بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإمبريالية والمنافسة والعنف

لقد تسبب نظام التنافس الرأسمالي الشرس في مستويات مروعة من الصراع المسلح والمعاناة للناس في جميع أنحاء العالم. يشرح هذا المقال أن الإمبريالية لا تقتصر على سيطرة الدول الكبرى على الدول الأصغر، بل هي وحشية وعنيفة وقاتلة. وهذا يلخص النظام الكامن وراء الهجوم الإسرائيلي على الفلسطينيين.

يستخدم الكثير من الناس كلمة الإمبريالية لوصف البنية التي تنتج مثل هذا الرعب، وهذا صحيح. لكن هذا المصطلح يُستخدم بعدة طرق مختلفة. أحد الاستخدامات الشائعة هو وصف العملية التي تقوم بها الدول الكبرى بترهيب الدول الأصغر وقمعها. والاستخدام الآخر هو الطريقة التي تسعى بها القوى العظمى لاستخراج أو السيطرة على المواد الخام والموارد الأخرى للدول الأضعف. وكلا الأمرين من سمات الإمبريالية.

بالنسبة للماركسيين، فإن الإمبريالية هي مرحلة معينة من الرأسمالية ظهرت في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى، وأدت إلى أفظع إراقة دماء في التاريخ حتى تلك اللحظة. لا يمكن فصل الإمبريالية عن المنافسة بالطريقة التي تقاتل بها الدول الرأسمالية المتنافسة بعضها البعض من أجل الهيمنة اقتصاديًا وعسكريًا في أغلب الأحيان.

كتب الثوري الروسي فلاديمير لينين كتابه القصير “الإمبريالية: أعلى مراحل الرأسمالية” في عام 1916، والذي شرح فيه الأساس الاقتصادي للحرب وسمات النظام العالمي للصراع بين الدول الرأسمالية: “الإمبريالية تعني تقسيم العالم” و”أرباح احتكارية عالية لحفنة من البلدان الغنية جدًا”.

على النقيض من أولئك الذين طرحوا أن الزعماء والدول سوف يتعاونون ويصبحون قوةً من أجل السلام، قال لينين إن أي توازن للقوى بين الإمبرياليين المتنافسين لا يمكن أن يكون إلا توازنًا مؤقتًا. فعندما يتحول الثقل الاقتصادي لدولة واحدة أو مجموعة من الدول، تندلع صراعات دموية جديدة تدمر أي اتفاقيات سلمية وُقعت لتقسيم السوق العالمية.

شهدت المرحلة المبكرة من الرأسمالية تنافس الشركات الصغيرة نسبيًا مع بعضها البعض بشكل رئيسي داخل السوق المحلية. لكن عملية المنافسة تشهد سحق البعض لخصومهم، فيما ينهض المنتصرون أكبر وأقوى وأكثر استعدادًا للتوسع دوليًا. ومع انتقالهم إلى ما هو أبعد من السوق المحلية، فإنهم يطالبون بدعم دولتهم لضمان تحقيق أرباح سهلة، وفي بعض الأحيان يريدون أيضًا قواتها المسلحة لتحطم العوائق أمام التجارة أو للتخلص من الحكام “غير المفيدين”.

بسبب هذه الطريقة، أصبح الزورق الحربي الذي ينفجر على بعض الشواطئ الأجنبية رمزًا رئيسيًا للإمبراطورية البريطانية. الإمبريالية هي دمج المنافسة الاقتصادية والجيوسياسية. والدول المُشعلة للحروب كان لها رد فعل على الأنظمة الاقتصادية. فقبل خمسين عامًا من الحرب العالمية الأولى، كانت بريطانيا هي القوة الصناعية المهيمنة. ولكن في الفترة التي سبقت الحرب، وبعد أن اصبحت ألمانيا تمثل ثاني أكبر اقتصاد، تحدت هي ودول أخرى بريطانيا عسكريًا واقتصاديًا.

