بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

جنين وتاريخ من النضال

الكثير منا لم ينسى إغتيال شيرين ابو عاقلة صحفية قناة الجزيرة برصاص جيش الاحتلال الصهيوني في مايو من العام الماضي أثناء تغطيتها اقتحام مدينة جنين وبالتحديد مخيم المدينة الذي تحول الى رمز المقاومة والصمود في وجه آلة القمع الصهيونية التي فشلت في كسر إرادة أبنائه وبناته. فتاريخ هذه المدينة في المقاومة بدأ منذ ثلاثينات القرن الماضي في مواجهة المحتل البريطاني ويليه المحتل الصهيوني ولأن أيضاً مقاومته قدمت ولاتزال تقدم نموذجا فريداً في توحد مجموعاته القتالية عابرة لكل انقسامات الفصائل الفلسطينية وهذا هو بالتحديد مايزعج هذا العدو.

الكاتب الإسرائيلي يارون فريدمان في مقاله على موقع “زمن إسرائيل” يكشف حجم التخوفات الإسرائيلية من مخيم جنين ومدينته الواقعة شمالي الضفة الغربية والتي تبرز دوما كمنطقة عصية على الاحتلال خلال المواجهات مع الجيش الإسرائيلي. ويقول ان هناك حقيقة لا نستطيع إنكارها وهي أن مخيم جنين ينهض دائما بعشرات المقاومين الموحدين تحت راية المقاومة وليس تحت أي راية فصائلية، كلما اعتقد فيها الإسرائيليون أن المقاومة ضعفت وانهارت في الضفة الغربية.

نظمت جنين أول مقاومة مسلحة ضد الاحتلال البريطاني في عام 1935 بقيادة عز الدين القسام، الذي وجد في جنين حاضنة شعبية من الفلاحين التي آمنت بالثورة ودعمتها. وبعد استشهاد القسام تحولت المنطقة إلى مركز الثورة الفلسطينية في الثلاثينات بقيادة فرحان السعدي والتي كان من أبرز عملياتها المسلحة معركة اليامون والتي دارت بين 300 ثائر فلسطيني بقيادة الشيخ عطية عوض والقائد فرحان السعدي في مواجهة أكثر من 3000 جندي بريطاني وست سيارات عسكرية ومدرعتين وتسع طائرات استدعيت بعد 15 دقيقة من بداية الاشتباك لاقتحام مدينة جنين. كان من نتائج المعركة استشهاد قائد المعركة نفسه الشيخ عطية ومعه 39 شهيدا وفي المقابل مقتل وجرح أكثر من 70 بريطانياً وإصابة خمس طائرات. وعرفت معركة اليامون كإحدى أكبر معارك ثورة فلسطين 1936 التي استطاع بواسطتها الثوار تكبيد الجيش البريطاني خسائر فادحة بامكانيات بسيطة.

جنين عانت كغيرها من المدن الفلسطينية عام 1948 من التطهير العرقي لعصابات الكيان الصهيوني التي قتلت الآلاف من الفلسطينيين واحتلت أراضيهم ومنازلهم وطردت مئات الآلاف خارج وطنهم. لكن جنين استطاعت التخلص من الاحتلال بوقت قصير بفضل الدفاع الشرس للمقاومة الفلسطينية والجيش العراقي وآلت المدينة الى حكم الإدارة الأردنية عام 1949، وفي أوائل الخمسينات أنشئ مخيم جنين لإيواء النازحين الذين طردوا من أرضهم. وبعدها تحول المخيم الى معقل المقاومة الفلسطينية في السبعينات والثمانينات.

في هذه الأيام يصر العدو على تذكيرنا بهمجيته في 2002 من قبل حكومة ائتلافية مشكلة من الليكود وحزب العمل برئاسة آريل شارون والتي قامت بما أصبح يعرف بـ مجزرة جنين.
ولذا كان من المهم للذين يعتقدون ان هذا العدوان الحادث على جنين الأن هو من فعل حكومة يمينية متطرفة داعين أن تتغير وتأتي بحكومة أخرى تقبل التفاوض على الثوابت لمدة عشرين سنة أخرى. فما يحدث الآن من عدوان على مدينة جنين ومخيمها أصاب الكثير من المدنيين الفلسطينيين وأغلبهم من الأطفال والمسنين والمرضى وقد تركوا منازلهم بسبب القصف العشوائي ولجأوا إلى باحة مستشفى خليل سليمان في جنين وكشف أيضا نائب محافظ جنين أن الآلاف دمرت منازلهم وجاري اتخاذ الترتيبات لإيوائهم في مدارس وملاجئ مدينة جنين.

