بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السودانيون في مصر: حرب وتواطؤ إقليمي وعالمي

تتصاعد بالتزامن مع توافد الآلاف من السودانيين للمقار القنصلية المصرية في السودان في مدينتي حلفا وبورتسودان لنيل تأشيرة الدخول للأراضي المصرية الدعاوى العنصرية من البعض على منصات التواصل الاجتماعي للمطالبة بإعادة النظر في وجود اللاجئين في مصر. يصل الحد بهذه المطالبات إلى المناداة بإعادة اللاجئين ورفض توطينهم باعتبار وجودهم خطر على البلاد. يأتي ذلك بعد موافقة مجلس الوزراء المصري على مشروع قانون يقضي بإصدار قانون لجوء الأجانب، وبعد العديد من التصريحات الحكومية المتعلقة بأزمة اللاجئين والتي ضخمت من أعداد اللاجئين القاطنين بمصر، وخلطت إحصاءات الوافدين باللاجئين.

تستمر الحكومة المصرية في اتخاذ تدابير قمعية طبقية تجاه المدنيين السودانيين الفارين من الحرب وذلك في خرق للإطار القانوني للاتفاقية الموقعة بين الحكومتين المصرية والسودانية في العام 2004، اتفاقية الحريات الاربعة والتي تنص على إقرار حقوق التنقل والإقامة والعمل للمواطنين من البلدين.

تدعم البرجوازية البيروقراطية المصرية ممثلة في الجيش المصري الجيش السوداني في حرب السودان بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع، فالجيش السوداني يشاركها بالفعل صراعها مع اثيوبيا. هذا بينما تدعم الإمارات بالدرجة الأولى وإسرائيل المليشيا، وهي التي قام الجيش السوداني نفسه بتسليمها بعض المناطق بدون إطلاق رصاصة واحدة تاركا المواطنات والمواطنين تحت طائلة بطشها. تزعم المليشيا أنها ببطشها ضد المواطنين العزل إنما تحارب فلول النظام الاسلامي الذي تمت الإطاحة به عبر ثورة شعبية في العام 2019. هذا وتبارك القوى المدنية السياسية السودانية العميلة مساعي المليشيا في السودان ويقف إلى جانبها للمفارقة بعض رؤوس البرجوازية الليبرالية المصرية ذات المطامع في السودان مثل رجل الأعمال نجيب ساويرس الذي ارتبط اسمه مؤخرا بأنشطة التعدين عن الذهب في افريقيا ويوالي علنا حميدتي قائد المليشيا.

تعاملت الحكومة المصرية مع موجة اللجوء الاولى من حرب السودان أواخر أبريل من العام الماضي في نسق مشابه لما حدث في الاستقبال والتوطين للاجئين الفارين من النزاع المسلح في سوريا، حيث ظلت أبواب المعابر البرية المصرية مواربة في الأسابيع الأولى من الحرب لاستقبال الشرائح العليا والوسطى من السودانيين المقتدرين على تحمل كلفة الفرار من السودان حينها.

سُمح بدخول الرجال السودانيين ذوي الأعمار 16-49 والذي تشترط السلطات المصرية من قبل حرب السودان نيلهم للتأشيرة لدخول الأراضي المصرية، كما سمح بمرور حملة الإقامات في دول الخليج العربي من الرجال القادمين عبر حافلات وصلت كلفة ايجارها لمليارات الجنيهات السودانية -عدة آلاف الدولارات- إذ ينظر إلى هذه الفئات الاجتماعية بأنها لن تشكل عبئا أو مطالبات على الحكومة المصرية ومنظمات المجتمع المدني وغير مستحقة لأي شكل من أشكال الدعم.

