بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

غزة.. حاصرتها الحكومات ونصرتها الشعوب

في 7 أكتوبر الماضي قامت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” بشن هجوم مباغت على المستوطنات، والمواقع العسكرية التابعة لها والقريبة من قطاع غزة، والتي تسمى غلاف غزة، وهو ما أسفر عن قتل عدد كبير منهم، إضافة إلى أسر المئات من الصهاينة، بينهم جنود، أدخلتهم إلى داخل قطاع غزة.

جاء الهجوم على غلاف غزة ردا على الحصار المفروض على القطاع قرابة العقدين واعتداء الاحتلال والمستوطنين المتكرر في حق أبناء الضفة الغربية والمقدسات الإسلامية في القدس.

في المقابل، رد الكيان الصهيوني بحرب شرسة على القطاع، أحرق فيها الأخضر واليابس، بينما تباينت ردود أفعال دول العالم تجاه ذلك، خاصة أن هذه الحرب تعد الأشد فتكا من الحروب السابقة التي شهدها القطاع المحاصر، لاسيما أن الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية أرسلت مساعدات عسكرية واقتصادية ضخمة إلى الكيان الصهيوني لمساعدته في تدمير مدينة غزة وتهجير وإبادة سكانها.

الامبريالية والصهيونية حلفاء
معاناة الشعب الفلسطيني ليست جديدة، فقد دخلت بريطانيا فلسطين بعدما تلاقت مصالحها الاستعمارية مع الحركة الصهيونية، وأنهت بدخولها 400 عام من الحكم العثماني، عقب معارك حامية دارت بين الطرفين داخل الأراضي الفلسطينية، خلال الحرب العالمية الأولى عام 1917، ليبدأ بعدها تاريخ من الاضطهادات والتشريد
والقمع بحق الفلسطينيين، مع تغيير ديمغرافية الأرض باستقطاب الهجرة اليهودية على مدار الانتداب حتى إعلان إنهائه عام 1948.

ماذا عن ما أسموها “إسرائيل”؟
ما أسماه الصهاينة بـ”دولة إسرائيل” هو التجسيد المادي على أرض الواقع للصهيونية بكل قبحها وتوحشها. في الخامس عشر من مايو عام 1948 أعلن الصهاينة عن تدشين ما أسموه “دولة إسرائيل” على أرض فلسطين. وكان إعلانها بمثابة تتويج لنصف قرن من المناورات والمؤتمرات من جانب القادة الصهاينة وحلفائهم من الدول الاستعمارية الكبرى، كما يعكس الحلف بين الحركة الصهيونية وبين الإمبريالية لقاء المصالح الإستراتيجية بين دول كبرى تبحث عن كلب يحرس مصالحها المتزايدة في الشرق الأوسط، بعد اكتشاف النفط واعتماده كمصدر للطاقة، وبين حركة سياسية رجعية تبحث عن حليف قوي لتحقيق مصالحها.

باعتبار الصهيونية حركة استعمار استيطاني عنصرية، فإن تأسيسها صاحبه تطهير عرقي على نطاق واسع للشعب الفلسطيني المحتل. في عام نشوء الدولة الجديدة (1948) نفذت عصابات الصهيونية مذابح وحشية ضد الشعب الفلسطيني لبث الرعب في أوساطه، وإجباره على الرحيل خارج أرضه، التي عاش فيها وزرعها، وأكل من خيرها على مدى قرون طويلة. أشهر هذه المذابح وأكثرها وحشية مذبحة دير ياسين، التي راح ضحيتها 300 فلسطيني أعزل على يد العصابات المسلحة.
ومنذ نشوء الكيان الصهيوني وحتى يومنا هذا لعبت دور قلعة الرجعية والثورة المضادة في المنطقة العربية. وقد دعمتها الولايات المتحدة بلا أي تحفظ، كما لم تدعم أي نظام رجعي موال لمصالحها أبدًا. الاحتلال يحصل من الولايات المتحدة على أكبر دعم اقتصادي وعسكري، ويحظى بمساندة سياسية وإعلامية قلما حظي بها نظام استعماري في التاريخ. يكفي أن نذكر أن الدولة التي تقطع أطراف الفلسطينيين، والتي تجوعهم وتحاصرهم، والتي قصفت أو غزت أو احتلت كل الدول المجاورة لها وبعض الدول الأخرى كالعراق وتونس؛ هذه الدولة تصور في وسائل الإعلام العالمية كواحة للديمقراطية، في بحر من العنف المعادي الذي لا يجد مبررًا عدا “الهمجية العربية المتأصلة”.

