بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

دحض الأساطير حول الكيان الصهيوني

على مدى 128 سنة قامت الحركة الصهيونية، ولاحقًا الدولة الإسرائيلية، ببناء شبكة مُعقَّدة من المغالطات التي تحيط بقيام إسرائيل والصراع المستمر، والتي قصدت تبرير التطهير العرقي لإسرائيل وقمع الشعب الفلسطيني أيضًا.

هذه الشبكة من المغالطات التاريخية والراهنة، التي يرددها الإعلام الرأسمالي والحكومات الغربية الساعية إلى توسيع نفوذها الإمبريالي في الشرق الأوسط، لا تهدف فقط إلى تشويه أصول الصراع، بل تعمل أيضًا على ضمان استحالة التوصل إلى حل عادل.

فقط بدحض هذه الأساطير، وفصل الحقيقة التاريخية عن الخيال الصهيوني، يمكننا فهم أصل وأسباب الصراع.

الأسطورة #1: الصراع ديني
غالبًا ما تصوِّر الأساطير الصهيونية الصراع بين إسرائيل وفلسطين على أنه نزاع ديني قديم ممتد لقرون بين اليهود والعرب الفلسطينيين، وهذا خيال تاريخي. الواقع، أنه صراع استعماري استيطاني، ظهر فقط في أوائل القرن العشرين. فالصهيونية، الأساس الأيديولوجي الذي قامت عليه الدولة الإسرائيلية، ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر كرد فعل على معاداة السامية في أوروبا.

وكرد فعل على الاضطهاد الذي واجهه اليهود في الإمبراطوريتين النمساوية المجرية والروسية، بدأ قسم صغير من الطبقة البورجوازية اليهودية في أوروبا باعتناق فكرة أن معاداة السامية لم تكن نتيجة للتطورات التاريخية، بل ظاهرة حتمية مادام اليهود يعيشون بين غير اليهود. لذلك، بدأ الصهاينة حملةً لإقامة وطن “قومي”، برغم حقيقة أنهم لم يشكِّلوا أمةً في واقع الأمر، بل فئةً دينية وثقافية.

أدرك تيودور هرتزل، الأب المؤسس للحركة الصهيونية، أن العالم كان قد قُسِّم فعليًا بين القوى الاستعمارية المتنافسة وأنه ربما لن يكون من الممكن قيام “وطن قومي” يهودي في فلسطين. وفي كتابه السياسي “الدولة اليهودية”، الصادر عام 1896، تساءل هرتزل: “هل نختار فلسطين أم الأرجنتين؟” وأشار إلى أن الحركة الصهيونية ستأخذ “ما يُعطى لنا، وما يختاره الرأي العام اليهودي”.

بحث هرتزل أيضًا عن إمكانية إقامة وطن قومي محتمل لليهود في أماكن أخرى مثل أنجولا وكينيا وشمال إفريقيا. حتى أنه سعى إلى مساعدة سيسيل رودس، أحد أشهر المستعمرين والرأسماليين البريطانيين في ذلك الوقت. وفي رسالة كتبها عام 1902، دعا هرتزل رودس إلى “المساعدة في صنع التاريخ”، مشيرًا إلى أن المشروع الصهيوني “لا يتعلق بإفريقيا، بل بقطعة من آسيا الصغرى: ليس الإنجليز بل اليهود. إذًا لماذا أتوجه إليك؟ في الواقع، لأنه مشروع استعماري”.

قبل سنة من وفاته في 1904، قَبل هرتزل بحماس عرضًا بريطانيًا لإقامة دولة يهودية في أوغندا. غير أن المؤتمر الصهيوني، في 1905، قد رفض هذه الخطة لمصلحة إقامة دولة يهودية في فلسطين.

الأسطورة #2: إسرائيل ليست دولة استيطانية استعمارية
المجتمعات الاستيطانية الاستعمارية هي نمط من أنماط الإمبريالية، التي تقوم على أساس الإبادة العنصرية للسكان الأصليين بوسائل مختلفة، بما في ذلك التطهير العرقي والإبادة الجماعية و/أو الاستيعاب.

