر إلى القدرات الاقتصادية والعسكرية الروسية الأكبر بما لا يُقاس بالنسبة لأوكرانيا. وبصورةٍ غير مباشرة، طَرَحَ بوتين خطر الحرب النووية إذا ردَّ الناتو على روسيا عسكريًا.

كرَّرَ خطاب بوتين عبارةً شائعة، إذ قال إنه يخطِّط لـ”نزع النازية” من أوكرانيا، في إشارةٍ إلى وجود ميليشيات ومنظمات يمينية متطرِّفة في الحركة القومية الأوكرانية. الأكيد في هذا الأمر أن وجود نازيين جدد في الحركة من أجل السيادة الأوكرانية لهو أمرٌ غايةٌ في الخطورة، فهم يستندون إلى تاريخٍ مُعقَّدٍ من التعاون بين القومية الأوكرانية والنازيين خلال الحرب العالمية الثانية، ووجودهم يمثِّل تيارًا حقيقيًا حتى في المناقشات الأكثر اعتدالًا بشأن تقرير مصير أوكرانيا.

لكن روسيا تبالغ دومًا في دور الفاشيين في أوكرانيا، مستخدمةً هذه النقطة للدعاية، ناهيكم عن أن روسيا نفسها قد أرسلت فاشيين إلى منطقة الدونباس لإذكاء التوتُّرات الانفصالية، ولقمع التحرُّكات المناهضة للفاشية في الداخل. هذه الجماعات الفاشية، للأسف، حاضرةٌ في كلِّ جوانب هذا الصراع، والحرب لن تعالج ذلك، بل في الواقع ستشعل المشاعر القومية التي تتغذَّى عليها الفاشية. لن يؤدِّي الغزو الروسي إلا إلى توطيد وترسيخ اليمين المتطرِّف الأوكراني، إذ تقدِّم لهم عدوًا ودعايةً تجرف المزيد من الناس إلى التطرُّف اليميني، وتجلب المزيد من الأسلحة التي ستولِّد المزيد من العنف.

إلى جانب مزاعم بوتين الخيالية حول أوكرانيا، تتعلَّق أسبابه الجوهرية للحرب بحلف الناتو وتعدي الغرب على ما يعتبره جزءًا تاريخيًا وشرعيًا من إمبراطوريةٍ روسيةٍ أكبر -وهو أمرٌ ترفضه شعوب الدول المجاورة بشدة. خلال الحرب الباردة، شهدنا عالمًا إمبرياليًا ثنائي القطب منقسمًا بين الاتحاد السوفييتي والكتلة المحيطة ضد الولايات المتحدة وحلفائها. وقد أفسح انهيار الاتحاد السوفييتي المجال لنظامٍ أحادي القطب تتصدَّره الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين، عمل حلف الناتو على إقناع المستعمرات الروسية السابقة وحلفائها بالانضمام إلى مجال النفوذ الجيوسياسي الغربي. لكن الإمبراطورية الأمريكية اليوم في انحدارٍ. صحيحٌ أنها لا تزال القوى العظمى الأكبر في العالم، لكنها خسرت حربًا تلو الأخرى -آخرها في أفغانستان- مما أدَّى إلى تقويض هيمنتها العالمية. ويهدِّد صعود الصين الهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة أيضًا.

في هذا السياق، عملت روسيا على استعادة إمبراطوريتها، بما في ذلك سحق حركة الاستقلال الشيشانية في أواخر التسعينيات، وحرب 2008 على جورجيا، وضم إقليم القرم في 2014، وقمعها الاحتجاجات الشعبية في كازاخستان مؤخَّرًا، علاوة على تدخُّلها من أجل دعم الديكتاتور السوري السفاح بشار الأسد. لطالما انتاب القلق روسيا بشأن أوكرانيا، التي تمثِّل منطقة عازلةً بين الاتحاد الروسي وأوروبا، وإحدى المناطق القليلة السابقة التابعة لها التي لم تنضم بعد إلى الناتو أو الاتحاد الأوروبي. ورغم أن أوكرانيا تمثِّل ساحة المعركة الآن وتتحمَّل وحدها العبء الدموي لهذا الغزو، فما يُخاض حقًا الآن هو حربٌ إمبريالية بين الكتلة الأمريكية الأوروبية وروسيا.