فما هي إذا مجزرة جنين التي حدثت في أبريل 2002؟

فبعد حصار دام عشرة أيام منعت فيها المياه والكهرباء والطعام والأدوية عن المخيم وتكبدت فيها قوات الاحتلال 23 جنديا قتيلا على يد عناصر المقاومة في جنين ولم تستطع الدخول الا بعد قصف المخيم المكتظ بطائرات إف-16 والمدفعية الثقيلة ارتقى بسببها أكثر من 500 شهيد بحسب الرواية الفلسطينية ودمر المخيم بالكامل.

المخرج محمد بكري رصد بكاميرته المذبحة والدمار بعد ساعات من وقوعها ووثق روايته في فيلمه التسجيلي جنين-جنين. المحكمة الإسرائيلية المركزية في اللد حظرت في عام 2021 عرض الفيلم بإسرائيل وقررت حذف روابطه من الإنترنت ومصادرة جميع نسخه.

تاريخ مخيم جنين ومعاركه الكبرى لعبت دورا كبيرا كما يقول عزيز المصري الباحث في تاريخ القضية الفلسطينية في تشكيل وعي الأجيال اللاحقة على جيل الحصار والمجزرة 2002.
فسكان المخيم الآتون من حيفا وجبل الكرمل عانوا مرارة الهجرة وقسوة الاحتلال ووقوع جنين في مثلث مدن شمال الضفة جعلها على خط التماس مع الأراضي المحتلة إذ يحتك أبنائها يوميا بقوات الأحتلال. وبينما يواجه الفلسطينيون الاحتلال بالحجارة في مناطق متعددة من الضفة الغربية، إلا أن مخيم جنين واجه جنود الاحتلال بالسلاح الناري مما تسبب بحالة ذعر لقواته زاد منها أن قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية لم تجرؤ على إرسال أفراد شرطة مسلحين داخل المخيم تحسبا من ردود الأفعال وبالتالي فشل التنسيق الأمني الذي يعتمد عليه الاحتلال في ملاحقة المقاومة.

الذي يميز المقاومة في جنين كما يقول الصحافي الفلسطيني عاطف دغلس، أن جنين تشكل حالة استثنائية بين المناطق الفلسطينية. فكتيبة جنين والمكونة من غرفة عمليات مشتركة من سرايا القدس الجناح العسكري للجهاد الإسلامي وكتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لفتح وكتائب جناح عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس نجد فيها تلاحم يتجاوز الخلافات الحزبية المعتادة في بقية المناطق.

جمال جويل أحد قادة العمل الفصائلي في مخيم جنين يتحدث الى قناة الجزيرة ويقول أن الاحتلال يعتقد أن الحل الأمني بقتل المقاومين واعتقالهم سيحقق أمنه المنشود. ويكمل جويل “أن ثقافة المقاومة في المخيم تشي بأن الاحتلال سيظل يدفع أثمانا باهظة مادام يمارس إرهابه ضد الشعب الفلسطيني”. وهذا مايفسر سياسة القمع الشديدة تجاه المخيم، حيث ان الاحتلال لا يريد أن تنتقل حالة جنين الى باقي المناطق الفلسطينية وعلى الميل الأخر تريد المقاومة في جنين أن تقدم نموذجا هو الآخر لبقية مناطق الضفة الغربية. ولذلك سيبقى المخيم يجوب شوارعه عشرات المسلحين الفلسطينيين متمسكين بتاريخ وإرث طويل من النضال في وجه محتليهم المتعاقبين وحصينا هو الأخر جنبا إلى جنب مع قطاع غزة يحمل لواء الكفاح المسلح داخل فلسطين في وجه كل محاولات التصفية لقضيته ومحاولات إسكات أهله.