بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

تطورات المشهد الإيراني:

مقابلة مع ناشطة نسوية إيرانية في برلين

تتواصل المظاهرات الجماهيرية في إيران في موجة عاتية تشمل كل منطقة في البلاد، منذ حوالي الشهرين، بعد مقتل الشابة الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر الماضي جراء التعذيب على يد شرطة الآداب التابعة لحكومة الجمهورية الإسلامية، لعدم التزامها بارتداء الحجاب على النحو الذي تفرضه السلطات على النساء.

تواجه الاحتجاجات قمعًا عنيفًا، لكنها تفتح الباب أمام مختلف القضايا والمطالب. في هذه المقابلة، التي أجراها حسام الحملاوي مع الناشطة النسوية الإيرانية “سارة” في برلين، تلقي سارة الضوء على طبيعة الاحتجاجات المتواصلة وتنوعها ومطالبها.

هل المظاهرات الجارية الأولى من نوعها في إيران؟ أم سبقتها موجات من التظاهر؟
هذه ليست الموجة الأولى من المظاهرات في إيران. في السنوات الماضية شهدنا عدة موجات في البلاد، منذ انفجار مظاهرات 2009 (الحركة الخضراء) إلى الفترة الآنية.

في يناير 2017 ونوفمبر 2019 كانت هناك موجتان قويتان من المظاهرات الضخمة، وتعرضتا للأسف للقمع الشديد، وكانت هناك مظاهرات مهمة للمدرسين والعمال في آخر سنتين. هذه المظاهرات خلقت مناخًا جديدًا أصبح فيه اللجوء للشارع أمرًا طبيعيًا بعد أن كان من المحظورات. هذا التراكم من المظاهرات هو ما خلق ما أسميه اليوم “حراكًا ثوريًا”. هناك استمرارية وصلة مباشرة بين ما يحدث اليوم وتلك المظاهرات السابقة.

ولكن ما يميز الموجة الحالية هو أنها الأكبر والأقوى، فهي تغطي مساحات جغرافية أوسع من سابقيها، واجتماعيًا تحوي تنوعًا لم نشهده بهذا المستوى من قبل. مطالب المتظاهرين تمس كل نواحي الحياة؛ مطالب اقتصادية حول إعادة توزيع الثروة، ومطالب سياسية بالحريات، ومطالب تتعلق بتحرير المرأة ومجتمع الميم، ومناهضة التمييز ضد العرقيات في كردستان وخوزستان وبلوشستان، وإلغاء التشريعات الدينية المحافظة المعادية للحريات، ومطالب بحكم لامركزي. يطالب هؤلاء بالاعتراف بهم وبحقوقهم في المواطنة. فالمواطن في نظر الجمهورية الإسلامية ذكر شيعي فارسي اللسان، وكل ما عدا ذلك منقوص المواطنة. ولكن الحراك الثوري لجميع الأقليات الآن يزعزع تلك السردية القومية.

وفي سياق الحديث عن التنوع الاجتماعي، أشير هنا أيضًا إلى التنوع الطبقي. في مظاهرات 2019 كان المهمشين وفقراء المدن هم المشاركين بالأساس، ولكن مظاهرات اليوم تحوي الفقراء والشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى والطبقة الوسطى، وهذا له دلالات مهمة.

ما دور النساء في الانتفاضة؟
وجود النساء وأفراد مجتمع الميم قوي وملحوظ في المظاهرات وفي المطالب والشعارات. الحراك الثوري شرارته بالأساس مقتل امرأة كردية قيد الاحتجاز على يد شرطة الآداب في إيران. قضية الفصل القهري بين الجنسين مهمة في إيران، وهي نتاج سنوات من قمع النساء والمهمشين. ولكن في الوقت ذاته، خلال الـ43 سنة السابقة، قاومت النساء ومجتمع الميم كأفراد وجماعات. نظمت الحركة النسوية الإيرانية مظاهرات ضد الجمهورية الإسلامية منذ البداية، في مقدمة الجميع في مواجهة النظام.

هناك أيضًا تأثر بالنضال الكردي، وهو أمر جدير بالاهتمام، فشعارات الأقليات العرقية والجندرية تتقاطع في شكل ثورة في الحراك الحالي. ونشهد أيضًا وجود ملحوظ للنساء في المواجهات في الشوارع ضد قوات الأمن. ولا يقتصر وجود النساء فقط على الشعارات والمطالب، بل أيضًا الشارع والتظاهر والتنظيم. تأتي أعداد ضخمة من المعتقلين من صفوف النساء عامة والنسويات خصوصًا، وتُوجه إليهم تهم التجسس والعمالة لأمريكا وللإمبريالية.

ما مدى اتساع الانتفاضة جغرافيًا واجتماعيًا؟
المظاهرات تحدث حرفيًا في كل منطقة بالبلاد، كل يوم هناك مظاهرة في مدينة ما في مكان ما وفي مصنع ما. جغرافيًا في كل مكان. وطبقيًا العمال مشاركون بالطبع، كأفراد وجماعات منظمة. هناك إضرابات هنا وهناك كل يوم. لم تُكلل جميعها بالنجاح ولكن المحاولات لم تتوقف. الحركة العمالية والاضرابات للأسف حاليًا مجزأة، ولا توجد شبكات لتنسيقها على المستوى القومي، وهذا ما أرجو أن يحدث في المستقبل.

