بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عودة لولا دا سيلفا.. هل سيخرج البرازيل من أزمتها؟

لولا دا سيلفا

في 30 أكتوبر الماضي، أعلنت نتائج التصويت في المرحلة الثانية من انتخابات الرئاسة في البرازيل عودة المرشح اليساري لولا دا سيلفا لرئاسة البلاد للمرة الثالثة، بعد أن حقق فوزًا صعبًا بفارق ضئيل (50.83%) على اليميني المتطرف والضابط السابق في الجيش البرازيلي جايير بولسونارو، الذي انتُخِبَ رئيسًا في العام 2018 وارتكب خلال فترته الأولى جرائم في حق البرازيليين كان أهمها التعامل باستخفاف مع جائحة كورونا والتأخر في استيراد العقاقير المضادة للفيروس، مما أدى إلى وفاة أكثر من 680 ألف برازيلي.

دمر بولسونارو مساحةً تُقدَّر بـ42 ألف كيلو متر مربع من غابات الأمازون المطيرة لمصلحة كبرى الشركات الزراعية، الأمر الذي يُعتبر جريمةً مزدوجة في حق البيئة من ناحية، لما يمثله تقليص مساحة الغابات التي تنتج 20% من أكسجين الكوكب من أثرٍ سلبي على المناخ، وكذلك جريمةً في حق السكان الأصليين الذين يعيشون في تلك الغابات، التي أعاد بولسونارو ترسيم حدود أراضيهم في بداية فترة حكمه، فقام بحل الوكالة المعنية بشئون السكان الأصليين وأوكل قرارات ترسيم حدود الأراضي لوزارة الزراعة.

تضع سياسة بولسونارو كغيره من زعماء اليمين المتطرف نصب أعينها هدف واحد هو تحقيق الأرباح بأي ثمن، فلا قيمة للغابات سوى كونها مصدر للمواد الخام التي ينبغي استغلالها، أما السكان الأصليون فهم يعيشون حياةً لا آدمية في محمياتها.

ورغم سوء إدارة بولسونارو وجرائمه التي تعتبر السبب الرئيسي لهزيمته ليصبح أول رئيس في البرازيل يخسر ولايته الثانية، تعبر خسارته فقط بفارق ضئيل عن حالة الانقسام الحاد في الشارع وحالة الاستقطاب غير المسبوقة، الأمر الذي يمثل يمثل تحديًا كبيرًا للولا.

من هو لولا دا سيلفا؟
كانت بداية طريق النضال السياسي للولا دا سيلفا من خلال العمل النقابي حين انضم لنقابة عمال الحدادة في ساو باولو التي تضم حوالي 100 ألف عامل، عقب فترة وجيزة من التحاقه بالعمل في أحد المصانع. وفي العام 1972 ترك لولا عمله في المصنع وتفرغ للعمل في النقابة، وفي العام 1975 انتُخِبَ رئيسًا لها. لقد لعب دورًا مهمًا في العمل على استقلال النقابة في ظل القيود المفروضة من قِبَلِ الدولة العسكرية التي حكمت البرازيل منذ انقلاب عام 1964، والتي فرضت قوانين تحد من حريات تنظيمات اليسار والحركات الاجتماعية.

شهدت فترة السبعينيات سلسلةً من الإضرابات العمالية أطلقها عمال الصناعة وقد رفعت مطالب اقتصادية لم تُطرَح من قبل في ظل هذا الحكم الاستبدادي، وكان أهمها إضراب عام 1979 الذي قاده لولا، واعتُبِرَ الأكبر من نوعه بأعمال الحدادة في ساو باولو. أجبر هذا الإضراب الحكومة العسكرية على سن قانون جديد للأجور يتضمن تعديل الأجور كل 6 أشهر لتتناسب مع معدلات التضخم.

في تلك اللحظة المهمة من تاريخ البرازيل، ومع تصاعد وتيرة الاحتجاجات، شارك لولا في تأسيس حزب العمال الذي ضم نقابيين ومثقفين يساريين وفنانين ومسيحيين كاثوليك مرتبطين بمجموعة لاهوت التحرير.

مهدت تلك الاحتجاجات الطريق لإزاحة العسكريين من المشهد السياسي ووضعت نهايةً للحكم العسكري الذي استمر 21 عامًا. ورغم محاولات الإبقاء على نظام انتخاب الرئيس كما هو منذ أن فرضه الانقلاب العسكري والذي بموجبه يُنتخَب الرئيس من خلال الهيئة الانتخابية، أصرت الحركة الاحتجاجية على إعادة الديمقراطية للبرازيل.