وعلى عكس أنماط الاستعمار الأخرى التي تركِّز على استغلال الموارد، يهتم الاستعمار الاستيطاني بشكل أساسي بالسيطرة على الأراضي وإبادة السكان الأصليين بهدف استبدالهم وإحلال سكان مستوطنين محلهم. وكما يلاحظ الأكاديمي الأسترالي الراحل والمنظر البارز في نظرية الاستيطان الاستعماري، باتريك وولف، فإن “الاستعمار الاستيطاني يدمِّر من أجل أن يستبدل”.

سعت الحركة الصهيونية، قبل وأثناء وبعد تأسيس إسرائيل، إلى السيطرة على أكبر قدر ممكن من فلسطين التاريخية، وغرس سكان مستوطنين دائمين عبر إبادة السكان العرب الفلسطينيين الأصليين واستبدالهم.

قبل تسعينيات القرن التاسع عشر، شكَّل اليهود أقل من 4% من سكان فلسطين. وكان الباقون من المسلمين والمسيحيين الناطقين بالعربية. حاولت الحركة الصهيونية في البداية شراء الأراضي من ملاك الأراضي الفلسطينيين والعرب، طارِدةً مستأجري الأراضي الفلسطينيين والعائلات التي عملت في هذه الأرض لقرون. لكن سرعان ما اتَّضح أن الأغلبية الفلسطينية لا يرغبون ببيع أراضيها لسكان مهاجرين من أوروبا.

وعندما قرَّرت الأمم المتحدة عام 1947 تقسيم فلسطين ضد إرادة العرب الفلسطينيين الأصليين، مُقتَرِحةً تسليم 54% من الأراضي للصهاينة، كان اليهود لا يزالون يشكِّلون 33% فقط من السكان، بينما كان العرب الفلسطينيون 67% من إجمالي مليون و845 ألف نسمة. وبعد أقل من سنة، أي بحلول نهاية 1948، قُلِبت الطاولة الديموغرافية، وأصبح المستوطنون اليهود هم الأغلبية.

ذلك لأنه في الأشهر التي سبقت الخطة المقترحة للتقسيم، بين ديسمبر 1947 وأبريل 1948، نفَّذت الميليشيات الصهيونية هجمات إستراتيجية على المدن والقرى الفلسطينية، ما أدَّى إلى ترويع وقتل الآلاف من المدنيين الفلسطينيين. وفي نهاية المطاف، أجبَرت الميليشيات الصهيونية مليون عربي على الخروج قسرًا من 418 مدينة وبلدة فلسطينية من أصل 476، فلجأ 750 ألف إلى الدول المجاورة، في حين أصبح 150 ألف لاجئ نازحًا داخليًا في الدولة الصهيونية التي أُنشِئَت حديثًا.
ودمَّرت إسرائيل 285 قرية وبلدة فلسطينية بالكامل، من أصل 418 طُهِّرَت عرقيًا، وسيطرت على 78% من فلسطين التاريخية.

بغض النظر عمَّا إذا حاول المستوطنون الصهاينة شراء الأراضي أو أخذِها بالقوة كما فعلوا سنة 1948، فإن الآليات الاستعمارية الاستيطانية للحركة الصهيونية والدولة الإسرائيلية تظل كما هي. ففي الحالتين، سعت الحركة الصهيونية لاستعمار أراضي بصورة دائمة عن طريق استبدال السكَّان الأصليين.

لا تزال إسرائيل دولة استعمارية توسُّعية حتى اليوم. في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية، تواصل إسرائيل سرقة الأراضي الفلسطينية وتطهير الفلسطينيين عرقيًا بهدف بناء مستعمرات غير قانونية لليهود، وتسعى داخل إسرائيل إلى التطهير العرقي لعدد يتراوح بين 70 ألف و100 ألف من المواطنين البدو الفلسطينيين من أراضيهم في النقب، لإفساح المجال لإنشاء مستوطنات وبلدات يهودية.