من الصعب تحديد الأهداف المباشرة لبوتين. يتوقَّع البعض احتلالًا روسيًا شاملًا، بينما يتصوَّر آخرون إنشاء حكومة مؤيدة لروسيا في كييف يمكنها أن تضمن عدم انضمام أوكرانيا لحلف الناتو. لكن هذه الخيارات قد يكون من الصعب تنسيقها، وهي لا تحظى بأيِّ شعبيةٍ في الداخل، بالأخص في غرب البلاد المرتبط ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا بشكلٍ أكبر بالغرب، ناهيكم عن الاحتجاج الدولي الذي سيثيره كلُّ ذلك.

حين يقول بوتين إن الروس والأوكرانيين إخوة، فهو ليس مخطئًا. معظم الأوكرانيين يتحدَّثون اللغتين، ولديهم أسلافٌ مختلطة وعائلاتٌ على جانبيّ الحدود. وكدليلٍ على المصالح المشتركة بين الروس والأوكرانيين العاديين في الاتحاد سويًا ضد حربٍ أخرى، نزل الروس بشجاعةٍ إلى الشوارع في مظاهراتٍ مناهضةٍ للحرب في موسكو وسان بطرسبورج وغيرهما العديد من المدن الروسية. ووقَّعَت شخصياتٌ ثقافية وعلماء، وحتى عمالٌ محليون، على خطاباتٍ مفتوحة ضد الحرب. تُعَدُّ هذه ومضةً مضئية في وضعٍ شديد الظلمة. قوبِلَ المحتجون بالعنف من جانب الشرطة، ويظلُّ من الواضح أن روسيا تستطيع بسهولة احتواء الغضب المحلي ضد الغزو بسهولة. إن بوتين حاكمٌ استبدادي نيوليبرالي يتوق إلى الحرب، وهو عدوٌ لجماهير الطبقة العاملة في روسيا وأوكرانيا وجميع أنحاء العالم. وعدوانه على أوكرانيا لابد أن يذكِّر اليسار المتخبِّط بشأن الإمبريالية بأن كون بوتين عدوًا لا يعني أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أصدقاءً. في الوقت نفسه، رغم أن تدشين الحرب جاء على يد روسيا، وأنه لا يمكن الدفاع عن غزو بوتين، علينا أن نفهم هذا الصراع في سياقه السياسي الأوسع، في سياق التنافس بين كتلتين جيوسياسيتين لا مكان بينهما لمصالح المواطنين الأوكرانيين.

ردُّ الفعل الغربي
يقول الرئيس الأمريكي جو بايدن إنه لن يتدخَّل عسكريًا إلا إذا تعرَّضَت دولةٌ عضوةٌ في حلف الناتو للغزو. في المقابل، تتمثَّل إستراتيجية الولايات المتحدة (والناتو) في فرض عقوباتٍ على روسيا. يقولون إن الهدف هو عزل بوتين اقتصاديًا -وبالفعل شهد الروبل الروسي أسوأ انخفاضٍ له على الإطلاق. لكن العقوبات التي يفرضها الغرب ليست من النوع الذي يهدِّد بوتين كما يدَّعي بايدن في تصريحاته الصحفية. لدى بوتين احتياطات كبيرة من العملة، وقد نجا من عقوباتٍ اقتصادية فُرِضَت عليه من قبل، علاوة على أنه يحظى الآن ببعض الدعم من الصين، التي تقف بالمثل ضد توسُّع الناتو (وهو تقاربٌ يتعيَّن على الاشتراكيين الانتباه إليه بحرصٍ شديد في الأشهر المقبلة، لأنه يهدِّد بتوحيد العدوين الإمبرياليين الأكبر للولايات المتحدة وقد يفتح الباب أمام المزيد من التصعيدات الكبرى في العالم).

أشار الاقتصادي اليوناني يانيس فاروفاكيس إلى أن هناك عقوبةً واحدةً يمكنها حقًا إيقاف بوتين، ألا وهي أن تتوقَّف أوروبا عن شراء الغاز الروسي. لكن أوروبا، بالأخص الدول الأغنى منها مثل ألمانيا وفرنسا، تعتمد بشكلٍ كبير على النفط والغاز الروسيين، اللذين يتدفَّق معظمهما عبر أوكرانيا إلى بقية أوروبا. لا يعبأ الاتحاد الأوروبي بالتوصُّل إلى حلولٍ سلمية للأزمة لصالح الأوكرانيين، بل أنه يريد تجنُّب التورُّط في حربٍ مُكلِّفة قد توقف إمدادات الطاقة الروسية وتهدِّد اقتصاداته. النقطة الأساسية هنا ليست أننا بحاجةٍ إلى عقوباتٍ أقوى، فهذه العقوبات أشعلت من قبل حروبًا ومن شأنها التأثير على المواطنين بدلًا من النخب التي تستهدفها بالأساس. النقطة هنا هي أن العقوبات ليست فقط غير فعَّالة في إيقاف الحروب، بل أنها تسهِّل هذه الحروب.