هل هناك تنظيمات يسارية فاعلة في إيران؟
هناك تنظيمات يسارية معارضة في المهجر أو تعمل بشكل سري في إيران، ولكنهم ليسوا بالقوة الكافية لتنظيم الحراك على مستوى قومي، فهي شبكات لها وجود محلي هنا وهناك بدون اتصال بينهم. ورغم ذلك، نجد أيضًا أن اليسار له وجود ملحوظ في اللجان الشعبية، المظاهرات الآن تحدث في الأحياء، حي بعد الآخر، وهناك لجان ومجالس لتنظيم مظاهرات الأحياء تلك، وهناك تجد وجوهًا يسارية.

كردستان وضعها مختلف. هناك تواجد يساري منظم قوي أكثر من باقي البلاد. وبالتالي دعوات الإضراب أكثر نجاحًا. معظم المدن الكردية تعمها الإضرابات منذ شهور. لديهم تراث تنظيمي حزبي قوي.

هل تتواصل الانتفاضة؟ وماذا كان رد فعل الدولة؟
القمع يشتد يومًا بعد يوم. اعتقلت السلطات حوالي 14 ألف شخص سواء في المظاهرات أو المداهمات. ويطالب النواب في البرلمان بتوقيع أشد العقوبات صرامة على المعتقلين والتي قد تصل للإعدام. بالطبع لا أستطيع القول بأنهم سيعدمون 14 ألف شخص، ولكن سيكثر استخدام تلك العقوبة. رغم ذلك لا أرى أية علامة لهدوء الشارع. هناك مظاهرات يومية.

هل شهد الحراك الإيراني الحالي شعارات معادية للفلسطينيين أو العرب؟
حدث ذلك في موجات تظاهر سابقة، ولكنها كانت على الهامش ولم تكن شعارات مركزية أو لها وزن. ولكن كان هناك تركيز إعلامي مضخم على تلك الشعارات من فريقين: بعض مناهضي الإمبريالية من “محور المقاومة” الذين يصطفون خلف النظام الإيراني على طول الخط وبالتالي يرون أي معارضة داخلية ضد النظام غير تقدمية، والفريق الآخر هو المعارضة اليمينية المتطرفة الإيرانية. الفريقان يجتمعان على نفس الشيء!

في الحراك الحالي وحتى اليوم لم نشهد أي شيء من هذا القبيل. في المهجر هناك معارضون من اليمين المتطرف ومن أنصار الشاه، وهؤلاء قد يرفعون شعارات كتلك. ولكن في إيران، وبالذات في الموجة الحالية، لا توجد أي مشاعر معادية للعرب وقضاياهم. بالعكس فكما أوضحت إن مشاركة المهمشين في المظاهرات حاليًا قوية والعرب من تلك الأقليات المهمشة، ولكن كانت في مقدمة الحراك، ومن غير المعقول أن يُرفع في هذا الوضع شعارات معادية لأي قضية عربية.

كيف يتضامن الإيرانيون في المنفى مع الانتفاضة في بلدهم الأم؟
الإيرانيون في الشتات لا يتحركون ككتلة واحدة منظمة. هناك اتجاهات سياسية مختلفة. هناك أنصار الشاه، ومجاهدي خلق، وليبراليون، ويساريون. وفي اليسار نفسه هناك اتجاهات ومواقف مختلفة. ولكن الأمر الجيد هو أن كل تلك التنظيمات، وبالذات اليمين من أنصار الشاه، لا صلة لهم من قريب أو بعيد بالأحداث. ما يحدث على الأرض في إيران ضد ما يتصورونه ويطالبون به. في الموجات السابقة، مثلما في 2017، كانت بالفعل هناك بعض الشعارات المؤيدة للشاه ترددت هنا وهناك، وكانت قليلة. ولكن في الحراك الحالي لا توجد تلك الشعارات. لا وزن لهم. نظمنا مظاهرات ضخمة في الخارج للتضامن مع الحراك، مثل تلك التي نظمناها في برلين، ويحاول أنصار الشاه عبر علاقاتهم بالإعلاميين تصوير تلك المظاهرات وكأنها مؤيدة لقضية عودة نظام الشاه وعائلة بهلوي.

الجالية الإيرانية في الشتات قد تكون مجزأة ومتفرقة، ولكنها كبيرة الحجم ومسيسة بدرجة عالية، بسبب موجات اللجوء عبر الـ40 سنة الماضية. وهناك محاولات قوية لتنسيق تحركات اليسار في الشتات بين الدول المختلفة. فأنا مثلًا جزء من شبكة ناشطات نسويات تحاول تنسيق التضامن بين الإيرانيات في أكثر من 40 مدينة حول العالم. الأكثر تنظيمًا في الشتات في الوقت الحالي قد يكونوا الليبراليون الوسطيون وهم ليسوا من أنصار الشاه للتوضيح، وقد لعبوا دورًا كبيرًا في تنظيم مظاهرات التضامن مؤخرًا، ولكن اليساريين يحاولون أيضًا زيادة التنسيق بينهم.