في 2012، كتبت راكيل رولنيك، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحق في السكن تقرير يدين إسرائيل، قائلةً: “من الجليل والنقب إلى القدس الشرقية والضفة الغربية، تروِّج السلطات الإسرائيلية لنموذج تنمية إقليمي يستثني ويميِّز ضد الأقليات ويزيلها؛ ما يؤثِّر بشكل خاص على المجتمعات الفلسطينية، وذلك جنبًا إلى جنب مع التطوير المتسارع للمستوطنات ذات الأغلبية اليهودية”.

وبعد عشر سنوات، لفتت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المُحتلَّة، فرانشيسكا ألبانيزي، في تقريرها الأول إلى أن “انتهاك حق الشعوب في تقرير المصير هو أمر مُتأصِّل في الاستعمار الاستيطاني”.

الأسطورة #3: إسرائيل هي داود الشجاع الذي يقاتل جالوت العربي
لطالما رسمت الأساطير الصهيونية إسرائيل على أنها مُحاصَرة في معركة بقاء كمعركة داود ضد جالوت، حيث تسعى الدول العربية العدوانية لتدميرها في كل منعطف. وحتى اليوم، يُصوَّر تأسيس الدولة الصهيونية سنة 1948 وحرب 1967 التي سيطرت فيها إسرائيل على الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية بهذه الطريقة.

لم تُواجَه هذه الرواية منهجيًا حتى ظهور المؤرخين الإسرائيليين “الجدد” في الثمانينيات. كشف علماء مثل أفي شلايم أن “الولادة المعجزة” للدولة الإسرائيلية في وجه جحافل العرب المُغِيرة التي “تمتَّعت بتفوُّق عددي ساحق” هي أسطورة.

وفقًا لشلايم، في منتصف مايو 1948، “كان العدد الإجمالي للقوات العربية المنتظمة وغير المنتظمة العاملة في المسرح الفلسطيني أقل من 25 ألف، في حين كانت القوات الإسرائيلية تضم أكثر من 35 ألف جندي”. وبحلول منتصف يوليو، بلغ عدد القوات الإسرائيلية 65 ألف، وازداد إلى 96 ألف بحلول ديسمبر 1948. وإضافةً إلى ذلك، كانت القوات الصهيونية أفضل تدريبًا وانضباطًا من القوات العربية. ويُشير شلايم إلى أن “هذا هو السبب وراء أن النتيجة النهائية للحرب لم تكن معجزة، بل انعكاسًا دقيقًا للتوازن العسكري الكامن في المسرح الفلسطيني”.

تصَوِّر الأساطير الصهيونية إسرائيل أيضًا على أنها واجهت خطر الزوال الوشيك على يد المعتدين العرب في 1967. وحسب ما قاله وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك، أبا إيبان، في خطابٍ له أمام الأمم المتحدة في 19 يونيو 1967 مُبرِّرًا استيلاء إسرائيل على الأراضي الفلسطينية والمصرية والسورية، كانت الدولة الصهيونية تواجه خيارًا واضحًا “بين الحياة أو الفناء، وبين الدفاع عن الوجود الوطني أو التخلي عنه للأبد”. ومع ذلك، فإن حرب الأيام الستة التي بدأتها إسرائيل في 5 يونيو ضد مصر وسوريا والأردن لم تكن حرب دفاع عن النفس بل كانت حرب توسُّعية، مكَّنت إسرائيل من الاستيلاء على ما تبقى من فلسطين التاريخية واحتلالها.

ويشير المؤرِّخ الإسرائيلي إيلان بابيه في كتابه “الأساطير العشرة لإسرائيل” إلى أن أقسامًا من النخب العسكرية والسياسية الإسرائيلية كانت تسعى منذ 1948 لإيجاد فرصة للاستيلاء على ما تبقَّى من فلسطين لإقامة “إسرائيل الكبرى”. ووفقًا لبابيه، قدمت حرب 1967 “أفضل فرصة” للقيام بذلك.

قبل بدء الحرب، كانت إسرائيل والولايات المتحدة على علم بأن الرئيس المصري جمال عبد الناصر لم يكن يسعى للحرب. وفي الوقت الذي تحرَّكت فيه القوات المصرية، أبلغ اسحاق رابين، رئيس أركان القوات الإسرائيلية، حكومته بأن القوات المصرية قد نُشِرَت في سيناء، لكنها لم تكن في وضع هجومي وأن “عبد الناصر لم يرد الحرب”. لاحقًا، اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجن، الذي شغل منصب وزير في حكومة “الوحدة” خلال حرب الأيام الستة، بأن إسرائيل كانت هي المُعتدي، قائلًا “يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا. قرَّرنا مهاجمته”.

