بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

هنري كيسنجر 1923-2023: موت مجرم الحرب المحبوب من الإمبريالية

هنري كيسنجر أستمتع بالتنصت على الهواتف وإسقاط القنابل على الأبرياء (الصورة: الأرشيف الوطني الأمريكي)

من فيتنام والحرب في جنوب شرق آسيا إلى أمريكا اللاتينية وخارجها، وصل فيها عمق الدماء الى ركبتي هنري كيسنجر.

توفي أخيراً مجرم الحرب الكريه هنري كيسنجر عن عمر ناهز ال 100عام. هذا العمر الطويل تباين مع حياة ضحاياه، فالكثير منهم مات قبل أن يبلغ سن الرشد. كان لوزير الخارجية الأمريكي السابق ومستشار الأمن القومي للرئيس ريتشارد نيكسون يد في الانقلابات والقتل والتفجيرات والاختطاف والإبادة الجماعية.

كانت الولايات المتحدة على حافة الانهيار السياسي عندما دخل هو ونيكسون البيت الأبيض في عام 1969. كانت “أعظم قوة عظمى في العالم” تخسر حربها في فيتنام، وكانت تخشى على نحو متزايد من حدوث حرب في الداخل. فقد تزامن التمرد ضد التجنيد الاجباري وحملات القصف التي لا نهاية لها مع تزايد المطالب بالتغيير الجذري.

كانت مهمة كيسنجر هي استعادة هيبة الإمبريالية الأمريكية، والتي كان يعتقد أنها ستعيد النظام إلى شوارع الولايات المتحدة. لكن رغم الجحيم الذي أطلقه على العالم، فقد خسرت أمريكا معظم المعارك التي أدخلها فيها. وهو ما أدى إلى تسريع الشعور بانحدار الإمبراطورية.

منذ أوائل الستينيات، قامت الولايات المتحدة بتعزيز سيطرتها وذلك بغزو فيتنام وقصفها ونهبها كجزء من مهمتها “لوقف انتشار الشيوعية”. لكن سرعان ما أصبح من الواضح أن الحكومة العميلة التي دعمتها الولايات المتحدة لم تحظ بدعم شعبي كبير، على عكس المقاومة التي قاتلت ضدها.

وعلى الرغم من أن فيتنام قد أصبحت جرحاً نازفاً، إلا أن كيسنجر ونيكسون كانا يخشيان أن يؤدي سحب القوات إلى جعل الولايات المتحدة تبدو “ضعيفة”. وبدلاً من ذلك، قاموا بتصعيد الحرب إلى الدول المجاورة لفيتنام – لاوس وكمبوديا – في محاولة لعزل المقاومة.

خلال الحملة الكمبودية – التي أطلق عليها اسم “قائمة العمليات” – أسقطت الولايات المتحدة أكثر من 25 ألف قنبلة في كل منطقة من المناطق الست وقتلت ما يقدر بنحو 500 ألف مدني وربما يكون الرقم الحقيقي أعلى من ذلك. مساعد الأمن القومي وافق على كل غارة من الغارات الجوية البالغ عددها 3875 غارة بين عامي 1969 و1970.

كيسنجر أبقى حملة القصف على الدول المجاورة لفيتنام سرية عن الكونجرس الأمريكي لأنه كان يخشى أن تعيق هذه الخطوة. وبعد أن تسربت هذه الخطط إلى صحيفة نيويورك تايمز، أمر عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي بالتنصت على هواتف مجلس الأمن القومي لمعرفة المسؤول عن التسريب.

لقد أهلكت الحرب في كمبوديا هذا البلد الذي كان فقيراً بشكل يائس، وتفاخر الجنرالات الأمريكيون بأنهم قصفوا البلاد وأوصلوها “إلى العصر الحجري”. لقد مات في هذا القصف ما لا يقل عن 600 ألف كمبودي قبل الإطاحة بالنظام الذي دعمته الولايات المتحدة في عام 1975. ومن بين هذا الرماد، صعد الخمير الحمر إلى السلطة، وقاموا بإبادة جماعية بعد ذلك وصلت إلى 2.2 مليون شخص وصفوهم بأنهم “أعداء طبقيون”.

كيسنجر كان أيضاً وراء القصف البساطي carpet-bombing (قصف شديد على بقعة صغيرة وتدميرها بالكامل ثم الانتقال الى بقعة أخرى-المترجم) لفيتنام الشمالية عام 1972. وفي المجمل، أودت الحرب التي استمرت 17 عاماً بحياة حوالي أثنين مليون مدني فيتنامي، وأكثر من 58 ألف جندي أمريكي، وبلغت تكلفتها 843.63 مليار دولار. وأدت المحادثات في عام 1973 إلى وقف إطلاق النار في فيتنام. وعلى الرغم من خروجه منتقعاً بالدم، الا أن كيسنجر فاز بجائزة نوبل للسلام.

