بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ذعر وخسائر فادحة في إسرائيل.. كل الدعم للمقاومة الفلسطينية

ربما لم تجد إسرائيل نفسها في موضع دفاعي كما هو الحال اليوم. اطمأنت إسرائيل إلى حالة الاستقرار التي سادت في صالحها بعد هزيمة موجة ثورات المنطقة 2011-2013، ودشَّنت موجةً من التطبيع مع دولٍ عربية لتضمن ترسيخ مصالحها في المنطقة، في سعيها لتصفية القضية الفلسطينية، مع التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والمزيد من خنق قطاع غزة.

لم يكف الشعب الفلسطيني يومًا عن النضال ضد الاحتلال. استمرت الاحتجاجات طيلة تلك السنوات، وبلغت ذروتها في الصمود البطولي لأهل غزة خلال عملية “الجرف الصامد” الإسرائيلية ضد القطاع في العام 2014، ثم إصرارهم المُلهِم في مسيرات العودة الكبرى 2018-2019، ثم الانتفاضة واسعة النطاق في الضفة ومدن الداخل في مايو 2021، التي تزامنت مع قصف مستمر من فصائل المقاومة على المدن والبلدات المحتلة.

هذا المسار العسير من النضال حافظ على القضية الفلسطينية في الصدارة، رغم المحاولات الحثيثة لتصفيتها، حتى شهدنا اليوم تحولًا نوعيًا نقل المقاومة الفلسطينية لأول مرة من الدفاع إلى الهجوم. وبحسب قول وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، فإن “الهجوم الحالي على إسرائيل هو الأخطر منذ 1973”.

تهديد إسرائيل
مثلما أبهرت المقاومة الفلسطينية أحرار العالم ببسالتها وصمودها، تسبَّبت أيضًا في صدمة كبرى للاستخبارات والجيش الإسرائيليَّين، ودبَّت الذعر في أروقة سلطة الاحتلال، إلى درجة دفعت مستشارًا أمنيًا إسرائيليًا مثل جيورا إيلاند أن يقول في تصريحات لصحيفة جيورزاليم بوست الإسرائيلية إن “إسرائيل ستواجه تهديدًا وجوديًا إذا استمرت الحرب”. الصحيفة نفسها نشرت مقالًا يقول إن “أحداث السابع من أكتوبر –وهو أحلك يوم في تاريخ إسرائيل- سوف تغيِّر كل شيء”.

وكعادتها في القتل بدم بارد، أطلقت الآلة العسكرية الإسرائيلية العنان لهجومٍ وحشي على قطاع غزة أوقع 413 شهيدًا وأصاب 2300 آخرين، إضافةً إلى ارتقاء 7 شهداء في الضفة الغربية، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية حتى كتابة هذه السطور.

رغم ذلك، كبَّدت المقاومة الفلسطينية الاحتلال خسائر أفدح، سواء على يد مقاتليها الذين تسللوا إلى المستوطنات (لا يزال القتال جاريًا إلى الآن في 13 مستوطنة) أو بالصواريخ التي تُطلَق من غزة. بحسب السلطات الإسرائيلية ارتفعت حصيلة القتلى في دولة الاحتلال إلى 700 من الجنود والمستوطنين منذ صباح السبت، فضلًا عن إصابة 2156 آخرين. هذه أعداد كبيرة للغاية مقارنةً بآخر جولة قتال خاضتها المقاومة قبل عامين ونصف تقريبًا. لم توقع المقاومة آنذاك أكثر من 12 قتيلًا إسرائيليًا وعشرات قليلة من المصابين طيلة الفترة من 10 إلى 21 مايو 2021. هذه المقارنة وحدها كافية لكشف التطوُّر المذهل في تكتيكات وأدوات المقاومة الفلسطينية على مدار تلك الفترة القصيرة.

هذا بالطبع علاوة على الأسرى الإسرائيليين الذين تجاوز عددهم 100 أسير لدى حماس، بينما تقول الحركة إن العدد أكبر بكثير. آخر مرة سمعنا فيها عن أسير إسرائيلي كان في يونيو 2006، حين أسرت حماس الجندي جلعاد شاليط، وبعد تفاوض طويل أفرجت عنه في أكتوبر 2011 مقابل إطلاق سراح 1027 أسير فلسطيني من السجون الإسرائيلية. لنا أن نتصور الموقف الأقوى الذي ستصبح فيه المقاومة بهذا العدد الكبير من الأسرى لديها اليوم.