شرعت الحكومة المصرية في مايو من نفس العام وبعد أقل من شهر على اندلاع الحرب بالسودان في تشديد الشروط وتضييقها، حيث لم تعد تقبل جوازات السفر الممدّدة أو وثائق السفر المؤقتة لطلبات التأشيرة. وتوقفت الحكومة المصرية عن الاعتراف بالأطفال المدرجين على جوازات سفر الوالدين، وفرضت على النساء السودانيات لأول مرة تأشيرات. ولم تبذل أي محاولة واضحة لزيادة القدرة على تسريع الاستجابة للعدد الكبير من السودانيين المتقدمين لنيل تأشيرة الدخول، الأمر الذي أسفر عن فصل الكثيرين عن أفراد أسرهم الذين تمكنوا من العبور إلى مصر.

يتواجد اليوم في الاراضي المصرية ما يزيد عن 4 ملايين سودانية وسودانية، وصل أكثر من 400.000 منهم الأراضي المصرية عقب اندلاع الحرب، يعمل 37% منهم فقط في وظائف ثابتة حسب منظمة الهجرة الدولية. يرغب عدد أكبر من السودانيين في النجاة من جحيم الحرب والاستقرار والبحث عن فرص العمل والتعليم والعيش الكريم في مصر. هذا وقد توقفت مصر الرسمية كلية عن استقبال اللاجئين السودانيين إلا في حال ابراز هوية طبقية تثبت عدم احتكاكهم المطالبي لاحقا مع السلطات المصرية وربما ضخهم لعملات صعبة في النظام الاقتصادي المصري. لتحقيق هذا الشرط فرضت الحكومة المصرية نيل موافقة امنية لدخول البلاد تكلف في المتوسط 2000-4000 دولار.

تتوقع الحكومة المصرية بحسب قرارات مجلس وزراءها من هؤلاء القادمين الجدد الذين ينوون الإقامة بمصر مساعدة السلطات في جمع العملات الصعبة من السوق الاسود في مصر. ولذلك فرضت دفع الرسوم الحكومية من رسوم الإصدار وحتى غرامات التأخر عن إصدار الإقامة بالدولار في البنوك المصرية.

تلزم الحكومة المصرية الأجانب باستخدام قنواتها الرسمية لتبديل العملات الأجنبية في حين يتسع الفارق بين
سعر الصرف الحكومي وسعر الصرف غير الرسمي حتى بلغ في العام الأخير مستويات قياسية 30.8 جنيه للدولار الأمريكي الواحد في البنك و 51 جنيها خارجه.

تستغرق إجراءات تقنين الأوضاع للسودانيين في مصر قسطا معتبرا من الوقت والجهد والكلفة المادية. على سبيل المثال يبدأ السودانيون بالاصطفاف في فرع الجوازات والهجرة بالعباسية من الثالثة فجر اليوم السابق لنيل فرصة لتعيين موعد لدخولهم للجوازات ومباشرة إجراءاتهم. يتم تعيين موعد في مدة تقارب الشهر ويتم تحصيل غرامة تأخر عن هذا الشهر كذلك فيما تفقد ايصالات الغرامة الدولارية قيمتها بعد اسبوعين من إصدارها. يتداول السودانيون قصصا عن التعسف وسوء المعاملة فيما يخص إجراءات إصدار الإقامات.

في موقع آخر، تطول صفوف مفوضية شؤون اللاجئين في القاهرة الكبرى والجيزة والاسكندرية أكثر بكثير بالمقارنة مع صفوف الإقامات السياحية والدراسية والعقارية. تمنح المفوضية مواعيد للمقابلات في فترات تصل ل9 أشهر. تقدم المفوضية دعما ماديا شهريا للأفراد تحت رعايتها بقيمة 400 جنيه مصري -8دولار- للفرد لكن لا يتم صرفها دوريا أو مباشرة. وإنما عبر منظمات إنسانية وسيطة تمنح المفوضية بطاقات اللاجئين والتي تمنع السلطات من الترحيل القسري للأفراد المسجلين في المفوضية إلى بلدانهم.

