بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حزب الله.. من الأراضي السورية إلى مناوشة الاحتلال

تختلف الآراء حول المناوشات الجارية الآن بين حزب الله اللبناني والاحتلال الصهيوني، فالحزب الذي هوت شعبيته في المنطقة بعد تدخله في سوريا لدعم بشار الأسد، عقب اندلاع الثورة السورية، لم يعد، في نظر البعض، نفس الحزب الذي خاض حروبًا ضارية على مدار سنوات ضد الاحتلال الصهيوني، حتى وإن ناوش إسرائيل الآن، تضامنا مع غزة، فشيئًا ما تغير في العقول والنفوس!

بغض النظر عن الموقف الطائفي الذي لم يتغير من الحزب باعتباره حزبًا شيعيًا، ينظر الكثير إلى موقف حزب الله الآن من حرب غزة بالريبة واعتبار أن هذه المناوشات مع إسرائيل لا تتجاوز مجرد إثبات موقف شكلي.

يطرح موقف حزب الله من الحرب في غزة سؤالاً هامًا حول موقفنا من حزب الله، صاحب اليد الملوثة في سوريا واليد الأخرى المقاومة التي تناوش إسرائيل الآن، وعلى الرغم من اتفاق الكثير الآن على دعم المقاومة الفلسطينية المسلحة، التي تقود غالبيتها الفصائل الإسلامية، وعلى رأسها حركتي حماس والجهاد الإسلامي، تلك التنظيمات الرجعية التي تقف الآن بالمرصاد في وجه أعتي القوى الاستعمارية، وتواجه، ليس فقط الاحتلال الصهيوني، بل وداعميه، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ينطلق موقفنا الداعم بدون شروط لهذه التنظيمات الإسلامية الفلسطينية، كونها مقاومة في وجه الاحتلال والقوى الإمبريالية، ولا يعني هذا الدعم بالطبع التماهي مع مواقف وأفكار هذه التنظيمات الرجعية، بل إن هذا الدعم غير المشروط هو دعم نقدي لأفكارها ومواقفها المترددة احيانُا.

ينطبق هذا على الموقف من حزب الله، عندما خاض حروبُا ومعارك عديدة ضد الاحتلال الصهيوني، لكن حزب الله الآن في موقف شائك، فالحزب لم يدعم الثورة السورية، التي اندلعت ضمن موجة الثورات الشعبية في المنطقة، ولم يقف على الحياد، بل إن الحزب دافع باستماته، ولا يزال، عن بقاء بشار الأسد ومنع سقوطه، وفق رؤية تنطلق من الدفاع عما يُسمى”محور المقاومة”، الذي يضم تحالفًا بين النظامين السوري والإيراني وحزب الله اللبناني المدعوم من إيران.

ويعتبر حزب الله أن تغيير النظام في سوريا قد ينتج عنه نظامًا جديدًا، مما يعني وضع هذا التحالف رهينةً للاحتمالات. هذا الموقف البراجماتي ينبع في الأساس من رؤية حزب الله، كما أوردها كريس هارمان، في كتابه “انتصار المقاومة اللبنانية وتحديات المسقبل”، حيث يعرض الكاتب رؤية حزب الله، على لسان نعيم قاسم، نائب الأمين العام للحزب، باعتبار أن العلاقة بين حزب الله وإيران وسوريا هي علاقة إستراتيجية، وأن سوريا هي حجر الزاوية لمواجهة الالتزامات الإقليمية الكبرى.

لا يتوقف الأمر عند سوريا فقط بل إن نائب الأمين العام للحزب يؤكد أنه لا يوجد اي نظام عربي يستحق أن تتم الإطاحة به، وأنه على الأنظمة أن تقوم بتغييرات لتحقيق المصالحة مع شعوبها.

ويصف قاسم كل من يرفع شعار تحرير فلسطين، انطلاقًا من تحرير شعوب المنطقة من أنظمتها الحاكمة بأنه يسير في الطريق الخطأ، ويعقد مسألة التحرير.