كما دعمت أميركا الاحتلال في مجلس الأمن؛ إذ استخدمت حق النقض الفيتو، المقرر للدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن منذ تأسيسه 88 مرة، كانت 43 مرة في وجه قرارات قدمت ضد الكيان الصهيوني وممارساتها في فلسطين المحتلة.

كما أن الولايات المتحدة تقدم دعماً مالياً وعسكرياً كبيرين للكيان الصهيوني؛ إذ بلغ الدعم المالي، منذ تأسيس هذه الكيان وحتى عام 2023 حوالي 158.6 مليار دولار، يصرف الجزء الأكبر منه للدعم العسكري الذي يضمن له التفوق في المنطقة؛ وقد بلغت المساعدات العسكرية حوالي 124.4 مليار دولار، أي بما نسبتهُ 78% من قيمة المساعدات الأميركية للكيان الصهيوني، كما يتم تزويده بأسلحة متطورة لا تُمنح لغيره من دول المنطقة، إضافة إلى أن هناك دعم اقتصادي بلغ 34.2 مليار دولار، على مدار تاريخ العلاقات الأميركية-الصهيونية.

منذ إعلان قيام حماس بتنفيذ عملياتها في السابع من أكتوبر، بدأ الدعم الأميركي للاحتلال والضوء الأخضر لعملياتها بشكل غير محدود، إذ تم تخصيص 14.3 مليار دولار للدعم العسكري له، وتم تحريك مجموعتين من حاملات الطائرات المُزوّدة بـ150 طائرة حربية، إضافة إلى تحريك غواصة نووية، وتقديم دعم سياسي كبير؛ وصل حد إعلان وزير الخارجية الأميركي عن أنه يتحدث مع الصهاينة كـ”يهودي” وليس كـ”وزير خارجية”، كما وصل الرئيس الأميركي جو بايدن إلى هناك، وأعلن أنه صهيوني أيضاً.

وتوالت زيارات ساسة الدول الغربية الكبرى للكيان الصهيوني؛ إذ وصل الرئيس الفرنسي ماكرون، وأعلن عن استعداده لتشكيل تحالف دولي ضد حماس كالتحالف الذي قاتل داعش، كما وصل رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك، وأعلن تأييده للصهاينة في أحلك أوقاتهم، على حد وصفه.

كما أن الأنظمة العربية والإسلامية، رغم الدمار والخراب الذي يشهده القطاع المحاصر، وسياسة التجويع والتعطيش الممنهجة من قبل الكيان الإرهابي لم تستطع الوقوف في وجه الكيان الصهيوني وداعميه، مما جعل شعوب هذه الدول تطرح عدة تساؤلات عن جدارة موقف أنظمتها من القضية الفلسطينية، التي دائما تعتبرها أمام وسائل الإعلام أنها في صلب اهتماماتها وفي قلب سياستها.

تضامن الشعوب
لكن رغم كل هذه المواقف والتصريحات الأوروبية الغربية الرسمية الداعمة لكيان الاحتلال، أبرز مشهد المظاهرات الحاشدة التي خرجت في العديد من العواصم الأوروبية، ومنها لندن وبرلين وباريس دعماً للشعب الفلسطيني وتنديداً بجرائم الاحتلال على غزة الموقف الحقيقي لإرادة الشعوب التي قالت كلمتها بوقوفها إلى جانب الحق، وهو حق الفلسطينيين في أرضهم ودولتهم وعاصمتها القدس.

منذ بداية الحرب على غزة، استهدفت الغارات الجوية النساء والأطفال، انتقاما من عملية “طوفان الأقصى”، التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال ونظام الفصل العنصري الإسرائيلي، انتفضت المظاهرات لتعمّ جميع أرجاء العالم، تعبيرا عن التضامن مع الشعب الفلسطيني، ففي العاصمة النيوزلندية “ويلينغتون” خرجت المظاهرات بالآلاف إلى مبنى البرلمان تهتف “فلسطين حرة” حاملة أعلام فلسطين، وفي النرويج رقد المتظاهرون في محطة القطارات المركزية بالعاصمة، مُرتدين أكفانا مُلطخة بالدماء، تنديدا بالاحتلال. أما في أيرلندا فلم يتوقف نشاط الناس في التعبير عن تضامنهم الكامل مع القضية الفلسطينية منذ الأيام الأولى للحرب، بل امتد التضامن هناك لملاعب كرة القدم، إذ أنشدت الجماهير في المدرجات هتافات التضامن مع غزة وفلسطين، وتبرعت الأندية الرياضية لصالح أهالي غزة.
وفي اليابان، رغم صمت الحكومة عما يحدث في غزة خوفا على مصالحها الاقتصادية مع دولة الاحتلال، خرجت المظاهرات في طوكيو بالآلاف للتنديد بسلوكيات دولة الاحتلال، بينما شهدت شوارع لندن مظاهرات غير مسبوقة للتضامن مع فلسطين شارك فيها مئات الآلاف وفق تقديرات الشرطة نفسها، رغم التهديدات والاعتقالات التي شهدتها صفوف المناصرين لفلسطين.