اعترف عيزر فايتسمان، الرئيس الإسرائيلي ووزير الدفاع السابق، الذي شغل منصب رئيس العمليات العسكرية الإسرائيلية في 1967 وأدّى دورًا حاسمًا في شن حرب يونيو، أيضًا بأن إسرائيل لم تواجه تهديدًا بالزوال وأن التفوُّق العسكري الإسرائيلي كان يضمن بأنه إذا هاجمت مصر أولًا كانت لتعاني من “هزيمة كاملة” في غضون ثلاث عشرة ساعة.

وفي 1972، دحض الجنرال ماتيتياهو بيليد، الذي قاد جهود إسرائيل الحربية في 1967، دحض أسطورة أن إسرائيل ذهبت إلى الحرب لأنها واجهت دمارًا وشيكًا. وفقًا لبيليد، كان الادعاء “خدعة”، ولم تواجه إسرائيل مثل هذا التهديد. لاحقًا، أدان بيليد أفعال إسرائيل باعتبارها “حملة إقليمية توسعية انتهازية”.

اليوم، تمتلك إسرائيل واحدةً من أقوى القوات العسكرية في العالم. ويعود ذلك أساسًا إلى أنها تتلقَّى مليارات الدولارات من المساعدات الأمريكية. ففي 2016، وقَّعت الولايات المتحدة صفقة مساعدات عسكرية جديدة مع إسرائيل، هي الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة، بقيمة 38 مليار دولار. كانت الصفقة تمثِّل زيادةً بنسبة 27% عن صفقة المساعدة العسكرية السابقة التي وُقِّعَت في 2007.

في سعي الإمبريالية الأمريكية إلى السيطرة على احتياطيات الهائلة من النفط والغاز الطبيعي في الشرق الأوسط، أصبحت إسرائيل الحليف الرئيسي للإمبريالية الأمريكية، حيث تقوم العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل على مصلحة سياسية مشتركة: معارضة أي صورة من صور الراديكالية العربية التي قد تهدِّد سيطرة الولايات المتحدة أو إسرائيل على المنطقة.

الأسطورة #4: إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط
غالبًا ما يُروَّج لإسرائيل بأنها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”. لكن إسرائيل أبعد ما تكون عن كونها ديمقراطية لجميع مواطنيها. إسرائيل هي دولة إثنوقراطية لا تمنح جميع مواطنيها نفس الحقوق. كانت واحدة من أولى القوانين التي أقرَّتها إسرائيل في 1949 هو قانون “ممتلكات الغائبين” الذي سمح بمصادرة الأراضي والممتلكات التي تعود ملكيتها لأكثر من مليون فلسطيني أُجِبروا على الفرار من وطنهم على يد الميليشيات الصهيونية في 1948.

بين عاميّ 1949 و1966، كان على المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل العيش تحت الأحكام العرفية. وعلى عكس المواطنين اليهود في الدولة الصهيونية، كان المواطنون الفلسطينيون يخضعون بانتظام لحظر التجوَُل والقمع السياسي، وكان الحكام العسكريون الإسرائيليون يحكمون حياة الفلسطينيين دون رادع. ورغم كونهم مواطنين إسرائيليين، لم يكن بإمكان الفلسطينيين مغادرة أو دخول بلداتهم دون تصاريح وفُرِضَت قيودٌ على تعليمهم وتوظيفهم، وحُظِرَت عليهم المنظمات والأنشطة السياسية.