مثلما في أوروبا، فإن حربًا محلية سيكون لها تداعياتٌ بالنسبة لبايدن. كانت معدَّلات تأييده تتصاعد لأسبابٍ عديدة، لكن ضربةً قويةً جاءت حين سحب القوات الأمريكية من أفغانستان. لم ترتفع معدَّلات تأييده مرةً أخرى أعلى من 50% منذ استيلاء طالبان على كابول في أغسطس/آب 2021. وبالتالي لا يمكن لبايدن أن يخسر حربًا مع روسيا. هناك أيضًا انقسامٌ حزبي في النخب السياسية الأمريكية، إذ يردِّد بعض اليمين من الجمهوريين أصداء محاولات ترامب الانعزالية الشهيرة للانسحاب من النزاعات الدولية، والموقف الرخو من عدوان بوتين، والفزع المُثار من ارتفاع أصعار الغاز محليًا. وبينما روسيا هي المعتدي الواضح في هذا السيناريو، وتستحق كلَّ إدانة تتلقَّاها، فإن المهتمين بالأزمة في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لابد أن يحرصوا على عدم الوقوع في فخ دعم نخبهم الحاكمة.

ورغم أن بوتين هو الذي شنَّ العدوان، فإن الناتو ظلَّ يحشد الأسلحة والقوات -وهي قواتٌ أكبر من روسيا بكثير- حول أوكرانيا لأشهرٍ من الزمن، وكان الحلف على درايةٍ بأن توغُّلاتٍ مماثلة في المنطقة أدَّت إلى حربٍ سابقة. وبالنسبة للاحتجاجات الصادرة من حكومة أوكرانيا الموالية للغرب، بزعامة زيلينسكي، كانت الولايات المتحدة على وجه الخصوص تثير الخطاب حول احتمالية الحرب مع روسيا لعدة أسابيع.

لابد أيضًا أن ننظر إلى دموع التماسيح لدى الغرب بعين الشك. في الآونة الأخيرة، كان الإعلام الأمريكي مهووسًا بـ”قائمة اغتيالات” روسيا -خططها الإستراتيجية لاستهداف أوكرانيين مُحدَّدين بالقتل. والولايات المتحدة تعرف بضع أشياءٍ حول ذلك، بالنظر إلى لديها قائمة اغتيالاتها الخاصة.

كل شيءٍ يتَّهمون بوتين به يفعلونه بأنفسهم، بدعمٍ صريحٍ أو ضمني من بقية البلدان “الديمقراطية”، بما يشمل الغزو غير المبرَّر، كما حدث في حالة كوسوفو والعراق وليبيا. ومن الصعب أيضًا أخذ أطروحات الاتحاد الأوروبي بخصوص حماية أوكرانيا على محمل الجد، بالنظر إلى كيفية تعامل الاتحاد مع الدول الأعضاء الأفقر والأضعف على أطرافه الجنوبية والشرقية، باعتبار هذه الدول بوتقةً للعمالة الرخيصة والشعوب التي تعاني التقشف، وباعتبارها مناطق يستعينون بها في إرساء نظام من الحدود المعادية بوحشيةٍ لعبور اللاجئين.

لكن الإشارة إلى سجل ومصالح الولايات المتحدة ليس على سبيل “الحياد” أو إلقاء اللوم على كلا “الجانبين” أو الإلهاء عما يفعله بوتين. بل تتلخَّص النقطة هنا في أننا لا يمكننا الوثوق في النخب الغربية الإمبريالية. تظلُّ الولايات المتحدة أكبر مموِّلٍ للعنف والحرب في العالم. لقد أسقطت أكثر من 7 آلاف قذيفة في العام الماضي وحده. وبصرف النظر عمَّا يقولونه في مؤتمراتهم الصحفية، لا تكترث دول الناتو إلا بمصالحها الاقتصادية ونفوذها السياسي، وليس بحياة المواطنين الأوكرانيين.