وكذلك في النمسا، لم يمنع تساقط الثلوج والحظر، الذي فرضته السلطات على المظاهرات المناصرة للقضية من تجمُّع المتظاهرين، الذين هتفوا من أجل الوقف الفوري لإطلاق النار.

دعوة عالمية للإضراب من أجل غزة
وفي اليوم العالمي “لحقوق الإنسان” في 10 ديسمبر، عمّ إضراب شامل في الضفة الغربية جميع مناحي الحياة التجارية والتعليمية والمواصلات العامة، في ظل تصعيد الاحتلال اقتحامه للمدن والقرى والبلدات الفلسطينية في الضفة المحتلة.

وجاء الإضراب استجابة لدعوة القوى الوطنية والإسلامية تنديدا بالحرب الصهيونية على قطاع غزة والدور الأميركي في هذه الحرب. وأعلنت نقابات واتحادات وبنوك وفصائل فلسطينية وشركات، في بيانات منفصلة عن انضمامها للإضراب العام في الضفة الغربية. وشلت حركة المواصلات في كل محافظات الضفة الغربية، وأغلقت المؤسسات والبنوك والمدارس والوزارات والمحال التجارية، كما علقت جلسة التداول في البورصة المحلية.

يأتي ذلك، تلبية لدعوات واسعة النطاق، أطلقها نشطاء من مختلف أنحاء العالم تحت إسم “إضراب من أجل غزة”، للتضامن مع القطاع، والضغط على الحكومات من أجل التحرك لوقف العدوان الصهيوني المستمر منذ شهور.

ودعت القوى والفصائل الفلسطينية، في بيان سابق إلى الخروج للشوارع وساحات المدن والقرى والمخيمات، للتعبير عن وحدة الدم والمصير وانتصارا للأبرياء العزل، وتوجيه رسالة للعالم أن الشعب الفلسطيني سيقف بقوة ضد محاولات الاقتلاع والتهجير، وأن النضال المشروع سيتواصل حتى تحقيق الحرية والاستقلال”.
وأضافت أن شعوب الأرض قاطبة ستتوحد في مواجهة الظلم والقتل والعنصرية، التي تمارسها دولة الاحتلال، وستنتصر لدماء الأطفال والنساء والشيوخ ضحايا إرهاب الدولة المنظم وجرائم الحرب الاحتلالية.

والتزم لبنان بدعوات الإضراب الشامل العالمية دعما لقطاع غزة، وقد توقفت الحركة بشكل كامل في شوارع العاصمة بيروت ومدن لبنانية أخرى، تضامنا مع غزة والشعب الفلسطيني، والقرى الجنوبية اللبنانية.

وأقفلت المدارس الرسمية والخاصة والمصارف والإدارات العامة وعدد من الإدارات الخاصة، التزاما بقرار الحكومة الداعي للإضراب الشامل.

وشهدت الدعوة للإضراب تفاعلا واسعا لدى العديد من القطاعات الخاصة بالأردن، وهناك استجابة واضحة مع الإضراب في العاصمة عمّان وعدد من المحافظات الأخرى ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين، حيث أغلقت أعداد كبيرة من المحال التجارية أبوابها، وعلقت لافتات تشير إلى إضرابها من أجل قطاع غزة، كما أعلن عدد كبير من الشركات الخاصة مشاركتهم في الإضراب وعدم دوام موظفيهم. وأظهر التراجع الملحوظ في حركة السير وأعداد الطلبة المتوجهين إلى المدارس والجامعات، مستوى التجاوب مع الإضراب، في حين تصدر وسم “الإضراب الشامل” قائمة الوسوم الأكثر تداولا على منصة إكس بالأردن.