وفي بعض اللحظات، كما حدث في مؤتمر برلين في نهاية القرن التاسع عشر، كان بوسع كافة القوى أن تتفق على تقسيم إفريقيا فيما بينها -دون إشراك أي إفريقي بطبيعة الحال. ولكن عندما استُنفدت كل أشكال تقاسم الغنائم تقريبًا، لم يكن من الممكن أن يحدث أي توسع جديد إلا من خلال الاستيلاء على غنائم دولة أخرى.

لم تسعد أي دولة بـ”تجميد” مناطق سيطرتها وتحكمها، وفي المقابل أدى تراكمهم الاقتصادي إلى حرب عالمية. أدى انتصار بريطانيا وحلفائها في عام 1918 إلى دفع الآخرين إلى التراجع لبعض الوقت. لكنها لم تتمكن من منع صعود قوى أوروبية أخرى، وخاصة الولايات المتحدة.

وكما كتب الثوري الروسي ليون تروتسكي: “خلال الحرب، انكشف التطور والتفوق الاقتصادي الهائل للولايات المتحدة بأبعاده الكاملة. إن خروج ذلك البلد من مرحلة النزعة الإقليمية نحو الخارج، دفع بريطانيا العظمى فجأة إلى المركز الثاني”.

كان عدم التطابق بين الهياكل السياسية والقوة الاقتصادية والسيطرة الدولية هو أساس الحرب العالمية الثانية. وأدت تلك الحرب إلى تكثيف صعود الولايات المتحدة ومنافسها الإمبريالي الاتحاد السوفييتي.

ففي أواخر عام 1939، كانت الولايات المتحدة تحتل المرتبة 19 في جدول ترتيب القوة العسكرية، خلف البرتغال. ولكن منذ ذلك الحين وحتى دخولها الحرب في أواخر عام 1941، زادت الولايات المتحدة قواتها المسلحة بمقدار ثمانية أضعاف لتصل إلى 1.5 مليون فرد.

للإمبريالية سمات ثابتة، لكنها تتحول وتتغير أيضًا بطرق مهمة جدًا. ففي إحدى المراحل، شهد العالم “متعدد الأقطاب” ستة بلدان إمبريالية أو أكثر تتقاتل فيما بينها.

وبعد الحرب العالمية الثانية، واجهت كتلتان كبيرتان بعضهما البعض. أجبرت الولايات المتحدة الدول على الخضوع لإرادتها إما من خلال الضغوط الاقتصادية وإما عن طريق العنف. قامت بتغيير نتائج الانتخابات في بعض البلدان، وقضت على القادة الذين بدوا وكأنهم يشكلون تهديدًا، وأرسلت قواتها لضمان الهيمنة.

على سبيل المثال، أطاحت الولايات المتحدة بحكومة محمد مصدق في إيران عام 1953 لأنه قام بتأميم صناعة النفط في البلاد. وخاضت سنوات من الحرب في فيتنام، وقتلت 1.5 مليون فيتنامي ومئات الآلاف في كمبوديا المجاورة. وفي الوقت نفسه، غزا الاتحاد السوفييتي تشيكوسلوفاكيا في عام 1968 ودعم أصدقاءه في الحكم عندما سحقوا الانتفاضات العمالية.

دفعت رأسمالية الدولة في روسيا والرأسمالية في الولايات المتحدة كلًا منهما إلى إنتاج المزيد من الناتج الصناعي والاستيلاء على قدر أكبر من النفوذ الجيوسياسي كلٌّ في مواجهة الآخر. وهددت الحرب الباردة بين الكتلتين في بعض المراحل بالتحول إلى حرب ساخنة قد تُخاض بالأسلحة النووية. حرب يخسر فيها العمال والفقراء في كل مكان. ولهذا السبب يأتي التقليد السياسي للتيار الاشتراكي الأممي من طرح شعار “لا واشنطن ولا موسكو، بل الاشتراكية الأممية”.