كتب الروائي الفلسطيني عودة بشارات في صحيفة هآرتس الإسرائيلية بتاريخ 16 يونيو 2013، ساردًا تجربة عائلته تحت النظام العسكري الإسرائيلي بين عاميّ 1949 و1966. لاحظ بشارات أنه بالإضافة إلى الكفاح اليومي للحصول على تصاريح الخروج للعمل في “المدن اليهودية ” كانت الشاباك (الشرطة السرية الإسرائيلية) وشبكتها من المتعاونين/المخبرين حاضرةً في حياة جميع الفلسطينيين، ما أدى إلى “توغُّل الإدارة العسكرية في منازلنا وبين ثنايا أسرّة نومنا وبين الأب والابن والزوج والزوجة، حتى أصبح كل شيء مريبًا”.

وفقًا للباحثة سارة أوزاكي لازار، فإن الحكم العسكري الإسرائيلي “اخترق جميع مجالات الحياة المدنية وأصبح أداة الدولة للسيطرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية على الأقلية العربية”.

ورغم انتهاء الأحكام العرفية رسميًا في 1966، لا يزال المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل محرومين من الحقوق الديمقراطية والمدنية نفسها التي يتمتَّع بها المواطنون اليهود. ووفقًا لمنظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية “عدالة – المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل”، فقد سُنَّ أكثر من 65 قانونًا تمييزيًا ضد الفلسطينيين الذين يشكلون 20% من سكان إسرائيل منذ 1948.

على سبيل المثال، في عاميّ 2015 و2016، سنَّت إسرائيل سبع قوانين جديدة تميِّز ضد المواطنين الفلسطينيين والفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال الصهيوني في القدس الشرقية والضفة الغربية وغزة. ويوضِّح مركز عدالة أن هذه القوانين الجديدة “تقوِّض الحماية القانونية والحقوق والحريات الأساسية، بما في ذلك الحق في التصويت والانتخاب والتعبير السياسي والضمانات الإجرائية الأساسية للمحتجزين والملكية”.

ومن بين هذه القوانين، قانون يسمح للأغلبية اليهودية في الكنيست (البرلمان) بطرد أعضاء عرب منتخبين وقوائمهم السياسية بناءً على اعتبارات سياسية أو أيديولوجية بحتة. ووفقًا لعدالة، فقد سُنَّ القانون “لنزع الشرعية عن الممثلين السياسيين المنتخبين للأقلية الفلسطينية في إسرائيل”، وذلك بعد سلسلة من القوانين الأخرى التي قُدِّمَت بهدف إسكات الجماهير العربية الفلسطينية، مثل “قانون نسبة الحسم الانتخابي”، و”قانون النكبة”، و”قانون المقاطعة”.

وفي 2018، عزَّز الكنيست سياسة الفصل العنصري، التي دامت عقودًا من الزمن، عندما أقرَّ قانون “الدولة القومية اليهودية”. وبموجب هذا القانون، فإن حق تقرير المصير في إسرائيل “ينفرد به الشعب اليهودي”، وجعل القانون من “الاستيطان اليهودي” قيمة وطنية. بعد إقرار القانون، أوضح أحد مُقدِّميه، آفي ديختر، وهو عنصري مناهض للعرب ومدير سابق للشاباك، غرضه قائلًا: “نحن نسن هذا القانون المهم اليوم لمنع حتى أدنى فكرة، ناهيك عن أي محاولة، لتحويل إسرائيل إلى دولة لجميع مواطنيها”.

أُسطورة #5: إسرائيل ليست فصل عنصري
تفرض إسرائيل نظامًا للحقوق والامتيازات على أساس الهوية العرقية والدينية، وهو ما ينطبق على تعريف الفصل العنصري المنصوص عليه في الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها، الصادرة سنة 1973.

وبحسب الاتفاقية، فإن الفصل العنصري يتمثَّل في حرمان أفراد فئة عرقية من حق الحياة وتعرُّضهم للاعتقال التعسفي والاحتجاز غير القانوني والأذى الجسدي أو النفسي البالغ (مثل التعذيب أو العقوبة المهينة) واستغلال الفئات العرقية بالعمل القسري وفرض ظروف معيشية تهدف إلى تدمير تلك الفئة كليًا أو جزئيًا.