كما عمَّت الاحتجاجات أوروبا، إذ خرجت المظاهرات في بلجيكا بالأعلام الفلسطينية، داعية إلى وقف الحرب الانتقامية لجيش الاحتلال، رافعين شعار “أوقفوا الإبادة الجماعية في غزة”، و”القدس عاصمة فلسطين”، بينما في ألمانيا كانت الهتافات أكثر انتقادا للحكومة، بسبب دورها في الحرب، حيث صدحت قائلة: “ألمانيا تُموِّل وإسرائيل تقصف”، ولوَّح بعض سكان برلين للمظاهرة بالكوفيات والأعلام الفلسطينية.

وفي اليوم نفسه سارت مظاهرة في العاصمة السويدية ستوكهولم في اتجاه السفارة الإسرائيلية، مطالبة بالوقف الفوري لإطلاق النار والسماح بإدخال المساعدات لأهالي غزة دون شروط، بل دعت المظاهرة صراحة لمقاطعة إسرائيل.

أما في هولندا في ذلك اليوم فقد كانت الهتافات أكثر جرأة “من النهر إلى البحر، فلسطين ستتحرر”، والسبب هو الحكم القضائي الذي يقضي بأن هذا الهتاف ليس عنصريا أو معاديا للسامية، وهاجمت الهتافات الحكومة الهولندية مباشرة قائلة إن يديْها ملطخة بالدماء.

من جهة أخرى، ومنذ الأيام الأولى للحرب، كتب 800 موظف في الاتحاد الأوروبي عريضة لرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين يحتجون فيها على تحيز الاتحاد للاحتلال، مؤكدين أن طلبهم هو أن يسعى الاتحاد الى وقف المذبحة ضد الفلسطينيين، وأن تلك الحرب لم تشهد تفعيلا لأي قيمة من القيم التي بُني عليها الاتحاد الأوروبي.

وجدير بالذكر أن التضامن العالمي تجلَّى حتى في قطاع الأزياء، إذ ارتفعت مبيعات “الكوفية” الفلسطينية على نحو كبير في الولايات المتحدة، منذ بداية أكتوبر وحتى الآن، رغم ما يتعرض له مُرتَدوها من اعتداءات لفظية وجسدية في بعض الأحيان.

لم تكن الطبقة العاملة بمنأى عن التضامن مع غزة حيث تحرك العمال في عدة دول غربية لمنع وصول العتاد العسكري الغربي لدولة الاحتلال بشكل مباشر بأجسادهم أحيانا، فنفذ عمال المطارات ببلجيكا أول مواقف الحرب على المساعدات العسكرية إلى إسرائيل، حيث حذرت 6 اتحادات عمالية أعضائها من التعامل مع أي شحنات عسكرية متجهة إلى إسرائيل، وفقا لـ”رويترز”، ونشر البيان باللغتين البلجيكية والفرنسية، وتضمنت قائمة المقاطعين للتعاون مع إيصال المساعدات العسكرية 3 من أكبر الاتحادات العمالية البلجيكية.

أيضا في مظاهرات القوارب في أمريكا حاول 100 ناشط، إعاقة سفينة كيب أورلاندو المحملة بالعتاد العسكري من الخروج إلى ميناء أوكلاند الأمريكي؛ لتوصيل مساعدات عسكرية للاحتلال واقتحم المتظاهرون الميناء ونزلوا بقوارب صغيرة لمنع السفينة من التحرك مما أدى لاعتقال 3 متظاهرين عقب تدخل الشرطة الأمريكية.
وأحدث المواقف الرافضة للتعاون مع إرسال المساعدات العسكرية إلى جيش الاحتلال هو إعلان اتحاد عمال موانئ برشلونة الإسبانية، عدم تعاونهم أو مشاركتهم في إنزال أو تحميل أسلحة موجهة إلى إسرائيل، وفقا لصحيفة “الدياريو” الإسبانية.

يذكر أن حروب الموانئ ليست بالجديدة على المساعدات العسكرية لجيش الاحتلال، إذ شهدت حرب “سيف القدس” عام 2021 منع نقابة عمال جنوب إفريقيا ساتاو، سفينة صهيونية من إنزال حمولتها في ميناء ديرباند؛ تضامنا من النقابة مع ضحايا الغارات الإسرائيلية في قطاع غزة.

وبالطبع يظل موقف جماعة أنصار الله الحوثي اليمنية هو الموقف الأكثر حدة وشجاعة، حيث أعلنوا منع كل السفن المتجهة إلى موانئ الاحتلال، متحدين الرأسمالية العالمية بأكملها عن طريق تعطيل أحد أهم طرق التجارة العالمية (مضيق باب المندب)، وفورا اعتبرت أمريكا والغرب أن الحوثيين جماعات إرهابية، وبدأت تحالفا دوليا لمحاربتهم، وشنت حتى الآن عشرات الغارات الجوية على مدن ومحافظات اليمن.