لا يعتقد كاتب هذا المقال باقتصار الإدانة على السلطات المصرية في منع السودانيين من نيل الحماية الدولية، بل يدعو لمساءلة مفهوم الحماية الدولية نفسه. السلطات المصرية في واقع الأمر فاعل ووسيط في تدابير القمع المعادية للاجئين والتي يتنصل عبرها الاتحاد الأوروبي وغيره من المنظمات الدولية من دورهم في تخفيف حدة آثار نزاعات هم بالفعل جزء من نشأتها. مول الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال منذ العام 2018 قوات حرس الحدود وقوات الدعم السريع – الفاعل الأبرز في قتل ونهب واغتصاب المدنيين في حرب السودان – بمبلغ 4.5 مليار يورو للتدريب والتسليح وإنشاء مركز استخباراتي في العاصمة الخرطوم للسيطرة والرصد فيما يتعلق بالهجرة غير الشرعية. ساهم الاتحاد الأوروبي واقعا في صناعة الميلشيا الأكثر نفوذا ودموية في تاريخ في السودان بالتزامن مع ثورة شعبية اندلعت في أواخر العام نفسه.

الاتحاد الأوروبي اليوم مانح رئيسي ودائن لمصر، يقدم الدعم المالي لمساعدة اللاجئين وطالبي اللجوء في البلاد، ويعمل كذلك على وقف الهجرة غير النظامية إلى مصر وعبرها، معلنا هدفين متعارضين مع بعضهما البعض يكشفان حقيقة التدخل الامبريالي عبر أذرع مثل المركز الاستخباراتي المعروف بـ”مركز العمليات الإقليمي في الخرطوم”، والذي يسمح للقوات الأمنية في تسع دول بالقرن الأفريقي، عبر برنامج “إدارة أفضل للهجرة” وهو برنامج تعاون بين فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وبريطانيا بالتعاون مع منظمات إغاثة وتحت قيادة الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (جي إيه زد). تعاون مضاد لحركة المجموعات البشرية الرافضة للموت والأبادة وانعدام الماء والغذاء والأمن.

في العام 2023، خصص الاتحاد الأوروبي في العام 5 ملايين يورو كمساعدات إنسانية للتعليم، والاحتياجات الأساسية، والحماية لعامة السكان اللاجئين في مصر، بالإضافة إلى 20 مليون يورو مخصصة للوافدين الجدد من السودان، لتغطية الغذاء، والمياه، والصرف الصحي، ومواد النظافة. أعلنت الولايات المتحدة، وهي جهة مانحة أخرى، أنها ستقدم 6 ملايين دولار إلى مصر لتلبية الاحتياجات الإنسانية المتزايدة الناتجة عن الأزمة المستمرة في السودان. يتزامن ذلك مع تمويل الاتحاد الأوروبي غير محدد القيمة المخصص لمراقبة الحدود، والذي من شأنه مساعدة السلطات المصرية على مواصلة تقييد الدخول من السودان، أو إعادة السودانيين ذوي الوضع غير النظامي، رغم المخاطر المحيطة بالناس في السودان.

يتم الفتك بحق السودانيين في الحياة وطلبها في تواطئ وتنسيق اقليميات. ويتم توزيع القدر المحدود من الموارد المخصصة للحد من آثار حرب السودان بصورة هي الاخرى غير عادلة، لا تمثل الأطر السياسية أو القانونية العالمية أو الاقليمية اليوم. فأي مستقبل للنجاة الإنسانية للسودانيين المتأثرين من حرب السودان واللاجئين السودانيين حول العالم؟ الضرورة الآن لتنظيمات شعبية قاعدية تباشر التضامن الملموس في الوقت الذي اصطفت فيه الحكومات إلى جانب جنرالات السودان المتحاربين فوق رؤوس المدنيين.

أميّز في نهاية الحديث بين مصر الرسمية ومصر الشعبية التي استقبلت الآلاف من السودانيين الفارين من جحيم الحرب، بين شعبي مصر والسودان وشائج نضال لم تنقطع بنهاية التعاون الناصري وتجددت بثورتي الشعبين، بين شعبي مصر والسودان مسألة مشتركة تدوم ما جرى النيل أصلها الجغرافيا ولا يمكن للعسكرة مهما بلغت قوتها إعادة تركيب الجغرافيا.