ففي عام 1984، شارك لولا في حملة “الانتخابات المباشرة الآن – Diretas Já” لإعادة نظام التصويت المباشر في انتخابات الرئاسة، فرفعت لافتات في الشوارع مكتوب عليها هذه الجملة، وطبعتها على القمصان، بل وأصبحت هذه تتردد في خطابات الأساقفة، مما أزعج العسكريين الذين أرادوا حتى بعد خروجهم من الحياة السياسية أن يُصادر حق 55 مليون ناخب برازيلي في اختيار الرئيس واستبداله بصوت 686 عضو في الهيئة الانتخابية.

وقبل أن نتطرق إلى تجربة حزب العمال في السياسة الداخلية للبرازيل، والذي يعتبر واحد من أكبر الأحزاب في أمريكا اللاتينية (تجاوز عدد أعضائه المليون و600 ألف عضو في عام 2022)، لابد أن نرجع للوراء قليلًا لنشرح التاريخ الأيديولوجي للحزب والتغيرات التي طرأت على أفكاره ومواقفه وتأثيره على الانتخابات البرازيلية منذ تأسيسه وحتى يومنا هذا.

ماذا عن حزب العمال؟
يصنف بعض المفكرين أيديولوجية حزب العمال البرازيلي في القرن الحادي والعشرين بالاشتراكية الديمقراطية، والتي تختلف عن أيديولوجية الحزب عند تأسيسه عام 1980 حين كان يتبنى أفكارًا ومواقف أكثر جذرية عن تلك التي عهدناها منذ مطلع الألفية. على سبيل المثال، رفض سداد الديون الخارجية، وتأميم الشركات والبنوك، والثروة المعدنية، وأنه لا مستقبل للإنسانية في ظل الرأسمالية والملكية الخاصة، وكلها مواقف أعلنها الحزب ضمن توصيات مؤتمراته السنوية، لكنه تراجع عنها فيما بعد لتتواءم مع اعتبارات التحالفات الانتخابية، خاصةً بعد خسارته معركة الانتخابات الرئاسية 3 مرات في أعوام 1989 و1994 و1998، والتي خاضها الحزب في تحالفات انتخابية ضمت أحزابًا اشتراكية وشيوعية وخضراء.

وصل حزب العمال ورئيسه لولا دا سيلفا إلى الحكم في انتخابات في العام 2002 حين خاض معركةً انتخابية بتحالف ضم حزبًا ليبراليًا بالإضافة إلى حلفائه التقليديين من الأحزاب والمجموعات الاشتراكية والشيوعية. وجاء إعلاء الاعتبارات الانتخابية على حساب أفكار ومواقف الحزب، وقد حقق بالفعل نصرًا انتخابيًا كبيرًا، لكن في مقابل تغيير في الاتجاه السياسي لحزب العمال، الأمر الذي تسبب في نشوب خلافات داخل الحزب نتيجة اعتراض قطاع من عضوية الحزب على هذا التغيير.

وبعد الانتخابات البرلمانية لعام 2002، أصبح حزب العمال أكبر حزب في مجلس النواب. وبالتالي أصبح الرئيس لولا دا سيلفا العضو الأبرز في حزب العمال بحصوله على أعلى نسبة تأييد في تاريخ البرازيل.

حظى حزب العمال بشعبيةٍ كبيرة، وتولى حزب العمال الحكم بدايةً من 1 يناير 2003 إلى 31 أغسطس 2016 (منهم الفترة من 2003 إلى 2010 التي تولى فيها لولا دا سيلفا الرئاسة). ولكنه تورَّط في قضايا فساد تسببت في انخفاض حاد في الدعم الشعبي بين عاميّ 2010 و2016.

لقد شيَّد حزب العمال شعبيته بناءً على الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية التي قدمها في فترتيّ حكم لولا السابقتين، بالأخص برامج القضاء على الجوع التي أخرجت 20 مليون برازيلي من تحت خط الفقر. لكنه من ناحية أخرى منح امتيازات لرجال الأعمال مقابل فرض ضرائب تصاعدية لتمويل البرامج الاجتماعية، وقدم تنازلات وتراجع عن مواقف جذرية تجاه طبقة رجال الأعمال. لكن منتقدين يرون أنه لم يبذل جهدًا كافيًا لخفض معدل الجريمة والعنف، ولم يساهم في تحسين جودة التعليم الحكومي، ولم يكافح فساد الشركات الكبرى.