من هنا يمكننا فهم الدوافع التي ورطت حزب الله في سوريا، من حيث فهم التنظيمات الإسلامية لقدرة الجماهير، التي لا تتجاوز في الغالب سوى الصمود أو الدعم لمجموعة من المقاتلين المسلحين، ومن هذا المنطلق فإن بقاء الأنظمة الحاكمة القمعية لا يتعارض، من وجهة نظرها، مع قضية فلسطين أو غيرها، ولكن إذا ما اعتبرنا أن حزب الله في سوريا هو بالفعل ميليشيا مسلحة فلا جدال أنها ضد الشعب السوري وحجر عثرة أمام مطالب الحرية والعدالة، فإنه على العكس من ذلك فإن المناوشات الجارية الآن بين حزب الله والاحتلال هي مواجهة أخرى في جبهة ثانية ضد الكيان الصهيوني.

على الصعيد الميداني أدت المناوشات الجارية بين الحزب والاحتلال إلى إخلاء مستوطنات صهيونية إلى عمق 7 كيلو مترات من المستعمرات الشمالية الحدودية مع لبنان، فضلا عن إشغال القوة العسكرية للاحتلال ووضعها على أهبة الاستعداد على الحدود مع لبنان، مما يحول دون انخراطها في معركة غزة.

بالفعل تبقى هذه مناوشات محدودة، فللحرب حساباتها المعقدة، سواء كان ذلك على المستوى الإقليمي أو بالنسبة إلى الوضع الداخلي في لبنان، هذه المناوشات لا تخلو من رسائل سياسية باستهداف كاميرات المراقبة وأجهزة الرصد والإنذار لجيش الاحتلال، فمثل هذه العمليات تعطي إشارات عن الاستعداد للحرب، وإن بقيت هذه المناوشات الآن خاضعة لقواعد اشتباك محدودة من جانب حزب الله والاحتلال.

لا ترقى هذه المناوشات إلى الانخراط الكامل والمباشر في مواجهة كبرى بين حزب الله والاحتلال، إلا أن هذا الموقف وهذه المناوشات تعد أكثر المواقف تقدمًا بجانب موقف الحوثيين في اليمن، هذه المناوشات وإشغال الاحتلال بجبهة أخرى، تتجاوز التصريحات والمواقف الشكلية للأنظمة الحاكمة، أو المشاركة في حصار غزة كما يفعل النظام المصري.

هذه المناوشات تؤرق الكيان الصهيوني مدفوع بهزيمة حرب السابع من أكتوبر، فلا يزال عبور حماس المفاجئ نحو المستوطنات في مخيلة الاحتلال، الذي يريد أن يبعد حزب الله إلى شمال نهر الليطاني، وتطبيق القرار الأممي رقم 1701 والذي يقضي بإيجاد منطقة خالية من المسلحين والمعدات الحربية ما بين الخط الأزرق الفاصل بين لبنان والكيان الصهيوني ونهر الليطاني جنوبي لبنان، والذي يستثني القوة التابعة للجيش اللبناني وقوة الأمم المتحدة “اليونيفيل”، يهدف القرار الذي تبناه مجلس الأمن في أغسطس عام 2006 إلى إبعاد مقاتلي حزب الله عن الحدود، في أعقاب الحرب التي استمرت 33 يومًا بين حزب الله و جيش الاحتلال، والتي انتهت بهزيمة مدوية للاحتلال.

من المؤكد أن إبعاد حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني سيكون هدفُا للكيان الصهيوني، بعد أحداث السابع من أكتوبر، وكما يقول مسؤولو الاحتلال، فإن ذلك سيتم سواء من خلال الطرق الدبلوماسية أو الحرب.

وإن كان الاحتلال الصهيوني لا يريد حاليا التصعيد في الجبهة الشمالية مدفوع بخبرته السيئة مع مقاتلي حزب الله وبتحذيرات الإدارة الأمريكية بأن الحزب قادر على امتصاص ضربة إسرائيلية له، والدخول في مواجهة مفتوحة، لكن هناك حديث آخر بعد عبور السابع من أكتوبر بالنسبة إلى الحدود بين الكيان الصهيونى ولبنان، مما سيدفع قضية مزارع شبعا المحتلة على الحدود اللبنانية نحو الواجهة بصورة أكبر عما كانت عليه خلال السنوات الماضية.

هذه هي طبيعة التنظيمات الإسلامية التي تقاوم الاحتلال وقوى الإمبريالية، وفي أحيان أخري تخون الجماهير، المعادلة ليست صفرية نقف مع حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله عندما يقاوم الصهيونية، ولكننا على الجانب الآخر منهم عندما يتعلق الأمر بحرية الشعوب، أو مواقف هذه التنظيمات عندما تتذيل مصالح الطبقات الحاكمة في المنطقة.. موقفنا مُركب إذن!