أمريكا اللاتينية كانت القارة الأخرى التي يتذكر الناس الأثر الدموي الذي تركه كيسنجر خلفه. فالانقلاب العسكري في تشيلي في عام 1973 كان واحداً من “التدخلات” الـ 81 التي قامت بها الولايات المتحدة في انتخابات البلدان الأخرى. كان المرشح الرئاسي الاشتراكي التشيلي سلفادور الليندي فاز بانتخابات عام 1970 بنسبة 36.2 في المئة من الأصوات. وأصيبت الولايات المتحدة حينها بالذعر بسبب سياساته اليسارية المؤيدة لكوبا.

قال كيسنجر: “لا أفهم لماذا يتعين علينا أن نقف مكتوفي الأيدي ونشاهد بلداً يتحول إلى الشيوعية بسبب عدم مسؤولية شعبه”. وبعد الانقلاب الفاشل في يونيو 1973، حاول الجنرال أوغستو بينوشيه، القائد الأعلى للجيش، مرة أخرى في سبتمبر، وحاصر القصر الرئاسي بالدبابات والمروحيات والمشاة وأطلق النار عليه. توفي الليندي في القتال، ولكن ما إذا كان قد أصيب بالرصاص أو أطلق النار على نفسه لايزال موضع خلاف.

بدأ المجلس العسكري الجديد المدعوم من الولايات المتحدة عهداً من الإرهاب. استولى الجيش على ملعب كرة القدم الرئيسي في البلاد لإيواء 12 ألف يساري تم اعتقالهم. في المجمل، قتل النظام ما يصل إلى 30 ألف شخص، مع تعرض عدد أكبر للتعذيب أو النزوح إلى المنفى. وبعد سماع نبأ الإطاحة باليندي، اشتكى كيسنجر من عدم التقدير الذي تلقته الولايات المتحدة، فأجاب نيكسون: “حسناً، لم نكن – كما تعلم – نظهر أيدينا على هذا”.
كان الانقلاب جزءاً من عملية كوندور – نظام للقمع السياسي المدعوم من الولايات المتحدة يشمل الاغتيالات والانقلابات والعمليات الاستخباراتية في أمريكا الجنوبية من عام 1968 إلى عام 1989. ففي الأرجنتين بين عامي 1974 و1983، دعمت الولايات المتحدة المجلس العسكري الذي خاض “حرباً قذرة” للإطاحة بالحكومة اليسارية وقمع المعارضة الشعبية. منحت الولايات المتحدة المجلس العسكري 50 مليون دولار كمساعدات عسكرية لمساعدته في القضاء على المتطرفين.

في يونيو 1976، أعطى كيسنجر المجلس العسكري “الضوء الأخضر” لبدء القمع على نطاق واسع. وأخبر وزير الخارجية الأرجنتيني سيزار أوجوستو جوزيتي أن الولايات المتحدة تدعمهم، لكن “يجب العودة إلى الإجراءات الطبيعية” قبل استئناف الكونجرس الأمريكي للانعقاد. خلال فترة إرهاب الدولة تلك، قُتل أو اختفى ما يقدر بنحو 30 ألف شخص دون تفسير.

تم تنفيذ الاغتيالات عن طريق إطلاق النار بشكل جماعي، أو تخدير الأشخاص واعتقالهم وإسقاطهم عراة وشبه فاقدين للوعي في المحيط الأطلسي. وسجنت الدولة حوالي 12 ألف سجين دون محاكمة وأنشأت أكثر من 400 معسكر اعتقال سري. يُعرف الأشخاص اليوم الذين ماتوا باسم “المختفين”.

كان على كيسنجر ونيكسون أن يتركوا بصماتهم على آسيا أيضاً. فقد دعمت الولايات المتحدة الدكتاتورية العسكرية الباكستانية وحملتها الدموية في عام 1971 على فيما كان يعرف آنذاك باسم باكستان الشرقية، ولكنها أصبحت اليوم بنجلاديش.

في وقت القتال، كانت باكستان دولة واحدة مقسمة بين الجناحين الشرقي والغربي. كان النظام العسكري في إسلام أباد في باكستان الغربية، يتمتع بالسيطرة السياسية على كلا المنطقتين، لكن كانت هناك مقاومة متمردة في الشرق. أراد القوميون البنغاليون إدارة بلادهم والانفصال عن باكستان الغربية.