الثمن الباهظ للتضامن
إن التضامن مع القضية الفلسطينية ليس محمود العواقب في الدول الغربية، وخاصة في هذه المرة التي تبدو فيها الحكومات الغربية متحدة لحماية الكيان الصهيوني، فقد شهد العديد من المتضامنين مع القضية الفلسطينية في الدول الغربية أزمات عدة في الفترة الماضية منذ أكتوبر 2023 وحتى الآن.

في ألمانيا اعتدت قوات الشرطة على ناشطين عرب وألمان مناصرين للقضية، بسبب هتافاتهم لحرية فلسطين، وحظرت البلاد شبكة “صامدون” المتضامنة مع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، هذا فضلا عن شكاوى النشطاء الفلسطينيين من انتهاكات حكومة “أولاف شولتز”، التي وصلت إلى حد ابتزازهم بأوراق إقامتهم، بالإضافة إلى وقف الوسائل الإعلامية التعامل مع الصحفيين المتضامنين مع القضية الفلسطينية، مثلما حدث مع “مالكولم أوهانوي”، الذي أوقفت الإذاعة البافارية التعامل معه، بسبب تغريدة له على مواقع التواصل الاجتماعي قال فيها في بداية الأحداث: “حين تُقطع ألسنة الفلسطينيين بشكل مُمنهج، كيف يمكنهم الاعتماد على الكلمات للدفاع عن أنفسهم؟”.

وفي الولايات المتحدة، وصل عدد المستهدفين، بسبب التضامن مع فلسطين إلى 260 حالة، بحسب منظمة “فلسطين القانونية”، وشملت تلك الحالات الطرد من الوظائف وإلغاء عقود العمل، بسبب منشورات مدافعة عن فلسطين على وسائل التواصل الاجتماعي، علاوة على تصريح مجموعة من المسئولين التنفيذيين في “وول ستريت” بأنهم لن يوظفوا أي طالب وقَّع على بيانات داعمة لفلسطين. وربما من آخر تلك الأمثلة للتضييق على المتضامنين مع فلسطين ما حدث مع رئيسة جامعة بنسلفانيا الأميركية “ليز ماغيل”، التي أُجبرت على الاستقالة بعد شهادتها في جلسة الاستماع بالكونغرس، حيث دافعت عن حرية التعبير المكفولة للطلاب، كي يتضامنوا مع القضية الفلسطينية أمام الاتهامات بتزايد “معاداة السامية” في الحرم الجامعي. وبعد شهادة ليز هدَّد المانحونالجامعة بسحب تبرعاتهم من أجل إقصائها.
إن عواقب التضامن مع فلسطين وخيمة، كما نرى في الدول الغربية، وبالأخص على الأشخاص المؤثرين في مواقع عمل معينة، ومع ذلك لم تتوقف حملة الدعم الشعبي، بل ازدهرت في الأسابيع الأخيرة، إذ إن الحرب ساهمت بشكل كبير في تعميق المعرفة العالمية بالقضية الفلسطينية وقضية الاستيطان، رغم محاولات الإعلام الغربي لسنوات طويلة إظهارها على أنها قضية جدلية معقدة يصعب اتخاذ موقف حاسم وصريح فيها.

التضامن ممنوع على المصريين
وفي مصر، وعلى خلفية التظاهرات الداعمة لفلسطين، والتي أرادها النظام تحت توجيهه ولمنحه تفويضًا جديدًا، ألقى النظام المصري القبض على العشرات من الشباب منذ شهر أكتوبر الماضي، وغالبيتهم من الطلبة المحتجزين في زنازين انفرادي ويتم حرمانهم من دخول الامتحانات، لمجرد تعبيرهم عن التضامن مع فلسطين، وهكذا يواصل النظام تواطئه مع حرب الإبادة الصهيونية ليس فقط برفض فتح معبر رفح ورفض طرد السفير الاسرائيلي أو وقف التطبيع، لكن بمنع مظاهرات التضامن الشعبية مع غزة.

لكن الشعب المصري مازال مصرا على التضامن مع الشعب الفلسطيني، عبر تبني المقاطعة، وهو ما يجب أن يمتد الى المطالبة بالإفراج عن المعتقلين والكتابة عنهم على وسائل التواصل الاجتماعي والهتاف لهم في أي فاعليات احتجاجية، كما فعل المتضامنون مع فلسطين مؤخرا أمام نقابة الصحفيين، عندما تعالت الهتافات “هاتوا اخوتنا المعتقلين”.