أما عن الخسائر الاقتصادية، فهي لا تقل فداحةً. يكلِّف القتال المباشر إسرائيل نفقاتٍ تتراوح من 26 إلى 65 مليون دولار يوميًا بحسب نطاق القتال، بما يشمل الذخائر ونفقات تحركات الجيش والأجهزة الأمنية وكذلك تعويض المصابين وأولئك الذين تضررت ملكياتهم من الإسرائيليين. هناك أيضًا تكاليف غير مباشرة، ورغم صعوبة تقديرها، فهي أكبر بكثير. لا تكف صافرات الإنذار عن الدوي في مدن الداخل المحتل، ومع كل دفقة صواريخ من غزة يفر آلاف الإسرائيليين إلى المخابئ، وتسفر حالة الهلع هذه إلى شللٍ كامل في عمل الشركات والأسواق وتضرب قطاع السياحة المربح لإسرائيل في مقتل. تسبَّب ذلك في خسائر في مؤشرات بورصة تل أبيب تجاوزت 6% بعد أن فتحت على انخفاضٍ بقيمة 4% أمس الأحد.

تعليقًا على ذلك، كان المحلل الاستخباراتي الإسرائيلي آفي ملامد على حق حين صرَّح قائلًا إن “هذه بالتأكيد لحظةٌ محورية وأي سيناريو ستخرج منه إسرائيل بشكل سيئ”.

الدعم غير المشروط للمقاومة
تأتي هذه الحرب بالتزامن مع تمزقاتٍ ربما هي الأكبر في نسيج الكيان الصهيوني. على مدار الشهور الماضية شهدت إسرائيل احتجاجاتٍ كبرى ضد ما أُطلِقَ عليه “الإصلاح القضائي” الذي يمنع القضاء من الطعن على قرارات الحكومة الإسرائيلية بقيادة نتنياهو، التي هي الأكثر يمينية وتطرُّفًا في تاريخ هذا الكيان. وكان من ضمن ذلك عزوف أعداد كبيرة من جنود الاحتياط عن الخدمة العسكرية. ربما أسهمت هذه التصدعات في تدهور معنويات جيش الاحتلال أمام المقاومة وعمليتها الباسلة الأخيرة.

أطلقت هذه الحكومة العنان للمستوطنين للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية والبناء عليها، واقتحام المسجد الأقصى مرةً تلو الأخرى بل وفي حماية القوات الإسرائيلية. ويعاني الشعب الفلسطيني يوميًا وعلى مدار عقود من جرائم الاحتلال، وبمجرد أن بادرت مقاومته بالرد على هذه الجرائم، سارعت الدول الحليفة لإسرائيل إلى التنديد بعملية “فيضان الأقصى”؛ من فرنسا إلى بريطانيا إلى الولايات المتحدة، التي أعلنت أنها تخطط لنقل سفن حربية وحاملة طائرات إلى مقربةٍ من الأراضي المحتلة دعمًا لإسرائيل.

ومن جانبها، اكتفت السلطات المصرية، ذات “السلام الدافئ” مع إسرائيل، بدعوة الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على السواء إلى “أقصى درجات ضبط النفس”. كانت إسرائيل قد هرعت منذ أمس السبت إلى السلطات المصرية من أجل التوسط لدى حماس لإطلاق سراح الأسرى. وبالفعل بدأت مصر، بالإضافة إلى الأردن والأمم المتحدة، في إجراء اتصالاتٍ مع حماس للإفراج عن عدد من الأسرى الإسرائيليين. لم نر هؤلاء من قبل يتفاوضون مع إسرائيل حول إطلاق سراح نحو 5200 أسير فلسطيني لدى إسرائيل، بينهم 170 طفلًا، فضلًا عن المعتقلين الإداريين الذين بلغوا هذا العام 1264 معتقلًا، بينهم ما يزيد عن 20 طفلًا.

في مواجهة جرائم الكيان الصهيوني، لا مجال لحديثٍ إلا الدعم غير المشروط للمقاومة الفلسطينية، فلا يحق لأيٍّ من كان أن يملي شروطًا على الذين يدفعون الدم والحياة بصدرٍ مفتوح في مواجهة احتلالٍ قائم على السلب والقتل.

إن كل صاروخ من المقاومة وكل رصاصة من مقاتل وكل هتافٍ في الضفة لهو خطوة في طريق تحرُّر فلسطين. وقد حقَّقت المقاومة في عمليتها الأخيرة وثبةً مهمة في هذا الاتجاه، والتحرُّر الشامل لفلسطين لن يتحقَّق إلا من خلال تقويض الكيان الصهيوني من الداخل المحتل والضفة وغزة، ومن خارج حدود فلسطين أيضًا، حيث نقل هذا الصراع ضد كافة الطبقات الحاكمة العميلة والمتواطئة والمُطبِّعة مع الكيان الصهيوني والداعمة له، لاسيما الطبقات الحاكمة في المنطقة.