في نهاية الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة القوة العظمى المهيمنة، لكن ذلك كان بعيدًا عن “نهاية التاريخ” كما توقع بعض أنصار النيوليبرالية. استمرت القوى الاقتصادية في التحول، ففي عام 1980 أنتجت روسيا 14.8% من الإنتاج الصناعي العالمي، أي حوالي نصف حصة الولايات المتحدة البالغة 31.5%. وبعد ثلاثين عامًا، كانت روسيا تمثل 3.2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وانخفضت حصة الولايات المتحدة إلى 22%.

أدى صعود اليابان والصين وغيرهما إلى تقليص الهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة، مما دفعها إلى زيادة إنفاقها العسكري بشكل كبير للتعويض. لكن المشكلة الأخرى التي تواجه الإمبريالية هي أن ضحاياها نادرًا ما يقبلون مصيرهم دون مقاومة. لقد ثار الناس في جميع أنحاء العالم ضد الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والإسبانية، حتى عندما كانت هذه الإمبرياليات تتفوق عليهم عددًا وعتادًا. لكن الشعوب في النهاية انتصرت، إما عن طريق هزيمة الإمبراطوريات وإما عن طريق زرع الخوف داخلهم بما يكفي لحثهم على الانسحاب.

لقد خسرت الولايات المتحدة في فيتنام، تمامًا كما خسر الفرنسيون في فترة سابقة. ورغم الأعداد الهائلة من القتلى والدمار الذي لحق بمجتمع بأكمله، فقد خسرت الولايات المتحدة في العراق، ثم في أفغانستان. سحب الرئيس الأمريكي جو بايدن القوات الأمريكية من أفغانستان بشكل مهين من أجل التركيز على التنافس مع الصين. واليوم، تتقاتل القوى الإمبريالية المتنافسة، الولايات المتحدة وروسيا، مرة أخرى من خلال حرب بالوكالة في أوكرانيا. فروسيا تحاول أن تظهر أنها لا تزال قادرة على التحرك على المسرح العالمي.

وعن طريق حلف شمال الأطلسي العسكري، حشدت الولايات المتحدة حلفاءها لإرسال الأسلحة لتعزيز القوات الأوكرانية. نعم من الممكن الظفر بعالم بدون حرب. لكن الحل لا يكمن في دعم إمبريالي أو آخر، بل في التصدي للنظام الذي ينتج الحرب والمنافسة بشكل مباشر.

وهذا يعني التضامن والدعم للشعوب والقوميات المضطهدة التي تثور ضد الإمبريالية. وهذا يمكن أن يضعف القوى الإمبريالية في الخارج وفي الداخل أيضًا، مما يمنح مساحةً أكبر للحركات الثورية. ويعني كذلك دعم حركات التحرر وتحويل المعركة ضد الإمبريالية إلى حكامنا.

إن توجيه ضربة للطبقة الحاكمة هنا يمكن أن يعني ضربة للإمبرياليين في جميع أنحاء العالم، ويكون بمثابة شرارة للثورة. فالحرب العالمية الأولى انتهت بعد الثورات في روسيا ثم ألمانيا، وقد شجع هذا الحركات المناهضة للاستعمار والإمبريالية في كل مكان.

إن النضال من أجل تحرير فلسطين هو سعي إلى توجيه ضربة للإمبريالية، أي تحطيم إسرائيل ومؤيديها. وقد يؤدي ذلك إلى تفجير انتفاضات أوسع نطاقًا في الشرق الأوسط وعلى المستوى الدولي. لكن تخليص العالم من الإمبريالية يعني أيضًا توسيع المعركة وضرب النظام الرأسمالي الذي يسبب الحرب والمنافسة في المقام الأول.

المقال بقلم إيزابيل رينجروز – صحيفة العامل الاشتراكي البريطانية