حاول المجلس العسكري في إسلام آباد سحقهم، مما أدى إلى نشوب حرب أهلية في الشرق. فقد دعمت الولايات المتحدة النظام في باكستان الغربية لأنها كانت تخشى أن تنحاز بنجلاديش المستقلة إلى الهند، وكانت الهند متحالفة جزئياً على الأقل مع الاتحاد السوفييتي. وكان الجيش الباكستاني يقصف ويقتل ويغتصب في طريقه عبر الشرق.
الجيش الباكستاني لم يكن عازماً على محو مقاتلي الاستقلال البنغاليين فحسب، بل أيضاً كل الذين يتعاطفون معهم. وكان في أيدي الجنود الباكستانيين أسلحة أمريكية الصنع. تجاهل كيسنجر البرقية الأولى من القنصل الأمريكي آرتشر بلود في باكستان الشرقية والتي أبلغته بوقوع “إبادة جماعية انتقائية”، وعندما وصفت برقية ثانية ما حدث مرة أخرى بأنه “إبادة جماعية”، أمر كيسنجر بإقالته.

خلال المفاوضات لإنهاء الحرب، وصف كيسنجر رئيسة الوزراء الهندية أنديرا غاندي بأنها “عاهرة”، وقال إن “الهنود أوغاد”. وعندما تم الإعلان عن ذلك في عام 2005، ألقى باللوم على الرئيس السابق المتوفى قائلاً: “كانت اللغة هي لغة نيكسون”.

وصل عهد الإرهاب لنيكسون وكيسنجر إلى نهايته مع فضيحة ووترجيت في عام 1972. فقد تم القبض على خمسة لصوص وهم يقتحمون اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي في فندق ووترجيت الذي يضم شققاً مكتبية في واشنطن. وكان أعضاء لجنة إعادة انتخاب نيكسون متواجدين في المكاتب للتنصت على الهواتف، لكن أجهزة التنصت فشلت. فقاموا لاحقاً بمحاولة ثانية باستخدام ميكروفونات جديدة، ولكن تم القبض عليهم وهم يقومون بالتنصت على الهواتف وسرقة المستندات. وعد نيكسون بأنه لا علاقة له بالفضيحة، وأُعيد انتخابه رئيساً في نوفمبر 1972. ودفع رشوة إلى اللصوص وأمر وكالة المخابرات المركزية بتضييق الخناق على التحقيقات في هذه القضية.

تم تقديم اللصوص للمحاكمة واعترفوا بالذنب، لكن أحدهم، وهو جيمس ماكورد، كتب رسالة إلى القاضي قال فيها إن البيت الأبيض كان وراء عملية الاقتحام. وبدأت لجنة بمجلس الشيوخ التحقيقات، واكتشفت أن جميع المحادثات في المكتب البيضاوي لنيكسون تم تسجيلها، وطالبت الرئيس بتسليم الأشرطة لكنه قاوم الطلب، وفي نهاية المطاف تخلى عن بعضها، لكن الكثير منها كان مفقوداً أو متضرراً. بحلول صيف عام 1974، اضطر إلى تسليم جميع الاشرطة.

بحلول ذلك الوقت، كان من الواضح أن الرئيس على علم كامل بعملية ووترغيت، وأنه تم التنصت على الهواتف بشكل غير قانوني بناءً على أوامره. وبينما كان نيكسون مشتتاً بالفضيحة، تمتع كيسنجر بحرية التحكم في السياسة الخارجية.
وظل وزيراً للخارجية حتى خسر الجمهوريون الانتخابات الرئاسية عام 1976، ومنذ ذلك الحين ظل يقدم المشورة للحكومات الأمريكية بشأن محاولاتها لغزو العراق وإيران وأوكرانيا. لا ينبغي لنا أن نتذكر كيسنجر كدبلوماسي أو موظف عظيم، إنه تجسيد للإمبريالية الأمريكية القاتلة.

*تحديث من المترجم:
في اخر مقابلة له قبل ثلاثة أيام مع ماتياس دوبفنر، الرئيس التنفيذي لشركة أكسل سبرينغر لقناة فيلت التلفزيونية الألمانية بحسب موقع قناة الحرة الالكتروني في 30 نوفمبر 2023، قال كيسنجر إن محادثات سلام مع حماس “لا يمكن تصورها بالنسبة لي” إذا “تمكن الارهابيون من الظهور علانية واحتجاز الرهائن وقتل الناس”. وردا على سؤال تجاه احتفال العرب في شوارع برلين بهجوم حماس من خلال توزيع الحلوى، قال إنه “لا يوجه اللوم للشعب الألماني” وأضاف “لقد كان من الخطأ الفادح السماح بدخول هذا العدد الكبير من الأشخاص من ثقافات وأديان ومفاهيم مختلفة تماما، لأن ذلك يخلق مجموعة ضغط داخل كل دولة تفعل ذلك”.

-المقال بقلم: إيزابيل رينغروس، صحيفة العامل الاشتراكي البريطانية