بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

“الموت للديكتاتور”.. شعار متظاهري إيران يهز أركان السلطة

تستمر الاحتجاجات التي أشعلها مقتل الفتاة الايرانية مهسا أميني على يد شرطة الأخلاق، حيث خرجت التظاهرات تعبيرًا عن الغضب تجاه الجريمة التي ارتكبها النظام الإيراني على يد الشرطة بحق مهسا أميني لعدم التزامها بقواعد الحجاب الصارمة التي فُرِضت على النساء منذ عام 1979، والذي تعد مخالفتها سببًا للتوقيف والاحتجاز، بل والقتل أحيانًا. استدعت تلك الجريمة الصورة التي كانت عليها المرأة أيام حكم الشاه (الذي كان حكمًا استبداديًا وقمعيًا أيضًا) والذي كان وضع الحريات الشخصية فيه أفضل مما هي عليه الآن.

في البداية اتسع نطاق الاحتجاج ليشمل أكثر من 80 مدينة في مختلف محافظات إيران، ولكن مع نهاية الأسبوع الثاني من اندلاع الاحتجاجات بدأت تلك الموجة في الانحسار وأخذ الاحتجاج شكل تجمعات محدودة في مدن متفرقة.

وكما هو معهود في هذه الاحتجاجات على اختلاف دوافعها، رفع المحتجون شعارات سياسية تندد بحكم المرشد للأعلى، وعلت هتافات “الموت للديكتاتور”، وارتفعت أيضًا شعارات أخرى تطالب بمزيد من الحريات الشخصية. وفي إحدى المناطق سيطر المتظاهرون على الشوارع خلال الليل بعد فرار قوات الأمن، واقتحم متظاهرون آخرون مواقع جماعات مرتبطة بالحرس الثوري.

وفي ظل المعلومات القليلة المتاحة -بسبب ضعف التغطية الاعلامية نتيجة لتعطيل خدمة الإنترنت والقبضة الأمنية الشرسة واستهداف الصحفيين الأجانب- فإن هذه الاحتجاجات قد تكون الأوسع نطاقًا من حيث عدد المدن المشاركة فيه، ولكنها أقل حجمًا مقارنةً بالاحتجاجات السابقة في 2009 و2019. ولكن ما يميز هذه الاحتجاجات هو الطرق التي عبَّرت بها النساء المشاركات فيها عن سخطهن على سلطة المرشد الأعلى، وقد بدا ذلك واضحًا في الصور ومقاطع الفيديو التي تُظهِر النساء يخلعن الحجاب في الشوارع والمدارس. ومع تكرار تلك المشاهد تعاملت قوات الأمن مع المحتجين بشكل أكثر قمعًا، وقتلت فتاةً أخرى تُدعى نيكا شاكارمي بعد اختطافها وإخفائها لمدة أسبوع، مما دفع النساء لابتكار أساليب مختلفة لإعلان احتجاجهن عن طريق نشر صور وفيديوهات على الحسابات الشخصية يظهرن فيها دون حجاب.

قوبلت هذه الاحتجاجات بحملة شرسة بقيادة رأس السلطة ومشاركة أجهزة إعلام الدولة وخطباء المساجد وأجهزة الأمن التي أطلقت الذخيرة الحية على المتظاهرين، مما أدى إلى مقتل 100 متظاهر على الأقل واعتقال المئات منهم 20 صحفيًا و9 يحملون جنسيات أوروبية، واعتقلت قوات الأمن النائبة السابقة فائزة هاشمي، ابنة الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني، بتهمة التحريض على الاحتجاج.

تسارعت وتيرة الاحتجاجات في إيران خلال العقد الأخير، منذ فوز المرشح المتشدد أحمدي نجاد لفترة ثانية في الانتخابات الرئاسية عام 2009، وحينها تظاهر مئات الآلاف من الإيرانيين اعتراضًا على نتائج الانتخابات وأُطلِق على هذا الحراك اسم “الحركة الخضراء”، فيما كانت الحركة مدعومةً من التيار الإصلاحي في السلطة.

ونتيجةً لتطبيق سياسات النيوليبرالية في تنفيذ برامج الخصخصة التي بدأت منذ التسعينيات، تجددت الاحتجاجات في عام 2017 بسبب ارتفاع أسعار بعض السلع الاستهلاكية ورفع المتظاهرون شعار ‘لا للغلاء” وهو ما مهد للحراك الأكبر منذ ثورة 1979، وهو احتجاج 2019، بسبب ارتفاع أسعار الوقود، وامتد ليشمل حوالي 70 مدينة شارك فيه مئات الآلاف من المتظاهرين، الذين شعارات ضد المحافظين والإصلاحيين على السواء، واقتحم العمال المباني الحكومية المحلية وأحرقوا ما يزيد عن 100 مصرف و50 متجرًا، وأحرقوا أقسام شرطة ومركبات تابعة لها.

وشهدت السنوات الأخيرة زيادة الاحتجاجات العمالية منذ عام 2018 مع ارتفاع نسبة التضخم التي وصلت إلى 40%، مما أدى إلى انخفاض في مستوى المعيشة بشكل عام. وقد وثقت منظمة نشطاء حقوق الانسان 4,042 احتجاجًا و1,169 إضرابًا عماليًا رغم القيود المفروضة على تكوين النقابات المستقلة واعتقال ما لا يقل عن 69 من الناشطين في مجال حقوق العمال خلال العام الماضي.

ورغم تكرار الاحتجاجات في إيران في السنوات الأخيرة على اختلاف دوافعها وخلفياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لم يعترف النظام الإيراني بأيٍّ من الأخطاء التي ارتكبها طوال عقود حكمه، بل يصر في كل مرة تخرج فيها الجماهير المعترضة إلى الشوارع على ترديد نفس الضلالات عن المؤامرة الغربية وأعداء الثورة ووصف الاحتجاجات بالفتنة وأعمال الشغب التي تهدف إلى زعزعة أمن البلاد واستقرارها، فيما تتجاهل الحكومة الإيرانية الأسباب الحقيقية التي تقف وراء اشتعال الاحتجاجات في كل مرة تنتفض فيها الجماهير.

إن تكرار موجات الاحتجاج خلال السنوات الماضية، وصولًا إلى الموجة الراهنة، يؤكد على أزمة نظام الحكم في إيران، ذلك النظام الذي لا يختلف عن باقي الأنظمة القمعية الأخرى التي تصادر الحق في الاختيار على كل المستويات؛ بدايةً من فرض القيود على أبسط الحقوق الشخصية إلى مصادرة حق الغالبية العظمى من العمال والفقراء في تنظيم أنفسهم واختيار ممثليهم الحقيقيين الذين يعبرون عن حقوقهم المهدرة. ويمكن تلخيص هذا الوضع البائس في الشعار الذي رفع في احتجاجات 2019 الاقتصادية واحتجاجات 2022 الاجتماعية وهو “الموت للديكتاتور”.