أثرت قضايا الفساد على ثقة الجماهير في حزب العمال ورؤسائه، سواء كان لولا دا سيلفا ذو الشعبية الكبيرة أو خليفته ديلما روسيف. وساهم الوضع الاقتصادي العام، وقوة تأثير التحالفات والمؤسسات المختلفة على القاعدة العريضة من الشعب، بشكل كبير أيضًا في تراجع شعبية اليسار في البرازيل. أدت هذه العوامل إلى هزيمة اليسار في انتخابات العام 2018، وفوز بولسونارو وتحالف أحزاب اليمين وتوجيه ضربة لحزب العمال.

ماذا عن المستقبل؟
لم يكن انتصار بولسونارو في العام 2018 انتصارًا عرضيًا أو مصادفة، بل كان نتاجًا لسنوات من الحشد اليميني في جميع أنحاء العالم لكراهية المهاجرين واللاجئين وتحميلهم أسباب الأزمات الاقتصادية، وتصاعد النزعات الشوفينية للالتفاف حول الدولة وإعلاء مصالحها أولًا.

ولا ينبغي أن نغفل دلالات حصول لولا دا سيلفا الآن على نصف أصوات الناخبين فقط، إذ تُعد هذه إشارةً واضحة إلى الاستقطاب لا يزال قويًا بين اليمين المتطرف واليسار، رغم تهديد اليمين المتطرف للديمقراطية نفسها في عصر بولسونارو والكوارث التي أدى إليها حكمه.

رغم فوز لولا، تشير النسبة الكبيرة من الأصوات التي حصل عليها بولسنارو إلى أن قطاعًا كبيرًا ومؤثرًا من البرازيليين لا يزالون يؤيدون اليمين. وهذا القطاع يضم أعدادًا كبيرة من ملاك الأراضي وغيرهم ممن استفادوا من توسيع رقعة الأراضي الزراعية على حساب غابات الأمازون، وطبقة الأثرياء بمن فيهم المهاجرين ذوي الأصول العربية، لكن الأسوأ أن هذا القطاع المؤيد لليمين يضم أيضًا قسمًا من الفقراء الذين ينظرون إلى لولا باعتباره فاسدًا من العصر البائد وأن برنامج تيار اليسار لن يحمي البلاد من الأزمات الاقتصادية المقبلة.

لكن بالنظر إلى برنامج لولا الانتخابي هذه المرة، نجد أنه يرتكز على هدف مباشر ألا وهو مواجهة اليمين المتطرف والعودة بالمسار السياسي إلى وضعه التقليدي في المنافسة الحزبية بين اليسار ويمين الوسط. من شأن ذلك أن يفرض على لولا تقديم المزيد من التنازلات والتراجع عن مواقف تقدمية في محاولة تقوية جبهته.

هناك أيضًا عوامل كثيرة قد تمثل عقبات أمام لولا في تحقيق آمال ناخبيه بالانتعاش الاقتصادي، ومن أهمها سيطرة اليمين المتطرف على البرلمان مما قد يمثل العقبة الأهم أمام التوجهات اليسارية لإدارة لولا المقبلة.

في ظل تمدد يساري جديد ووصول أحزاب يسارية إلى الحكم في عدد من دول أمريكا اللاتينية، هل بإمكاننا أن نتوقع إحراز تقدم ما على المستوى القطري كبناء تحالفات بين الأحزاب الداخلية اليسارية والنقابات والمؤسسات العمالية وتشبيك تلك التحالفات بين هذه الدول على المستوى الإقليمي بهدف تأسيس جبهة قوية لاستعادة ثقة الجماهير في حكومات اليسار والحد من تنامي تيار اليمين المتطرف؟ أم ستظل هذه الأحزاب تدور في نفس الدائرة وتتبادل الكراسي مع أحزاب اليمين المتطرف الذي أصبح وصوله الى السلطة نذير خراب البيئة والإنسان؟ هل تتحمل البرازيل تكلفة عودة يميني متطرف آخر إذا ما فشل لولا في مواجهة الأزمات الاقتصادية والسياسية؟

قد يكون من الأفضل متابعة تطورات المشهد السياسي اللاتيني بعيون ثاقبة، على أنه أي أمل في تغيير حقيقي يضع باقي العالم على أول الطريق للمساواة لن يتحقق سوى بإحلال مصلحة الشعب فوق سطوة رأس المال.