بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العالم في يوم المرأة العالمي يقف ساكناً والمرأة السودانية تُغتَصَب

من عاملات الغزل والنسيج في نيويورك 8 مارس 1857 اللواتي تظاهرن من أجل المطالبة بأجور أعلى وظروف عمل أفضل في ذلك الوقت، مروراً بالاحتجاجات على مدار سنوات حتى 8 مارس 1908، اليوم الذي شاركت فيه أكثر من 15 ألف امرأة للمطالبة بحق الانتخاب ، إلى نساء السودان في 2024، وكأن نضال النساء ضد الرأسمالية وتطورها لم ينته بعد ومازال مستمرًا.

ورغم أن ظروف العمل تبدو الآن أفضل مما كانت عليه قبل أكثر من قرن ونصف، الا أن جسد المرأة لازال موضعاً لإثبات سيطرة السلطة الذكورية في المجتمع، ضمن ما تكرسه الرأسمالية من تسليع أجساد النساء أو مجرد منحها بعض الحقوق الشكلية. مازالت المرأة هي الطرف الأفقر، وهذا النضال لم يكن منفصلًا بل متصل بكثير من النضالات العالمية ليس فقط بالنسبة لنساء الطبقة العاملة لكن بكل النساء المضطهدات تحت سياسات الرأسمالية.

لكي نحيي ذكرى نضال عاملات الغزل والنسيج في نيويورك يجب أن نحيي أيضا النضال في كافة البلدان وبالأخص بلاد منطقة الشرق الأوسط. ففي السودان هناك أسوء هجمة على أجساد النساء، خلال الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. نداءات من نساء السودان تطلب الإغاثة من حملات الاغتصاب الممنهجة والجماعية من قبل قوات الدعم السريع، مما ترتب عليه أكبر عملية نزوح داخلي في العالم.

تستخدم قوات الدعم السريع سلاح الاغتصاب لكي تؤكد سيطرتها على المناطق التي طردت منها الجيش السوداني أو التي تركها الجيش السوداني لهم بدون طلقة رصاص واحدة. هذا الوضع لم يبدأ في 2023 فقط، لكنه بدأ منذ شهر أكتوبر 2014. ففي يوم 30 من هذا الشهر، دخلت قوات الجيش مدينة تابت بولاية دارفور في شمال السودان، وترتب على هذا الدخول حملات اغتصاب جماعي للنساء في تلك المنطقة، بالإضافة إلى الكثير من الاعتقالات وسوء المعاملة للمدنين. موقع الجزيرة وثق في بداية العام الحالي، عدة شهادات لفتيات تم الاعتداء عليهن جنسيًا في منطقة الخرطوم في شمال السودان. مما يفيد أن سلسلة الاعتداءات مازلت مستمرة منذ سنوات بحسب منظمة هيومن رايتس ووتش في منطقة دارفور، لكن ربما لأن قوى الاستعمار الأقليمية (إسرائيل- الإمارات) في المنطقة تدعم قوات الدعم السريع، لم يتم التحرك بشكل فعال طوال السنوات الماضية.

الوضع زاد سوءًا في السنوات الأخيرة بسبب زيادة تداعيات الحرب بين قوى الثورة المضادة المتمثلة بالجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وبدلًا من أن تلعب مصر وباقي الدول دوراً إنسانياً لإنقاذ نساء السودان، فرضت عليهن تأشيرة دخول لأول مرة للأراضي المصرية، تراوحت من ألفين إلى 4 آلاف دولار. وهكذا تضمن الدولة المصرية دخول الأسر من طبقات اجتماعية مرتفعة لا يكلفونها أى أعباء مادية أو علاجية. أدى ذلك الى دخول الكثيرين إلى مصر بطرق غير شرعية مهما كلفهم ذلك من مخاطر، لكنها أقل في التكلفة المادية والتي وصلت الى 300 دولار تقريبًا.

الهروب من الاغتصاب وجرائم العنف الجنسي لم يكن سهلاً أيضًا على نساء وبنات السودان. ففي إحدى الشهادات، اضطرت سيدة أن تجلس مع جثة أمها في وسط الصحراء بين حدود مصر والسودان لأن المهرِّب رفض استكمال الطريق وهو يحمل جثة توفيت بسبب ظروف الهروب القاسية وغير الإنسانية.

لم تكن تلك الشهادة الوحيدة التي وثقتها شبكة بي بي سي البريطانية، بل هناك سيدة تحكي أن ابنتها ماتت بسبب الصدمة. فبعد أن تحركت من مدينة ود مدني ووصلت إلى منطقة أبو حمد بحثًا عن مخرج من السودان إلى مصر، تواصلت مع أحد المهربين، الذي قيدها بالحبال هي و13 شخصًا آخرين في عربة صغيرة. وبعد 3 أيام تعطلت السيارة في وسط منطقة جبلية وتظاهر السائق أنه سوف يذهب لمنطقة قريبة للبحث عن مساعدة في تصليح السيارة. ولم يمر لحظات حتى وصل ملثمين ومسلحين، وقام أحدهم بضرب الفتاة على وجهها وسرقة الحلق من أذنيها. تروي الأم أنها صرخت في الملثم ألا يضرب ابنتها، وتستكمل أنهم سرقوا كل أنواع الهواتف والأموال وتركوهم، وبعد وقت، ظهرت سيارات محملة بالبراميل وافقت على مساعدتهم وأوصلتهم داخل الحدود المصرية. تكمل حلمية أن ابنتها وهي طبيبة نفسية وفور دخولها الحدود المصرية، ذهبت الى مستشفى ولكن بعد دخولها إلى العناية المركزة أخبرها الطبيب بتوفي أبنتها بعد ساعات معدودة، هذا ما يتعرض له السيدات بعد حرمانهم من حرية الحركة بين البلدين في أوقات الحروب.

هكذا تستمر معاناة النساء السودانيات سواء في المكوث في السودان بين القتل والتعذيب والاغتصاب، أو بين رحلة الهروب وبدأ تقنين أوضاعهم في مصر. الجلوس أمام مقر المفوضية المصرية في الشارع لساعات للحصول على مكان أمامي في طابور المفوضية السامية لشؤون اللاجئين سواء في القاهرة أو الأسكندرية. وعلى الجانب الآخر سيدات ناجيات يبدأن رحلة أخرى في محاولة الحصول على موعد لطلب اللجوء الذي يستمر إلى شهور. وبعد الحصول على موعد لا يتم الموافقة على الطلب إلا بعد سنوات، يتعرضن فيه لخطر الاستغلال وعدم توفر فرص عمل لائقة أو مأوى، مما يعرضهن إلى المساءلة القانونية في أى لحظة. تشكو ضحى، وهي إحدى اللاجئات السودانيات في مصر، لموقع الجزيرة، من سوء التنظيم في محيط مقر المفوضية العليا للاجئين بالإضافة إلى قسوة رجال الأمن غير المبررة.

هذا هو وضع المرأة السودانية في الحرب القائمة في السودان، ورغم أننا لا ننسى دور السودانيات في الثورة السودانية ومحاولة نضالهن حتى تتحرر بلادهن من سلطة البشير التي كانت تقتلهن لسنوات بسبب قوانينها الرجعية. لكن على مر التاريخ، لطالما كانت الطبقات الأفقر هي التي تدفع الثمن، ويجب على الجميع معرفة أن نساء السودان تدفعن ثمن مطالبتهن بالحرية والمساواة.