لا لكلِّ الحروب.. لا لكلِّ الإمبرياليات
لابد أن يطالب المناهضون للحرب بالانسحاب الفوري للقوات الروسية، ووقف إطلاق النار، وعودة إلى المفاوضات الدبلوماسية. لم يفت الأوان بالنسبة لبوتين لإنهاء العنف قبل أن يقتل ويشوِّه المزيد من الناس. وفي الوقت نفسه، لابد أن نكون واضحين في أن المزيد من الحشد لقوات الناتو، والعسكرة المتزايدة على الحدود الغربية لأوكرانيا، والعقوبات القاسية لن تؤدِّي إلا إلا إذكاء التوترات وإطالة الحرب.

الوضع كئيب ومُفزِع ومُربِك، ولا يمكننا التظاهر بخلاف ذلك. لفترةٍ طويلة، ظلَّت الولايات المتحدة هي المُحرِّض الرئيسي على الحرب حول العالم، ولقد اعتدنا المطالبة بسحب القوات الأمريكية، مجادلين بأن العدو الرئيسي يكمن في الداخل. وبالنسبة للكثير من المواطنين في أوروبا الشرقية، ليس الموقف بهذا الوضوح، إذ يواجهون إمبريالية روسية تصعد من جديد (وهو أمرٌ لا يزالون يتذكَّرونه جيدًا)، وينظر الكثيرون منهم إلى الغرب باعتباره بديلًا. هذا هو المأزق الذي تفرضه الإمبريالية. أوكرانيا في موقفٍ معقَّد يتطلَّب منَّا مناهضة الإمبريالية بصورةٍ شاملة.

تتجذَّر الصراعات بين الإمبرياليات، التي نراها بين الناتو وروسيا (وكما نراها بين الولايات المتحدة والصين، وفي الكثير من الصراعات الأصغر) بعمقٍ في نهاية المطاف في المنافسات الاقتصادية المحلية، والتي هي نتاجًا للمنافسة المترسِّخة في الرأسمالية. وإنهاء الدوافع تجاه الحرب يعني إنهاء الرأسمالية برمتها. لكن هذا ليس مبرِّرًا للموقف المجرَّد بأن الشيء الوحيد الذي يمكننا فعله الآن هو الدعوة للثورة، مثلما يفعل الكثير من اليسار. تشعل الحرب الانقسامات القومية، وهي أكثر إضرارًا بجماهير الطبقة العاملة. لابد من مقاومتها وإنهائها على الفور. وإنهاء الحرب، بالأخص إذا كان على يد الجماهير من أسفل، هو ما يمكنه فتح المجال لصراعٍ طبقي متواصل ونضالٍ ممتد من أجل الاشتراكية في أوكرانيا وغيرها.

هناك مطالب عملية يمكننا رفعها الآن وفورًا. هناك حاجةٌ إلى إغاثةٍ إنسانية لكلِّ الأوكرانيين المتضرِّرين من الحرب. كلُّ مدينةٍ وكلُّ بلدةٍ عبر الولايات المتحدة لابد أن تخرج في مظاهراتٍ رافضةٍ للحرب تطالب بحقِّ الشعب الأوكراني في تحديد مصيره، وتحرُّره من أغراض روسيا ومصالح الولايات المتحدة. لابد أن تقف الحركات المناهض للحرب في الولايات المتحدة وروسيا تضامنًا مع بعضها.

وهنا، في الولايات المتحدة، ولأننا موجودون في قلب هذه الإمبراطورية، فإن علينا مسؤوليةً لمعارضة التدخُّل العسكري للناتو والولايات المتحدة. إنه ليس “حيادًا” أن نذكِّر أولئك الذين يعارضون حرب روسيا على أوكرانيا بأن يندِّدون أيضًا بالتمويل المستمر من جانب بايدن للحرب السعودية على اليمن، وبالإمبريالية الأمريكية في أمريكا اللاتينية وحول العالم كذلك. والأمر المهم أيضًا هو أننا لابد أن نطالب بفتح الحدود، ليس فقط للاجئين الأوكرانيين المُتوقَّع قدومهم، بل أيضًا لكلِّ اللاجئين الفارين من كلِّ الحروب.

تمثِّل أوكرانيا ساحة معركةٍ تحمل ندوبًا عميقةً من أكثر من قرنٍ من الاحتلال والإلحاق والإخضاع والمجاعة والحرب والإبادة الجماعية. من موسكو إلى واشنطن، يستحق الأوكرانيين دعمًا ثابتًا لبناء بلدٍ متحرِّرٍ من كلِّ تلك المظالم.

* المقال بقلم كلير ليمليش – موقع Marx 21 الأمريكي.