علاوة على ذلك، تحدِّد المادة الثانية من الاتفاقية الفصل العنصري بأنه “إنكار حقوق الإنسان والحريات الأساسية” لفئاتٍ عرقية، وتنفيذ “أي تدابير تشريعية أو تدابير أخرى تهدف إلى منع فئة أو فئات عرقية من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للبلد”، بما في ذلك الحق في الجنسية والتعليم والعمل وحرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات وحرية الإقامة والتنقُّل.

وبينما يخضع المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل لمجموعة من قوانين الفصل العنصري في مجالات متنوِّعة مثل الأرض والتوظيف والنشاط السياسي، فإن أحد أسوأ قوانين الفصل العنصري في إسرائيل هو قانون الجنسية والدخول إلى إسرائيل (الحكم المؤقت)، الذي سُنَّ في 2003. يحظر هذا القانون منح الجنسية أو الوضع القانوني للإقامة للفلسطينيين من الأراضي المحتلة، فضلًا عن العرب من إيران ولبنان وسوريا والعراق، الذين تزوَّجوا من مواطنين إسرائيليين. ووفقًا لمركز عدالة، يؤثِّر هذا القانون بشكل خاص على المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، ويمنع آلاف العائلات من العيش معًا.

يُُفرَض نظام الفصل العنصري الإسرائيلي على المواطنين الفلسطينيين والفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي. فمنذ 1967، يخضع الفلسطينيون الذين يعيشون في الأراضي المحتلَّة للقوانين العسكرية التي تسيطر على كل جانب من جوانب حياتهم اليومية، ويتعرَّض الفلسطينيون بانتظام لطيف واسع من العقوبات والقيود، بما في ذلك تدمير المنازل والمحاصيل والقيود على حرية الحركة.

ويسمح نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في الأراضي المحتلَّة أيضًا باعتقال وتوقيف أعداد كبيرة من المدنيين الفلسطينيين دون تهمة أو محاكمة. ولا يحق للفلسطينيين المعتقلين، ولا محاميهم، معرفة التهم الموجهة إليهم ولا الحق في الوصول إلى “الأدلة” العسكرية المستخدمة ضدهم.

منذ سنة 1967، اعتقلت إسرائيل أكثر من 40% من السكان الذكور في فلسطين، بما في ذلك قاصرين. ووفقًا لمؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، “كان التعذيب الجسدي والنفسي ضد الأسرى الفلسطينيين والعرب عاملًا مُميزًا للاحتلال الإسرائيلي منذ سنة 1967”. وتقدِّر المؤسسة أنه منذ بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى في 1987، تعرَّض ما لا يقل عن 30 ألف فلسطيني للتعذيب على يد إسرائيل.

والآن، اعترفت تقارير ليست من الأمم المتحدة وحسب بل أيضًا من منظمات حقوق الإنسان مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، بطبيعة الفصل العنصري للدولة الإسرائيلية. في تقريرها سنة 2021 الذي يحمل عنوان “تجاوزوا الحد: السلطات الإسرائيلية وجريمتا الفصل العنصري والاضطهاد”، تلفت هيومن رايتس ووتش إلى أن إسرائيل قد اعتمدت سياسات “تميِّز الإسرائيليين اليهود بشكل منهجي وتميِّز ضد الفلسطينيين”. ويشرح مُلخَّص التقرير أن السلطات الإسرائيلية “عمدت بدرجات مختلفة من الشدة إلى نزع ممتلكات الفلسطينيين، وإخضاعهم، وعزلهم، وفصلهم قسرًا بحكم هويتهم”، وكان هذا “الحرمان شديدًا إلى درجة أنه يرقى إلى مستوى الفصل العنصري والاضطهاد، وهما جريمتان ضدّ الإنسانية”.

بالمثل، وجد تقرير العفو الدولية عام 2022، الذي يحمل عنوان “نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) الإسرائيلي ضد الفلسطينيين” أن “جميع السلطات الإدارية المدنية والسلطات العسكرية الإسرائيلية تقريبًا، متورطة في فرض نظام الفصل العنصري ضد الفلسطينيين”.

– المقال بقلم: كيم بوليمور – ناشطة اشتراكية أسترالية من قبيلة موري، شاركت في تنظيم المؤتمر الأسترالي الأول لحملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) عام 2010.
– ترجمة: يونس الغفاري